قبل ما يزيد علي عشر سنوات كتب المفكر الفرنسي الذي اعتنق
الإسلام «روجيه جارودي» كتابه الشهير «الأساطير المؤسسة
للدولة الإسرائيلية»، وأعاد فيه فحص الروايتين الأوربية
والإسرائيلية عن المحرقة التي راح ضحيتها طبقا للروايتين
ستة ملايين من اليهود في أفران الغاز التي أحرقهم فيها
هتلر والإدارة النازية في ألمانيا، وحدث ذلك أثناء الحرب
العالمية الثانية وفي دول أوروبا التي احتلها النازي
وبخاصة في بولندا التي تحول معسكر «أوشفيتز» فيها إلي مزار
عالمي يحكي قصة إبادة اليهود علي أيدي النازيين0
وجرت ترجمة كتاب «جارودي» إلي عدة لغات وأثار ضجة كبري في
جميع أنحاء العالم لأنه توصل إلي نتائج مغايرة لكل ما كانت
قد استقرت عليه رواية «الهولوكست» الرسمية حين قال إن
الذين قتلوا من اليهود في هذه المذبحة لم يتجاوزوا عدة
مئات من الآلاف وليس ستة ملايين0
واستطرد حين أذاع الرقم الجديد قائلا إن قتل إنسان واحد هو
جريمة ضد الإنسانية، وإن صدق الأرقام ودقتها ليسا القضية
وإنما القضية هي المذبحة ذاتها وأضاف إن مئات الآلاف من
الغجر والمناضلين الشيوعيين والمسيحيين المعادين للنازية
والسود قد تعرضوا بدورهم للإبادة بينما لم تذكر الرواية
الرسمية غير اليهود باعتبارهم ضحايا الهولوكست0 وكان هذا
التركيز علي محرقة «اليهود» وحدهم أحد مسوغات الإسراع
بإنشاء دولة إسرائيل بعد اغتصاب أراضي الفلسطينيين وطردهم
من بلادهم0
نشر «جارودي» كتابه لدي صدوره في دار نشر صغيرة سرعان ما
رفضت نشر طبعة ثانية له ثم توالت الدعاوي القضائية ضده وضد
أحد القساوسة المسيحيين المرموقين والذي كان قد ساند
«جارودي» بسبب الحملة الإعلامية الهائلة التي واجهته، ثم
كان أن قدم «جارودي » للمحاكمة بتهمة معادات السامية
والتشكيك في «الهولوكست»، ودارت وقائع المحاكمة لشهور
طويلة، وفشلت كل محاولات الدفاع في كسب القضية علي أساس أن
اجتهاد «جارودي» سواء كان قد وصل إلي نتائج صحيحة أو خاطئة
يقع في ميدان حرية البحث العلمي وحقوق التعبير والتفكير0
ولكن لأن هناك قانونا في فرنسا0 وأظن أن هناك قوانين
مشابهة في عدة دول أوربية تجرم التشكيك في المحرقة
«الهولوكوست»، وتعاقب من يقوم بهذا التشكيك فقد أدين
الباحث وتواري عن الأنظار وهو نفس ما تعرض له قبل شهور
باحث آخر أخذ يفضح سطوة اليهود علي الإعلام الفرنسي هو
«بونيفاس»0
أسوق هذه المقدمة لأبين أن الذين هبوا من المثقفين
الأوروبيين دفاعا عن رسامي الكاريكاتير الدانمركيين الذين
أنتجوا ونشروا صورا مهينة للنبي محمد (صلي الله عليه وسلم)
بدعوي أنهم يمارسون حرية التعبير وأن هذا من حقهم يكيلون
بمكيالين ويمارسون ازدواجية المعايير خاصة حين يتعاملون
باستعلاء مع المشاعر الدينية لملايين المسلمين البسطاء
الذين أصبحوا يتظاهرون في العالم الإسلامي وأوربا احتجاجا
علي الإهانة خاصة أنهم مجروحون بما يكفي جراء احتلال
بلدانهم ونهب ثرواتهم وقمعهم0
ففي بلداننا أيضا هناك قوانين تجرم ازدراء الأديان00 كل
الأديان تماما كما يجرمون هم التشكيك في الهولوكست أو
معادة السامية، وهي قوانين لابد من احترامها والتعامل معها
بمسئولية0
صحيح هناك اختلاف في السياق وتفاوت في مستويات التقدم
والتطور عامة بين أوربا وبلدان العالمين العربي والإسلامي
والبلدان النامية عامة من حيث توافر الحريات العامة، حيث
قطع الأوروبيون أشواطا كبيرة في هذا السياق، بينما يجاهد
المسلمون من أجل حرياتهم، وفصلت أوروبا الدين عن الدولة
منذ ما يزيد علي قرنين، فأصبح الدين شأنا شخصيا بين
الإنسان وربه0 وتوصلت إلي الصيغة العلمانية التي هي شرط
المواطنة، وتمتع العلماء والباحثون فيها بحريات واسعة لا
فحسب في نقد الدين وإنما أيضا في التعامل معه كنتاج بشري
قابل للفحص وإعادة الفحص والتأويل وكل هذا لم يثن المؤمنين
عن إيمانهم «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» كما يقول
القرآن الكريم0
وهناك شواهد كثيرة تقول إن تأجيج نيران الكراهية الدينية
هو عمل مقصود به إضفاء مشروعية علي فكرة صراع الحضارات
التي أطلقها المحافظون الجدد في أمريكا وتبناها «بوش» الذي
خيل إليه أن الله سبحانه يكلمه مثلما فعل مع النبي «موسي»،
وذلك من أجل تغييب الطابع السياسي- العسكري الاقتصادي
للامبريالية الجديدة التي تجدد نهج الغزو، وتسعي لعسكرة
العولمة0 ومن هذا السياق فإن شيطنة الإسلام والمسلمين تصبح
حاجة دعائية ملحة لمشروع حرب الحضارات، ويجري ترتيب اصطفاف
جديد علي طريقة «أسامة بن لادن» الذي يقدم أكبر خدمة
للمشروع الإمبريالي حين يضع كل النصاري واليهود في سلة
واحدة ضد المسلمين الذين يضعهم جميعا في سلة واحدة،
متجاهلاً أو غافلاً عن صعود الحركة العالمية المناهضة
للعولمة والإمبريالية التي تضم مسلمين ويهودا ومسيحيين
وكفارا وبوذيين وهندوسا00 بينما هناك مسلمون هم سند رئيسي
لمشروعات الهيمنة الامبريالية الأمريكية سواء كانوا حكاما
أو وكلاء للشركات عابرة القارات0
برز شعار في مظاهرات المسلمين في أوروبا يقول نحن نحترم كل
الأديان فربما يكون هذا الشعار حافزا للفنانين الذين
أشعلوا الأزمة للاعتذار حتي يضعوا حدا لفتنة لا ضرورة لها0