يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1264 (1 - 8) فبراير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

بيان الحكومة .. يخدع الجميع

 
 

هوس الخصخصة أصاب المسئولين

 
 

د. إبراهيم العيسوي

 

  1- أفاض رئيس الوزراء في الحديث عن إنجازات حكومته والرواج الذي شهده الاقتصاد المصري في عهدها، والحقيقة أن الرواج الذي حدث هو رواج زائف إلي حد بعيد، فهو رواج مرتبط بهوس الخصخصة الذي أصاب الحكومة ودفعها إلي الإسراع ببيع شركات القطاع العام وبيع حصص الدولة في بعض الشركات المشتركة بأي ثمن، حتي بلغت حصيلة الخصخصة 5.16 مليار جنيه في 15 شهرا، ورواج البورصة الذي تحدث عنه بيان الحكومة مرتبط أيضا بعملية الخصخصة وخاصة بيع 20% من أسهم الشركة المصرية للاتصالات، والتي بلغت قيمة مبيعاتها حوالي ثلث حصيلة الخصخصة.
فما الذي يدعو إلي الزهو بتسييل ممتلكات الدولة وتحويل الأصول المملوكة للشعب إلي القطاع الخاص؟ إن الخصخصة ليست استثمارا، وإن كان رئيس الوزراء يتحدث عنها تحت هذا البند، ربما لأن عمليات الخصخصة أصبحت بيد وزير الاستثمار!! إن الخصخصة التي أسماها رئيس الوزراء تحريك الأصول غير المالية المملوكة للدولة تارة، وإدارة الأصول المملوكة للدولة تارة أخري، ليست إلا نقلا للملكية من يد القطاع العام إلي يد القطاع الخاص، أي تحويل ملكية الشعب في مجموعة إلي ملكية قلة قليلة من رجال القطاع الخاص، دون أن تضيف شيئا إلي رأس مال المجتمع الحقيقي، أي إلي الطاقات الإنتاجية للاقتصاد المصري، وهي لا تزيد من فرص العمل، بل تزيد من الأعداد التي تنضم إلي طابور المتعطلين من خلال المعاش المبكر وفصل العمال في الشركات بعد خصخصتها، فما الذي يدعو إلي التباهي والحديث عن إنجازات في هذا الشأن؟!.
كما أن جانبا من الرواج الذي أشار إليه بيان رئيس الوزراء مرتبط بارتفاع الأسعار العالمية للبترول، وهو ما أدي إلي زيادة قيمة الصادرات البترولية بشكل محسوس وإن كان قد أدي أيضا إلي زيادة قيمة الواردات المصرية من المنتجات البترولية ولذا لم يكن الأثر علي الميزان التجاري محسوسا، بل إن عجز الميزان التجاري قد ازداد بأكثر من 6.2 مليار دولار حسب بيان رئيس الوزراء، والمهم في الأمر أنه لا فضل للحكومة في ارتفاع أسعار تصدير البترول، ولا يخفي أن الرواج الذي يرتبط بارتفاع أسعار البترول وزيادة تصدير الغاز وارتفاع إيرادات السياحة هو رواج من مصادر ريعية، وليس رواجا يستند إلي توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد المصري، وليس في هذا ما يدعو للزهو والتباهي.
2- لا تشكل البرامج التي تحدث عنها رئيس الوزراء بالنسبة للفترة القادمة مجموعة متماسكة ومترابطة من البرامج التي تعبر عن استراتيجية واضحة للتنمية أو حتي استراتيجية محددة للتصنيع الذي شهد تراجعا ملحوظا عبر الثلاثين عاما الماضية لدرجة أن نصيب الصناعة في الدخل القومي الآن (19%) قد عاد إلي المستوي الذي كان عليه 1967، أي منذ ما يقرب من 40 سنة، فالبرنامج لا يوضح ما هي الأولويات بالنسبة للفروع الصناعية المختلفة، وما هي الصناعات التي تريد الحكومة تفويتها، وما هي الصناعات الجديدة التي تريد ضمها إلي الهيكل الصناعي من أجل الارتقاء به، وما هي السبل الكفيلة بتعميق التصنيع وتقليل التبعية والاعتماد علي الخارج والحد من هشاشة القطاع الصناعي المصري، والاقتصاد المصري بوجه عام.
ولما كانت الحكومة لا تملك من الوسائل في هذا الصدد غير الترغيب والتحفيز وغير تهيئة المناخ الاستثماري علي أمل جذب الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي، فإن فرص تحقيق البرامج الإنمائية للحكومة تظل معلقة علي نوايا القطاع الخاص المحلي والمستثمرين الأجانب، ولكن الأمل يظل ضعيفا مادام القطاع الخاص ضعيفا ومحدود الإمكانات، ومادام إقباله لم يزل كبيرا علي المشروعات التجارية والعقارية والاستهلاكية، وما دامت آفاقه في التصنيع لاتتعدي العمل وكيلاً للشركات الأجنبية في تجميع وتعبئة منتجاتها، كما يظل الأمل ضعيفا في اجتذاب الاستثمار الأجنبي المباشر لإقامة مشروعات جديدة، وليس لمجرد شراء شركات القطاع العام وبنوكه، وذلك مادامت بقيت الحكومة مفتقدة سياسة جريئة لزيادة معدل الادخار المحلي وزيارة الاستثمارات الإنتاجية، ومن ثم الارتفاع بمعدل النمو الاقتصادي من مصادر إنتاجية، لا من مصادر ريعية، فالاستثمار الأجنبي لا يصنع النجاح لأي دولة، وإنما يأتي ليشارك في نجاح قد تحقق فعلا بجهود أبناء تلك الدولة.
