اعتمادا علي حبنا له ارتكب الكاتب الكبير نجيب محفوظ
خطأ فادحا في حق الثقافة الوطنية والتطور الديمقراطي في
البلاد.
فعل ذلك حين اشترط لكي يجري نشر أولاد حارتنا في مصر أن
يحصل علي موافقة من الأزهر، وأن يقوم كاتب من رموز الإخوان
المسلمين بكتابة مقدمة للرواية قبل نشرها، كما أنه أوقف
الطبعة الشعبية التي كانت قد أعدتها فعلا مؤسسة دار الهلال
في سلسلة روايات الهلال بمبادرة من الزميل مجدي الدقاق
الذي كان قد أعد الرواية فعلا لتكون في متناول جمهور معرض
الكتاب.
ولا يجادل أحد في أن للمؤلف حقوقا لابد من احترامها، وقد
عاني نجيب محفوظ ربما أكثر من كل الكتاب المصريين من سرقة
أعماله وطبعها في بيروت دون أن يحصل علي كل حقوقه من
عائدها، وقد جري طبع أولاد حارتنا علي نحو خاص عشرات
الطبعات في بيروت ووزعت في العالم العربي كله وجري تهريبها
إلي مصر لتباع علي مدي أربعين عاما بأسعار خيالية ليست في
متناول القاريء العادي، ولكن هذه قضية أخري، ينشغل بها
الآن اتحاد الكتاب ورئيسه محمد سلماوي.
أما استدعاء المؤسسة الدينية لكي تكون رقيبا علي الإبداع
فتسمح.. أولا تسمح بنشر رواية بل وتزكية هذه الرواية من
قبل أحد رموز الجماعات الدينية فهو نكسة كبري بكل المقاييس
لقضية حرية الفكر والتعبير والإبداع التي تتغير من مراقبة
مؤسسات كثيرة ومجتمع محافظ يعود للوراء.
وقبل ألف عام كتب القاضي الجرجاني الناقد والمفكر الإسلامي
إن الشعر ينبغي أن يبقي بمعزل عن الدين، ونحن ننتكس الآن
علي قوله هذا.
وتتعرض حرية التعبير في العالم العربي وفي مصر لقيود بلا
حصر حتي أن يوسف إدريس قال - وهو الذي قام بتحطيم قيود
كثيرة -: إن حرية التعبير المتاحة في العالم العربي لا
تكفي كاتبا واحدا بينما يقوم نجيب محفوظ بكل ما له من نفوذ
معنوي وتأثير علي الرأي العام بجرنا إلي الوراء سنين طويلة
حيث يهيل التراب علي كفاح متصل لعشرات من الكتاب والمبدعين
الديمقراطيين علي مدي قرنين من الزمان أرثوا قليلا من
الحدود الدنيا لتحصين حرية الفكر والتعبير ضد هيمنة
المؤسسة الدينية علي نحو خاص ناهيك عن كل أشكال الاستبداد
الأخري التي تجسدت في ترسانة من القوانين المقيدة للحريات،
ومايزال الكتاب والمبدعون المستنيرون يكافحون ضدها، ويوجه
نجيب محفوظ ضربة قاسية لهذا الكفاح.
بل إن ضربته تطول كل مسيرة التنوير عبر السنين في زمن
أصبحت فيه الأصولية شريكا للنظام في السلطة والثروة
وامتلاك الحقيقة، بل وتراجعت مسيرة تجديد الدين والإصلاح
الديني الذي أنجزته أوروبا في القرن السادس عشر مطلقة عصر
الأنوار في القرن الثامن عشر وصولا إلي الثورة العلمية
والتكنولوجية وثورة الاتصال في القرن العشرين بينما مازلنا
نحن نتعثر في أسئلة القرون الوسطي حول علاقة الدين
بالسياسة والإبداع والعلم، ونتعلق بقشور الحداثة متجاهلين
أن أساسها هو العلمانية والديمقراطية، وتمسك برقابنا
مؤسسات دينية محافظة ودنيوية مستبدة تري أن الأسلاف لم
يتركوا شيئا للأخلاق ليضيفوه فتقتل الإبداع في كل الميادين
مادام ليس في الإمكان أبدع مما كان، وتشوه كل ما كان قد
نضج فعلا في مسيرة الثقافة العربية الإسلامية من توجهات
عقلانية مبدعة، وذلك بعد أن انفصل الفكر الإسلامي عن
الفلسفة منذ القرن الثالث عشر حين جري إهدار أو علي الأقل
إهمال الإسهام العالمي للرواد وعلي رأسهم الشاعر الفيلسوف
أبو العلاء المعري الذي كانوا قد أخرجوه من أمة الإسلام
لكثرة ما رأي في كل من اللزوميات ورسالة الغفران، هو
فيلسوف العقلانية الذي قال إن كل عقل نبي.
بل إن فلاسفة عصور الازدهار العقلاني الإسلامي الذين فتحوا
لأوروبا الجاهلة في العصور الوسطي أبواب التقدم ودخلوا بها
عصر النهضة مثل ابن رشد والفارابي وابن سينا قد جري
تهميشهم لصالح الفقهاء المحافظين حيث نشأت الخصومة الطويلة
مع الفكر الفلسفي وأصبحنا مستهلكين لفتات ما يبدعه العالم
في هذا الميدان دون إضافة حقيقية، وحتي دون قلق حيث تتراجع
جامعاتنا ومؤسساتنا العلمية ولا تكاد تنتج شيئا ذا قيمة.
يعرف نجيب محفوظ كل ذلك وأكثر منه ومع ذلك وقع في ذلك
الخطأ الكبير الذي يسييء إلي كل الأجيال التالية له من
المبدعين والمفكرين، إذ سيتحول موقفه هذا إلي أداة في أيدي
القمع باسم الدين وهو أسوأ أنواع القمع الذي كاد في لحظة
أن يودي بحياته قبل عشر سنوات.. ولا أحد يستطيع أن يطالبه
بأن يتحمل مرة أخري تجربة مشابهة بعد أن استقوت الأصولية
بنتائج الانتخابات العامة، ولكنه هو يعرف أكثر من غيره أن
الحماية التي يسبغها عليه الأمن كرمز من رموز البلاد يعتز
به الشعب كفيلة بحمايته من تكرار محاولة الاعتداء عليه،
ولا يجوز له أن يسهم في جعل العدوان علي سيد القمني سهلا،
أو فتح شهية المؤسسة الدينية لتأديب المبدعين علي طريقتها
أو فرض وصايتها علي الإبداع التي لا يجيزها القانون وإنما
أجازها أكبر روائي عربي، وكلي أمل أن يراجع نجيب محفوظ
موقفه هذا.