الإهمال هو القاسم المشترك لكوارثنا سواء في البحر أو
الأرض وحتي في الجو، والإهمال يعني أخطاء بشرية مائة في
المائة ولا داعي للاستمرار في أحاديث عن عيوب فنية غير
موجودة في الأساس، والدليل علي ذلك أننا نكاد ننفرد عن دون
دول العالم بتكرار الحوادث بنفس السيناريو تقريبا، وكأننا
لا نتعلم أبدا.
لا داعي للانتظار طويلا في محاولات للبحث والاستقصاء عن
أسباب غرق العبارة «السلام 98» وعلينا أن نطلب من الحكومة
المسئولة عن كل الوزارات والهيئات المختلفة أن تنشر علي
الرأي العام نتائج التحقيق في الكوارث السابقة، وبالتحديد
كوارث غرق العبارة «سالم إكسبريس» في 22 ديسمبر 1991،
والعبارة «القمر السعودي» التي غرقت في أغسطس 1994، وفي
نفس الشهر أيضا غرقت العبارة «سالم»، ثم غرقت العبارة
«السلام 95» في عام 2002، وكان علي متنها 1017 شخصا
بالإضافة إلي عدد 60 سيارة و6 تريلات ثقيلة.
وفي أكتوبر 2001 غرقت العبارة «السلام 90» أثناء إبحارها
من السويس إلي جدة بعد أن اصطدمت بسفينة بضائع قبرصية،
ولحسن الحظ فإن الاصطدام أدي إلي تعلقها -أي - «السلام 90»
بالسفينة القبرصية فتم إنقاذ الركاب.
ومنذ عدة أشهر وفي خليج السويس قام قبطان سفينة تحمل مئات
المعتمرين بدخول الميناء متسابقا مع سفينة شحن أخري فاصطدم
بها، وأمكن إنقاذ الركاب عبر سفينة الشحن، فيما غرقت
سفينتنا وبداخلها 3 ركاب لم يستطيعوا الهرب لأن الاصطدام
فيما يبدو أدي إلي مقتلهم داخل الكابينة.
هذه عينة من الحوادث التي جعلت من البحر الأحمر مقبرة
لآلاف المصريين والحكومة تقيدها علي أنها «قضاء وقدر»
وتكلف لجانا ببحث أسباب تلك الحوادث وتعد تقارير ودراسات
فنية وعلمية، وهندسية تتكلف آلاف الجنيهات، وتوضع التقارير
علي الرف، فيما تدفع شركات التأمين التعويضات للشركات
مالكة السفن المضروبة والمصنفة بأنها من الدرجتين الثانية
والثالثة وترفض دول أوروبا السماح لها بالعمل واستخدام
موانيها ونقل ركابها، وهو ما ظهر جليا في حادث العبارة
الحالية!
وصور التحايل علي القانون والتفتيش البحري واتباع قواعد
الأمان كثيرة وأبسطها رفع علم «بنما» علي تلك السفن، فتصبح
أجنبية فيما الطاقم والركاب والبضائع والضحايا مصريون مائة
في المائة ما عدا بعض الاستثناءات لركاب ساقهم سوء الحظ
لمراكبنا!
ولأن عناصر الكارثة محلية بالكامل، فإن السلوكيات المصرية
الشائعة تتكرر كل مرة بنفس السيناريو، ويتصرف الركاب وطاقم
الخدمة بالذات في رحلات تلك المراكب كما يتصرفوا في حياتهم
العادية اليومية، وبالتالي لا يوجد أي فارق بين السفر علي
ظهر مركب في عرض البحر، أو الحياة في بيت ريفي أو في حي
شعبي عشوائي.
«فبوابير الجاز» التي أصبحت معلما تاريخيا لا تزال تعمل
وتتواجد مع الركاب، علاوة علي «البوتجازات» المحمولة والتي
تتحول إلي قنابل شديدة الانفجار في أي لحظة، وهو ما حدث في
معظم الحرائق التي نشبت في تلك السفن و علي متن قطار
الصعيد الذي تحول إلي قطعة من جهنم في لحظات.
والإهمال وعدم اتباع قواعد الأمان تسببا في حريق مسرح بني
سويف وفي مصرع عشرات الحجاج منذ عدة سنوات في مخيمات «مني»
أثناء أحد مواسم الحج وكان السبب استخدام مواقد الجاز أو
الغاز.
والإهمال أيها السادة أدي إلي حريق دار الأوبرا منذ سنوات
بعيدة، علي الرغم من أن إدارة إطفاء القاهرة موجودة علي
بعد خطوات قليلة.
فلا يوجد لدينا علم مواجهة الكوارث، والاستعدادات لعدم
حدوثها، وإذا حدثت كيف نتصرف، هل رأيتهم مثلا تدريبا علي
إخلاء مصنع أو مركب أو حتي مجمع التحرير في حالة حدوث
حريق.
اللامبالاة هي المسئولة عن تفشي الإهمال في الشخصية
المصرية، علي الرغم من أن أكبر كوارثنا الوطنية وقعت يوم 5
يونيو 1967 بسبب الإهمال وعدم اليقظة.
إنني أدعو الجميع حكومة وهيئات تحقيق وهيئات المجتمع
المدني إلي متابعة تفاصيل غرق العبارة ودراسة كيفية
التعامل مع تلك الكارثة حيث سنجد عشرات من صور الإهمال أدت
كلها إلي حدوث الكارثة.
والدرس الذي نحتاجه اليوم قبل الغد هو كيفية تعلم التعامل
مع تلك الكوارث، فعلي سبيل المثال أدي الإخلاء المنظم
لبرجي مركز التجارة العالمي يوم 11 سبتمبر بعد تعرضهما
للتدمير بالطائرات في يوم غزوة نيويورك إلي تقليل عدد
الضحايا بشكل كبير، وكان رجال الإطفاء في الداخل بعد دقائق
قليلة وكانوا من دفع أكبر فاتورة في قوائم الضحايا.
علينا أن نسأل لماذا لم تتحرك أي طائرة أو مركب إلا في
العاشرة صباحا بعد عشر ساعات من غرق العبارة، ولماذا تم
شحن سيارة نقل ضخمة عليها مواد قابلة للاشتعال، ولماذا لم
يتم إنزال مراكب الإنقاذ مبكرا، ولماذا اضطر الركاب إلي
تكسير الأبواب للوصول إلي السطح كما فعل ركاب السفينة
«تيتانيك» الفقراء الذين عزلوهم في القاع!
الرأي العام ينتظر إجابات واضحة، وتحقيقا علنيا ولا مانع
من الكشف عن كل أوجه القصور حتي نتعلم مرة واحدة من
أخطائنا، وتتوقف حوادث غرق العبارات واحتراق القطارات
والمسارح وسقوط العمارات علي الأرض والطائرات في السماء.
وبهذه المناسبة ما هو مصير التقرير النهائي لسقوط الطائرة
المصرية أمام سواحل نيويورك منذ عدة سنوات، وتقرير سقوط
الطائرة المصرية «فلاش إير» في شرم الشيخ العام قبل
الماضي، وهناك تقارير حول وجود خلافات بين تقاريرنا
والتقارير الأجنبية بمشاركة منظمة الطيران المدني!