3- إن برنامج الحكومة مازال يسير علي نفس النهج الذي سار عليه الاقتصاد المصري خلال الثلاثين عاما الماضية، وهو النهج الذي لم يسفر عن نمو حقيقي للطاقات الإنتاجية، بل تراجع معدل النمو الاقتصادي خلاله من حوالي 8% 9% في أول الفترة إلي 2% - 3% في مطلع القرن الواحد والعشرين، كما تراجع نصيب الصناعة في الدخل القومي، ولم يتعمق التصنيع بل ازداد ضحالة، وازداد القطاع الصناعي اعتمادا علي الخارج في تدبير احتياجاته من السلع الإنتاجية ومستلزمات الإنتاج، وخلال تلك الفترة تراجعت الأجور الحقيقية لمعظم المصريين، كما انخفض نصيب الأجراء - وهم غالبية العاملين - في الدخل القومي من النصف تقريباً في أول الفترة إلي الربع تقريباً حالياً. كما أصبح معدل البطالة الآن أربعة أمثال ما كان عليه في 1975 (10% مقابل 5.2% من قوة العمل) وهذا قليل من كثير من الشواهد المتاحة علي فشل سياسة التحرير والانفتاح الاقتصادي.
فلماذا تصر الحكومة علي مواصلة السير في هذا الطريق الفاشل؟ وإذا كانت الحكومة غير مدركة لهذه النتائج السئية التي أدت إليها سياسات اقتصاد السوق وتراجع التخطيط، والتحول إلي القطاع الخاص وإهمال القطاع العام، وتحرير التجارة الخارجية وحرمان الصناعة المحلية من الحماية، فضلاً عن حرمانها للقطاع العام بوجه خاص من سبل التطوير الفني والإداري والمالي ومن الاستثمارات اللازمة لهذه الأغراض طوال تلك السنوات الثلاثين .. إذا كانت الحكومة غير مدركة لهذه النتائج فتلك مصيبة! وإذا كانت مدركة لهذه النتائج ومع ذلك لم تزل تصر علي السياسات الانفتاحية وسياسات التحرير الاقتصادي التي أدت إليها فتلك مصيبة أكبر!!
ولذلك فقد اندهشت من قول رئيس الوزراء في ختام بيانه بأنه يريد تحقيق إصلاح جذري وشامل، فالإصلاح الجذري الشامل يدور في رأيه حول تغيير دور الحكومة في الاتجاه ذاته الذي جري علي امتداد الثلاثين عاماً الماضية وهو: تخارج الدولة من النشاط الإنتاجي وتخفف الدولة من مسئولياتها الاجتماعية وإطلاق العنان لقوي السوق ودخول القطاع الخاص شريكاً للدولة في كل القرارات مع تهميش دور الطبقات الاجتماعية الأخري أو استبعادها من صناعة القرار، فأي إصلاح جذري شامل يريده رئيس الوزراء أكثر مما جري؟! وماذا وراء شكوي سيادته من أن حكومته لا يمكن أن تحقق نجاحاً في تغيير دور الحكومة .. بحيث تكون منظماً ورقيباً وتترك للقطاع الخاص المجال الفسيح للعمل والإنتاج وفق مواصفات عالمية .. لا يمكن أن نحقق هذا ونحن نواجه بانتقادات تريد إعادة الحكومة إلي دور كانت تلعبه في الماضي ولم تحقق به النجاح المنشود فهل يريد رئيس الوزراء إسكات معارضيه، وإيقاف النقد الموجه للحكومة ولسياستها الخاطئة؟! إن هذا يدعونا للتساؤل عن مفهوم رئيس الوزراء للديمقراطية وتصوراته للمعارضة السياسية إذا كان يري أن النقد سيعطل سيادته عن تنفيذ سياساته0
ومن جانبنا، فإننا نعد رئيس الوزراء بأننا لن نتوقف عن معارضة سياساته لأننا نعتقد أنها خاطئة، ولأن تجارب ثلاثين عاما قد أثبتت عجزها عن إخراج مصر من التخلف، ولأن تجارب غيرنا من الدول قد أكدت فشل هذه السياسة، وبرهنت علي صدق ما ندعو إليه، وهو :
1 - لا تنمية حقيقية بغير دور نشط للدولة، شاملاً دفعها وانخراطها في النشاط الإنتاجي، حيث لا تكفي جهود القطاع الخاص وحدها لإنجاز تنمية سريعة وعميقة وشاملة، ولإنجاز التصنيع الذي هو لب التنمية0
2 - لا تنمية حقيقية بغير تخطيط فعال، ولا يمكن الركون في ذلك إلي قوي السوق وحدها ومبادرات القطاع غير المتناسقة وحدها0 والتخطيط الجاد في ظروف دولة نامية غير ممكنة في غياب قطاع عام قوي0 وبطبيعة الحال فإن هذا لا يعني إهمال السوق ولا يعني مخاصمة القطاع الخاص، وإنما يعني الاعتراف بمحدودية دورهما، وبأن هذا الدور لا ينجح في غياب التخطيط والقطاع العام0
3 - تحرير التجارة قبل تمكين الاقتصاد الوطني من تطوير طاقاته الإنتاجية وقبل رفع مستوي قدراته التنافسية قد يؤدي إلي تدمير الصناعات الوطنية وإلي ازدياد التبعية الاقتصادية، والتي عادة ما تجر البلاد إلي التبعية السياسية0 فالتنمية هي قاطرة التجارة، وليست التجارة هي قاطرة التنمية0 والاندماج الناجح في الاقتصاد العالمي هو نتيجة للتنمية الناجحة، وليس شرطا مسبقا لها كما يعتقد السيد رئيس الوزراء وحكومته و القيادات الجديدة للحزب الوطني0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة