في أربعة أيام متتالية نشرت صحيفة روز اليوسف اليومية
حديثا أجراه رئيس تحريرها مع جمال مبارك عضو الأمانة
العامة للحزب الوطني وأمين السياسات بالحزب، وأعادت صحيفة
الأهرام نشر الحديث المسلسل في سابقة أظن أنها الأولي في
صحيفة عريقة - أو كانت عريقة - مثل الأهرام.
وقد اضطررت لقراءة الحديث باهتمام، ولم أجد سببا لإجراء
هذا الحديث ونشره والاحتفاء به إلا كون المتحدث هو نجل
رئيس الجمهورية الرئيس حسني مبارك، وهو نفس السبب الذي دفع
به إلي واجهة العمل السياسي الحزبي في السنوات الأخيرة،
وهو ما يعترف به صراحة أو تلميحا في الحديث.
فإذا كان من المحتمل أن تكون كفاءاته المهنية هي التي أدت
إلي عضويته في مجلس إدارة شركة خاصة بإدارة صناديق
الاستثمار المباشر وهي شركة المجموعة المالية هيرمس
للاستثمار المباشر.. وكذلك عضويته في مجلس إدارة أحد
البنوك المصرية منذ عام 1996 وهو البنك العربي الإفريقي
الدولي، فمن المؤكد أن علاقاته الأسرية هي السبب في دوره
السياسي، وهو ما يقربه قائلا عندما بدأت في الانخراط في
العمل الحزبي فلاشك أن معرفتي بالأمين العام للحزب الوطني
وقيادات الحزب ومعرفتهم بي عن قرب هي التي أدت إلي ترشيحهم
لي لدخول الأمانة العامة عام 2000، والنظام الداخلي للحزب
الوطني الحاكم يقوم علي تعيين المكتب السياسي والأمانة
العامة من قبل رئيس الحزب في المؤتمر العام في الحزب، الذي
لا يعرف الانتخابات التنافسية أو التعددية.
وقد لفت نظري بعض ما قاله جمال مبارك في هذا الحديث ويستحق
التوضيح له ولمن قرأ هذا الحديث.
> يقول إنه يوجد الآن الكثيرون الحريصون علي الحصول علي
بطاقة انتخابية، مدللا بذلك علي إقبال الناس علي العمل
السياسي والمشاركة في الانتخابات العامة، وهو قول يناقض
الواقع، فهناك أكثر من 14 مليون مواطن يحق لهم القيد في
جداول الانتخابات والحصول علي البطاقة الدالة علي ذلك لم
يقيدوا أنفسهم ولم يدل بصوته في انتخابات مجلس الشعب
الأخيرة إلا 26% من المقيدين في جداول القيد الانتخابي
طبقا للبيانات الرسمية والتي تتجاوز النسب الحقيقية بكثير.
> ويكرر ما تردده أجهزة الحزب والدولة بإلحاح حول
الإصلاحات السياسية التي قام بها الحكم، ومن بينها إلغاء
محاكم أمن الدولة وإلغاء عقوبة الأشغال الشاقة وإلغاء معظم
الأوامر العسكرية، ولكنه لم يقل إن هناك محاكم أمن الدولة
طوارئ القائمة طبقا لحالة الطوارئ والتي لا يمكن الطعن
عليها أمام أي محكمة استئنافية بينما أحكام محاكم أمن
الدولة الملغاة كان يمكن الطعن في أحكامها أمام درجة أعلي،
ولم يقل إن حالة الطوارئ تكاد تكون معلنة بصفة دائمة، علي
الأقل منذ ربع قرن وحتي اليوم، وأن هناك عديداً من الأوامر
العسكرية مازالت قائمة، وبعضها عدل في تشريعات قائمة.
> وعندما يتحدث عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية وعدم
اقتناع الناس بها، يرجع ذلك إلي أن الناخب لم يلمس أثر ذلك
بسرعة في دخله وفي فرص العمل.. وقد دفع الحزب في
الانتخابات ثمن سلبيات الأثر المتأخر للسياسات الاقتصادية،
والحقيقة أن الناخب يعاني بشدة من أثر هذه السياسات التي
بلغت ذروتها مع بداية التسعينيات وأدت إلي تراجع التنمية
لفترة طويلة، وزيادة نسب الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار،
وانخفاض مستوي معيشة الطبقات الفقيرة والوسطي، وشيوع
الفساد.
وكان من الممكن تجاهل ما ورد في هذا الحديث كله، ولكن
المشكلة أن الحزب الوطني يحتكر الحكم في مصر منذ 30 عاما،
عن طريق تزوير الانتخابات العامة وانتهاك الحريات العامة،
وغياب العدالة والمساواة، وهيمنة الدولة البوليسية القائمة
والدمج بين أجهزة الدولة والحزب، وعندما يتحدث أحد قادته -
وهو ابن رئيس الجمهورية بالصدفة - فلابد من إعطائه قدرا من
الاهتمام.