ليس مستغربا أو مثيرا للدهشة أن تقوم منقبة بعرض وتوزيع
فيلم في عربة السيدات بمترو الأنفاق عن فيضان «تسونامي»
وعن شاب سعودي مات فتحول وجهه إلي وجه قبيح لكهل بائس.
وليس مثيرا للدهشة أن تقف المنقبة بمنتهي الجرأة والتبجح
والجهل لتعلن أن كارثة «تسونامي» ليست سوي عقاب من الله
لبشر المنطقة علي آثامهم وذنوبهم، وإن تبدل وجه الشاب من
الجمال للقبح عقاب من الله أيضا لأنه كان يشاهد التليفزيون
ويتحدث مع البنات!!
ومع العرض للهول العظيم لوقائع الفيضان الذي دمر القري
والبيوت والتهمت أمواجه أطفالا ونساء ورجالا وعجائز
وشبابا، ومع صور تبدل شكل الفتي السعودي وكلها بالفعل
مشاهد تثير الجزع والرعب، كانت تضيف المنقبة لهباً آخر
يشعل المزيد من الجزع والرعب في نفوس الراكبات خاصة من
صغيرات السن، حتي وصل الأمر لدرجة البكاء بصوت مرتفع
وارتعاش الأجساد حتي أوشكت علي السقوط في إغماءة من شدة
الهلع.
كل هذا ليس مثيرا للدهشة، ولا حتي أن هذه الواقعة حدثت في
مترو الأنفاق المملوك للدولة التي تحاصرنا حتي عد الأنفاس
بكل أشكال الرقابة والمنع، فهذه الدولة وأجهزتها ليست ضد
تفسيرات الجهل للطبيعة وللواقع وللظواهر، بل إنها تشجعها
وربما لو فتشنا قليلا في عقول السادة «بتوع» الإلكترونية
وثورة المعلومات لوجدنا استقرارا لهذا العنكبوت في
أدمغتهم، ففي أعقاب كارثة «تسونامي» نشرت جريدة كبري مقالا
بها يحتوي تفسيرا للكارثة بأنه عقاب من الله علي آثام من
أصابتهم الكارثة.
ولن نقول إن للكوارث أسبابا علمية تحكمها وتفسرها قوانين
تنظم كل الظواهر الطبيعية وإن الظواهر التي لا تجد لها
تفسيرا في لحظة وقوعها لا يعني سوي أن العلم مازال لم يصل
لتفسيرها، لن نقول كل هذا لأنه لن يدخل عقول عشش فيها
عنكبوت الجهل وظلام الخرافة، ولكننا سنظل نتساءل أين أجهزة
الدولة من كل هذه السموم، سواء في عربات المترو أو علي
الأرصفة التي تعرض كتبا وتسجيلات تحوي ثعابين الرعب
والإرهاب الفكري الذي يتلبس شبابا غير مسلح بالعلم، فيصيبه
الإرهاب الفكري بالفزع والرعب من مصير اخترعه هؤلاء الجهلة
ويصفونه بأنه عقاب من عند الله، وهي الخطوة الأولي نحو
الإرهاب الدموي الذي يبدأ من الإرهاب الفكري.
ثم هل تسمح مثلا أجهزة الدولة التي تعرض علي شاشات قنواتها
ما لا يقل تخلفا وجهالة عما سبق وذكرناه هل تسمح
للعلمانيين والعلماء بعرض أفكارهم في الشوارع والمترو وعلي
شاشات التليفزيون؟ لا ننتظر إجابة فنحن نعرفها وهي في أفضل
الحالات لن تسمح فالدولة تريد أن نكون مجتمعاً جاهلاً
مرعوباً حتي يسهل سيطرتها عليه.