شهدت الدورة الثامنة والثلاثون لمعرض القاهرة الدولي
للكتاب تراجعاً ملحوظاً علي جميع المستويات عن السنوات
الماضية.. علي سبيل المثال تضاءل هذا العام عدد الدول
المشاركة 32 وعدد الناشرين 623 في حين شارك أكثر من ثلاثة
آلاف ناشر يمثلون 97 دولة في عام 2003، كما تقلص عدد
الكتاب والأدباء والمفكرين العرب الذين كانت تحرص الهيئة
علي دعوتهم كل عام، وتم الاكتفاء بدعوة عدد محدود للغاية،
كما تدهورت الأمور أكثر بالتعاقد الذي أبرمه د. ناصر
الأنصاري رئيس الهيئة مع إحدي الشركات الخاصة لتنظيم
المعرض التي حصلت علي مبالغ مالية ضخمة تجاوزت ملايين
الجنيهات، وقامت بالعديد من الإجراءات السلبية التي ساهمت
بدورها في إرباك المعرض، حيث ضاعفت سعر تذكرة دخول المعرض
ورفعت أسعار إيجار أجنحته مما أدي لتذمر الكثير من
الناشرين، ناهيك عن الفوضي وسوء التنظيم والخدمات فضلا عن
غياب الرموز الفكرية والسياسية التي كانت تضفي حيوية علي
المعرض، ويبدو أن غياب د. سمير سرحان عن ساحة المعرض قد
ساهم في انكماش فعالياته وحيويته، بما له من حضور مؤثر
وقدرة علي جذب المثقفين والمفكرين، تلك العوامل وغيرها أدت
لإحجام الكثير من المثقفين والعديد من الناشرين عن
المشاركة وبالتالي خلت غالبية الندوات من الحوارات
والمناقشات الفكرية الجادة.
رغم أن معرض القاهرة الدولي للكتاب كان منذ أن انطلقت
دورته الأولي في عام 1969 كتقليد جديد في إطار الاحتفال
بالعيد الألفي للقاهرة، يؤكد التواصل والتفاعل الإيجابي مع
مختلف التيارات الفكرية حتي بات بالفعل ثاني أهم المعارض
الدولية في العالم بعد معرض فرانكفورت من حيث عدد الناشرين
والدول المشاركة وعدد الكتب والزائرين.
لذا ينبغي علي القائمين علي معرض القاهرة للكتاب بحث تلك
الأسباب التي أدت لهذا التراجع الواضح.
الهوية والتراث رغم الحظر الذي فرضته إدارة الهيئة العامة للكتاب من
ناحية وأجهزة الأمن من الناحية الأخري علي أنشطة ومحاور
المعرض، إلا أن الجمهور لم يستجب لتلك المحاذير، وتحولت
بعض اللقاءات والندوات إلي ساحة لمناقشة مختلف القضايا
السياسية الملحة.
ومن تلك اللقاءات جاءت ندوة هويات الشعوب في عالم القطب
الواحد التي ناقشت الهيمنة الأمريكية علي العالم،
وإشكاليات الهوية، وأخطار العولمة، حيث أوضح الكاتب الصحفي
نبيل زكي أن تلك الأخطار لاحت في الأفق عندما سادت في
الأوساط الشبابية الأغاني الأمريكية وأصبحت الغلبة لكل ما
هو قادم من الغرب، في ظل تواري تاريخ مصر الوطني وتراثها
النضالي، حينذاك خشي الجميع من التعددية الثقافية، لذا
تصور البعض أن الهويات في خطر، خاصة بعدما نشرت اليونسكو
عن انحسار وانقراض بعض اللغات التي لم تعد تستخدم حاليا
الأمر الذي ساهم في انتشار المخاوف حول إمكانية انهيار
ثقافات شعوب كبيرة ساهمت في صنع الحضارة.
التفاعل الثقافي كما أكد نبيل زكي أن هناك تعثرا واضحا في خطة الهيمنة
المنفردة والمطلقة علي العالم، في ظل ما تواجهه أمريكا
سواء في أفغانستان أو في العراق، كما أنها عاجزة عن فرض
الحل الإسرائيلي علي الفلسطينيين، مشيرا إلي المخاوف
الصينية من التغريب أو الخضوع للغرب والتي سرعان ما أخذت
في التلاشي بحكم أنها حضارة عريقة قادرة علي مواجهة
الثقافات المغايرة .. بجانب انفلات بعض دول أمريكا
اللاتينية من الإذعان للقطب الأمريكي واعتزازها
بثقافاتها..
وأوضح زكي أهمية التفاعل الثقافي والتواصل بين الحضارات
المختلفة لذا لا يمكننا التذرع بالخصوصية لرفض ثقافة
الآخر، مطالبا بضرورة إحياء كل ما هو مشرق في التراث
وتنقيته من الخرافة والرواسب الاستعمارية، حتي نتمكن من
مواجهة أي محاولات لتهميش ثقافاتنا وحضارتنا..
