يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1264 (1 - 8) فبراير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

ثلاث رسائل مفتوحة

 
 

حلمي سالم

 

  (1) إلي نجيب محفوظ
كاتبنا الجليل
وشيخ الروائيين العرب: نجيب محفوظ
مع بدء عامك الخامس والتسعين، نتمني لك الصحة والعافية والعمر المديد.
تعلم يا شيخنا الجليل المكانة السامقة التي تحظي بها في قلوبنا وعقولنا، نحن أدباء مصر، ونحن مواطني مصر، وتعلم يا شيخنا الجليل أن أرواحنا قد ارتعشت رعشة مريرة حينما امتدت يد آثمة إلي رقبتك الغالية بسكينة جاهلة قبل أكثر من عشر سنوات، وتعلم يا شيخنا الجليل أن الكثيرين من أبناء مصر وأدبائها يشعرون بسعادة وفخر عميقين لأنهم يعيشون في زمن نجيب محفوظ.
لكن لنا - يا شيخنا الجليل - عتابا عليك، بسبب موقفك الغريب في مسألة نشر روايتك أولاد حارتنا بمصر، وهو الموقف الذي يتلخص في شرطين: الأول هو أن يوافق الأزهر علي نشرها، والثاني هو أن يكتب لها أحد كبار الكتاب الإسلاميين مثل كمال أبوالمجد مقدمة.
ومصدر عتبنا - يا شيخنا الجليل - أنك بهذين الشرطين، إنما تعطي شرعية لتدخل الأزهر في الفن والأدب والفكر، ذلك التدخل الذي تقاومه الحركة الثقافية الديمقراطية منذ خمسين عاما حينما كتب شيوخ، تراهم معتدلين، التقرير الذي يعلن أن أولاد حارتنا رواية كافرة تسيء للأديان والآلهة والأنبياء، بل إنه التدخل الذي تقاومه الحركة الثقافية الديمقراطية منذ مطالع القرن العشرين، حينما تسببت هيئة علماء الأزهر في فصل علي عبدالرازق وطه حسين، بسبب الإسلام وأصول الحكم وفي الشعر الجاهلي.
إن اشتراط موافقة الأزهر هو تسليم للأزهر بحق ليس له فليس للأزهر سوي مراقبة التحريف في القرآن والأحاديث النبوية، وهو وضع لعنق الأدب والأدباء تحت سيف المؤسسة الدينية التي يري السلفيون فيها أن أم كلثوم حرام لأنها تقول: خدني في حنانك خدني وعبدالوهاب حرام لأنه يقول: من غير ليه وتماثيل مختار حرام لأنها أصنام جاهلية!.
كما أن شرعية رواية لا تكتسب من خلال تزكية كاتب إسلامي لها مهما كان معتدلا أو غير معتدل، إننا بذلك - يا كاتبنا الجليل - نعود للوراء قرنا كاملا، وأولاد حارتنا أخذت تزكيتها من أدبيتها لا من إسلاميتها، وأخذت تزكيتها من قرائها في مصر والوطن العربي والعالم، لقد أخذت شرعيتها من الحركة الأدبية والنقدية المصرية والعربية منذ نصف قرن، وليست في حاجة إلي تصريح من أحد أو هيئة أو جماعة.
نقول هذا - يا شيخنا الجليل - من غير أن نقلل من حقوقك الأدبية والقانونية والأخلاقية في التصرف في عملك الأدبي، علي أن أولاد حارتنا - بالذات - لم تعد ولم تكن مجرد رواية عادية، فقد صارت، منذ خمسين عاما، رمز معركة بين أنصار الدولة الدينية وأنصار الدولة المدنية، كما صارت محك سجال ساخن بين قوي الكبت وقوي الحرية. من هذا المنظور فإن الحركة الأدبية المصرية شريكة في تقرير مصير أولاد حارتنا، لما لها من دلالات أبعد من كاتبها وأبعد من كونها مجرد عمل أدبي.
يا شيخنا الجليل: لا تعط السوط للجلاد، فسوف يدفع الجميع - بمثل هذه السابقة - ثمنا باهظا.
نقول لك ذلك - يا صاحب نوبل - لأننا: أولاد حارة نجيب محفوظ.

