قدم الكاتب والمفكر الكبير الأستاذ صلاح عيسى فى مقال
بجريدة الجمهورية بتاريخ 19 يناير 2006 تحليلا نقديا
للحصاد السياسى لعام 2005، وهو المقال الذى قدم من خلاله
فكرة لامعة-كعادته- تستحق المناقشة، مؤداها أن "الوحيد
الذى استفاد من نشاط حركة كفاية ...كانت الإخوان
المسلمين". ذلك لأن كفاية التى "التقطت مشاعر السخط
والاحتجاج فى المجتمع المصرى" ووجهتها نحو الحزب الحاكم
وأحزاب المعارضة "استثنت الإخوان المسلمين من حملتها، بل
ولم تمايز بين برنامجها كحركة معارضة مدنية...وبين برنامج
الإخوان" فاسهمت بذلك فى "خلق ظاهرة التصويت الاحتجاجى
التى دفعت كثيرين من الناخبين لكى يصوتوا للإخوان".
والكاتب الكبير محق فى أن كفاية قد خدمت الإخوان، إذا
مااتفقنا على أننا نتحدث على المدى القصير فقط، وبشكل نسبى
أيضا، دون أن ينسحب ذلك على المدى الطويل الذى أتصور أن
كفاية-بغض النظر عن مسارها المستقبلى-قد وضعت الأسس فيه
لتحد كبير يواجه الإخوان.
أما على المدى القصير، فإن الأستاذ صلاح عيسى قد انطلق من
الحراك السياسى عموما ليقصر تحليله لنتائجه على الانتخابات
البرلمانية وحدها. ومن هذه الزاوية فقط فإن مقولته لاخلاف
عليها لأسباب منطقية ذكر هو نفسه بعضها فى مقاله. فقد
استفادت حركة الإخوان فعلا من كفاية لا لأن كفاية التقطت
السخط ووجهته لأحزاب المعارضة "واستثنت الإخوان" وانما لأن
الإخوان كانت لحظة الانتخابات هى القوة الأعلى تنظيما، كما
ذكر الكاتب، ومن الطبيعى فى أية انتخابات تحجم فيها
الأغلبية عن التصويت أن تحسم المعركة لصالح الأعلى تنظيما.
لكن لعلها من المفارقات الجديرة بالتأمل أن حتى منتقدى
كفاية يعولون عليها أكثر مما يدركون بل ويطلبون منها ماليس
فى طاقتها! فعلى سبيل المثال، يرى كاتبنا الكبير الأستاذ
صلاح عيسى أن كفاية استثنت الإخوان من نقدها ولم تمايز بين
برنامجها وبرنامج الإخوان. وتستحق هذه النقطة بعض التعليق،
فكاتبة هذه السطور، وهى مستقلة تابعت كفاية بعين الباحث
المدقق، قد وقعت يدها على تصريحات عدة منشورة فى الصحف قال
فيها قيادات كفاية صراحة أنهم يرفضون الدولة الدينية، منها
مثلا ماجاء فى ندوة صحيفة صوت الأمة التى نشرت فى 11 أبريل
2005، كما أعلنوا المرة تلو الأخرى أن المواطنة على قمة
أولوياتهم. لكن كفاية التى سعت إلى إعادة تعريف الشرعية
باعتبارها "ليست منحة من النظام" على حد تعبيرها لم يكن
مطلوبا منها أن تناقض نفسها وتوجه نقدا استثنائيا للإخوان،
هذا فضلا عن أن التركيز على التمايز بين المشروع المدنى
وبرنامج الإخوان ليس فى الواقع دور كفاية كحركة احتجاجية
هدفها الرئيسى تحريك قطاعات المجتمع نحو التغيير، وانما هو
دور الجماعة الفكرية والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدنى.
غير أن نقد كفاية للأحزاب الشرعية كان يطول الإخوان أيضا،
وهو مايدعو إلى القول بأن استفادة الإخوان من كفاية تقتصر
على لحظة الانتخابات وحدها. فقد أثرت كفاية على حركة
الإخوان نفسها من الداخل. وهو ماانعكس بوضوح فى دفع
الإخوان دفعا للعودة فى لحظة ما إلى مظاهرات الشوارع، بعد
أن كانوا قد نأوا بأنفسهم عنها لفترة ليست بقصيرة. وقد كان
ذلك نتيجة مباشرة لضغوط كبرى مارستها الأجيال الشابة
بالذات فى الإخوان والتى كانت قد بدأت تضيق ذرعا بالأطر
التقليدية للحركة فى العمل السياسى، والتى انتقدتها كفاية
حين انتقدت الأحزاب. وتأثير كفاية على الإخوان يظل واضحا
من خلال العلاقة القلقة طوال الوقت بين الطرفين والتصريحات
المتناقضة للإخوان عن كفاية والتى حين يضعها أى باحث أمامه
يجدها تقول الشئ وعكسه فى الواقع. فكفاية مثلت تحديا
لايمكن إنكاره للإخوان الذين وجدوا أنفسهم لأول مرة أمام
من يسحب البساط من تحت أقدامهم فى الشارع، الذى طالما
اعتبروه مضمونا لهم وحدهم.
أما على المدى الطويل نسبيا، فإن كفاية قد مثلت تحديا مهما
للإخوان لاعلاقة له بأساليب حركة كفاية الاحتجاجية، ولاشكل
مسارها المستقبلى وانما يتعلق بمنهجها السياسى. فهى حركة
قامت على ائتلاف واسع لقوى وتيارات سياسية عدة، حيث ضمت
بين مؤسسيها اسلاميين وناصريين وماركسيين وليبراليين،
متخطية بذلك حدود الأيديولوجيات. وهذا هو بالضبط التحدى
الأهم على الإطلاق للإخوان، التى يقوم منهجها السياسى على
صيغة العمل المنفرد أو المهيمن اللهم إلا بعض التحالفات
الوقتية التى سرعان ماتفضها الجماعة وفقا لمصالحها وحدها.
فقد قدمت كفاية نموذجا عابرا للأيديولجيا فيه انفتاح لكل
تيار على الآخرين فى إطار العمل المشترك بشكل جدى لامظهرى
تكتيكى وهو فى ظنى التحدى الأهم على الإطلاق الذى مثلته
كفاية للإخوان، ومن شأنه أن يجعل قدرة الإخوان على الإصرار
على العمل المنفرد فى المستقبل أكثر كلفة مع مرور الوقت.
غير أن الأستاذ صلاح عيسى محق تماما فى تحليله للحظة
الراهنة باعتبارها واحدة نجد فيها أنفسنا "بين سندان
الأجنحة المحافظة فى النظام الحالى...وبين مطرقة..."
الإخوان. لكن مهمة الخروج من هذا المأزق لا تقع فى ظنى على
عاتق كفاية وحدها كإحدى قوى الإصلاح والتغيير وانما تقع
بالدرجة الأولى على كاهل اليسار المصرى. فالإصلاح الحقيقى
فى مصر لن يحدث إلا بعودة العافية لليسار الوطنى المعتدل
القادر علىالزج بقضية العدالة الاجتماعية على الأجندة
الوطنية، والمنفتح على التيارات الأخرى بعيدا عن دوامة
الاستقطاب الراهنة التى تشل قوى الإصلاح، ونجحت كفاية حتى
الآن فى النجاة من الوقوع فى فخها.