وقال في نهاية كلمته: إن هناك حتمية بتحول القطب الواحد
إلي عالم متعدد الأقطاب خاصة أن أحلام الإمبراطورية تنحسر
وتتبدد شيئا فشيئا.
حرية الخيال في اللقاء نفسه أكد الناقد سمير غريب أن الخطر
الأمريكي علي العالم يتمثل في البعد الثقافي والإعلامي
أكثر منه عسكريا أو سياسيا، وبحكم امتلاكها لأحدث وسائل
التكنولوجية وشدد علي ضرورة التقدم التكنولوجي والحفاظ علي
التنوع الثقافي مع التأكيد علي سماتنا الشخصية كنوع من
أنواع المقاومة لهذا التفوق التكنولوجي لمواجهة الهيمنة
الأمريكية.
المتغيرات العالمية أكد الباحث أحمد زايد أن الهوية ترتبط دوما بالثقافة
وأنها تتسم بالمرونة والتفاعل مع المتغيرات العالمية،
موضحا أنه كلما وهنت الشعوب لجأت للحديث عن هويتها مشيراً
للتراجع الكبير الذي تشهده مصر علي جميع الأصعدة السياسة
والاقتصادية والعلمية، وخلص إلي ضرورة أن نكون منتجين
للفكر والثقافة حتي نتحول لمجتمعات قوية قادرة علي الصمود.
أدار اللقاء الكاتب الصحفي نبيل عبد الفتاح الذي أكد أن
اشكالية الهوية وأزماتها قد برزت في أعقاب عدد من
المتغيرات الرئيسية من بينها انكسار الامبراطورية الروسية
وتفكك الاتحاد السوفيتي، بالإضافة للثورة المعلوماتية التي
حدثت في مجال تكنولوجيا المعلومات مؤكدا أن عمليات التحول
إلي العولمة والمجتمع ما بعد الحديث لن تؤدي إلي نهاية
التعدديات في العالم0 بذلك لن تؤدي الهيمنة القطبية إلي
انهيار التعدد في الهويات والثقافات مشيرا إلي أن الإنترنت
يعد أكبر مدافع عن هويات الدول الصغري في العالم0
التعدد الثقافي في السياق ذاته دارت ندوة آثار العولمة علي التعدد
الثقافي حيث أكد المفكر عبد الوهاب المسيري أن العولمة ما
هي إلا شكل من أشكال الهيمنة، راصدا لأبرز سلبيات العولمة
التي تعمل لصالح الأغنياء الذين يمتلكون جميع وسائل
الرفاهية، كما تطرق المسيري إلي أن فساد النخب الحاكمة جعل
مصالحها ترتبط بالنظام العالمي الجديد بعيداً عن المصالح
القومية.
كما ذهب د. طارق حجي إلي أن التنوع الثقافي هو أحد معالم
الحياة فالفارابي وسيبويه لم يكونا عربا لكنهما أثريا
الثقافة العربية وكذلك البخاري أثري الثقافة الإسلامية
واستنكر ما يشاع حول اقتلاع الثقافة العربية من جذورها
مؤكدا أن الثقافة العربية ليست بهذه الهشاشة التي يتصورها
البعض.
الإصلاح الثقافي في محور الشهادات كان اللقاء الأول مع د. عبد المنعم
تليمة الحاصل علي جائزة الدولة التقديرية في الآداب هذا
العام، وهو أحد أعمدة النقد الأدبي، وصاحب رؤية ترتكز علي
قيم التنوير، وقد أقام عشر سنوات باليابان وساهم في حركة
التواصل الثقافي بين مصر واليابان تحدث د. تليمة حول مشروع
النهضة الياباني مؤكدا أن اليابانيين بدأوا بإرسال بعثة
يابانية لمصر لمعرفة أسرار النهضة والحضارة المصرية، كما
ناقش أسباب تعثر النهضة المصرية، وتحدث حول أهمية الإصلاح
الثقافي، وناقش سبل إصلاح الثقافة المصرية، مؤكدا ضرورة
تخلي المؤسسات الحكومية عن سياسة الاحتكار الثقافي
والإعلامي، علي أن تتجه نحو الصناعات الثقيلة وأن تهتم
بإنشاء المعاجم والموسوعات ورعاية الآثار والارتقاء
بالذائقة الجمالية للشعب.
الدراما المصرية شارك الفنان محمود ياسين في فعاليات المعرض ضمن أسرة
مسلسل التوبة وتحدث حول ما أثير مؤخرا عن تراجع الدراما
المصرية في مواجهة الدراما السورية نافيا ذلك، مشيدا
بكفاءة كتاب الدراما التليفزيونية أمثال أسامة أنور عكاشة
وأبو العلا السلاموني ولينين الرملي ومجدي صابر وغيرهم
موضحا أنه لا توجد دولة عربية أخري لديها مثل هذه الكوكبة
من الكتاب، وأن مصر ستظل دوماً في المقدمة.