(2) إلي يوسف شاهين
مخرجنا الاستثنائي: يوسف شاهين
بوصولك إلي عامك الثمانين - أطال الله عمرك - تنبسط أمامنا شاشة عريضة لمسيرتك الشاقة الجميلة في صنع الفن الرفيع، علي هذه الشاشة العريضة، تتعدد رسائلك الفنية والفكرية والسياسية: بدءا من كشف القناع الديني للحروب الاستعمارية في الناصر صلاح الدين، وما صاحب ذلك من تكريس التسامح الديني الذي يعمّق ويخصب النزعة الوطنية، مرورا بفضح تحالف السلفية الدينية مع الإقطاع المستغل في الأرض، وصولا إلي كشف العلاقة الوطيدة بين القمع باسم الوطن والقمع باسم الدين في المصير.
وبين ذلك جميعا سنواجه: كشف تسوس النظام السياسي المؤدي لهزيمة 1967 في العصفور، واحتراب الطبقات الوسطي علي الثروة والسلطة في عودة الابن الضال، وإدانة ازدواج المثقفين في الاختيار، وتعرية النموذج الأمريكي المدمر في الآخر، وهو النموذج الذي لا يتورع عن التواطؤ مع التطرف الديني!.
ثم تسطع عبر هذه الشاشة سلسلة السيرة الذاتية: اسكندرية ليه، حدوتة مصرية، اسكندرية كمان وكمان، اسكندرية نيويورك، هذه السلسلة الشجاعة التي لم تكن فحسب تاريخا لمسار مخرج فاتن، بل كانت كذلك تأريخا للإسكندرية كمدينة مفتوحة للثقافات والأديان والحركات الوطنية السرية، وتأريخا للعلاقة الملتبسة بين مصر وأمريكا بما تتضمنه من عراك التابع والمتبوع، وتأريخا للتطورات الطبقية والاجتماعية في المجتمع المصري الحديث.
واستمرارا لتجسيد ذلك الالتباس المركب جاءت ثنائية وداعا بونابرت واليوم السادس لتعالج تلك الوشائج الغامضة بين مصر وفرنسا أو بين الشرق والغرب، التي يختلط فيها الاستعمار بالحضارة، والحملة الفرنسية بالتنوير، وشعارات الثورة الفرنسية الحرية، الإخاء، المساواة بأحذية جند بونابرت في صحن الجامع الأزهر، والحب بالتملك، والمطبعة بالقنبلة.
مسيرة خصبة يا جو، واجهت فيها شتي الاتهامات: التعالي علي الشعب، التغريب، مدح المستعمرين، الفرانكفونية، الاستغراق في الذات، التساهل في المسألة الوطنية.
لكنك كنت تواجه هذه الاتهامات الهوجاء بشيء واحد هو العمل، والمزيد من إنتاج البهجة والجمال والجرح، وكنت تقول دائما: أنا لا أصنع أفلامي للأغبياء، إذ كنت تطلب متلقيا ذكيا، يعمل ذهنه ولا يركن للكسل العقلي المريح، وكان شأنك في ذلك شأن شعراء الحداثة المصريين والعرب، من حيث الاتهامات، ومن حيث سعيهم إلي متلق يبذل جهدا في الاستقبال موازيا لجهد الإرسال، علي نحو يجعل المتلقي مشاركا في الإبداع: إبداع الفيلم أو إبداع القصيدة.
لذلك أحبك شعراء وروائيو ونقاد الحداثة، واعتبروك مقاتلا في طليعة الجيش، تردد لهم صيحة الناصر صلاح الدين: هجوم، ولذلك استلهموك في نصوصهم واستلهموا بعض أفلامك وحوارات بعض المشاهد، كما لم يحدث مع مخرج من قبل.
مسيرة خصبة يا جو: وصلت إلي ذروتها في مشهد حريق كتب بن رشد، حين التهمت النار فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال لينغلق باب الاجتهاد والتأويل، وينفتح باب التزمت والنقل والترهيب، والتهمت تهافت التهافت ليمرح الشراح السلفيون المحافظون في عقول الناس تخريبا وتعتيما وخوفا من حب الحياة.
مسيرة خصبة يا جو، ولهذا فإن الضمير الثقافي المصري والعربي لا يري في هذه المسيرة الخصبة مجرد إبداع سينمائي استثنائي بليغ فحسب، بل يراه لبنات أساسية في سعي مجتمعاتنا العربية نحو النهضة والعقلانية والتحديث والمدنية والحرية، ذلك السعي الذي بدأناه منذ قرنين، ولكنه يتعثر أحيانا بسبب أخلاق قامعي ابن رشد حلف الشر بين تسلط ناسوت الاستبداد السياسي وتسلط لاهوت الاستبداد باسم الدين، وبسبب التيارات التي صادرت المهاجر وسعت إلي مصادرة المصير وصادرت القاهرة منوّرة بأهلها، وغيرها ممن فضحتهم في أفلامك المؤلمة!.
أما لحن كمال الطويل، فمازال شعار المعذبين في الأرض، حين يرددون لأنفسهم علي صوتك بالغُنار/ لسه الأغاني ممكنة.
يا جو: عش ألف عام، بصوتك المتوتر وروحك القلقة المقلقة.

(3) إلي معرض الكتاب
عزيزي معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثامنة والثلاثين:
توقعنا هذا العام - بعد تغير قيادة هيئة الكتاب - أن نجد فيك تطويرات وتعديلات وتجديدات، في الشكل والمضمون، في الطبيعة والأداء، في الوسائل والغايات، حتي نري المعرض في ثوب جديد مختلف.
لكن معظم التوقعات خابت: ارتباك في التنظيم والإعداد، جدار عازل بين المكتبات والجمهور، شركات متخصخصة تولت المهام الإدارية، ممنوع السياسة والندوات السياسية، زيادة جرعة التكنولوجيا والرقمنة والاتصالات، وضع أدباء الأقاليم في حجر صحي خشية انتشار العدوي إلي أصحاب الياقات البيضاء، أسعار فوق الطاقة الشرائية للقراء، هيمنة الشاورما علي الشعر، والفشار علي الفكر، والهامبورجر علي الكتاب!.
منذ سنوات طويلة، تجلت الحاجة إلي إعادة تقييم معرض الكتاب وتطويره بعد حالة الجمود والتكرارية التي كان قد وقع فيها، ولذا فقد تصور الجميع أن لحظة التغيير قد حانت في هذه الدورة، وقد شارف عمره علي أربعين عاما، وبعد هذه الدورة، مازالت الحاجة ماسة إلي إعادة النظر.
لقد كان هذا المعرض، لسنوات عديدة سابقة، عرسا ثقافيا تحتضنه القاهرة كل عام، لكنه، سنة بعد سنة، فقد كثيرا من عناصر هذا العرس المبهج، حتي صار جعجعة بلا طحن، وسوقا للمجاملات والمصالح والابتزازات والتحكمات، وصارت ندواته تضم متحدثين عابرين وجمهورا عابرا، لا يقصد ندوة بعينها، بل هو يتجول هنا وهناك حسب الحظ والتعب.
الأهم من كل ذلك أن الحوارات الفكرية التي كانت تدور فيه وبعضها كان بالغ الأهمية لم تكن تنتقل إلي أجندة السلطة السياسية، بل كانت تتبخر في هواء المعرض من غير أن تتجاوز جغرافية مدينة نصر، حتي صارت هذه الندوات لا تؤدي إلي دور التنفيس عن المتحدثين، فيما يشبه هايد بارك الإنجليزية أو عكاظ العربية!.
عزيزي معرض الكتاب:
أنت تحتاج إلي تغييرات جذرية.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة