يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1264 (1 - 8) فبراير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

نهر الموهبة يفيض عطاء

 
 

شاهين في الثمانين

 
 

أشرف بيدس

 

 


يوسف شاهين

في عامه الثمانين لايزال نهر الموهبة يفيض عطاء، يتدفق في جداول الإبداع وينهمر في تدافع منظم، فيبدو صوت خرير الماء معزوفة موسيقية متناغمة مع الطبيعة، وكأنها طيف من المشاعر والأحاسيس الرقيقة تداعب الاشجار والغصون والبحار والجبال والوجوه التعبة والأخري الفرحة، وتلقي بأطنان من الياسمين في وجوه الناظرين، تتهادي بانسيابية وترسم علي السماء قوس قزح بألوانه الساحرة الجميلة0 بنفس حيوية أيامه الأولي في سان مارك والكلية الإنجليزية حتي عندما ذهب إلي معهد باسادينا، مازال الوهج يملأ عينيه في معرفة وتفسير وتحليل كل ما يدور حوله، ومازال الطفل داخله يحبو في إصرار ونهم وشوق ودون مراعاة لأي قواعد أو بروتوكولات0
فهو دائما داخل أقواس مغلقة علي جانبيها تلال من الأعمال العظيمة والاستثنائية، ومحاولة كتابة تاريخ السينما دونه، يعني ببساطة رسم حروف دون وضع النقاط عليها، لذلك يعني اسمه تحديد الكلمات السينمائية ونطقها نطقا صحيحا00 إنه الأستاذ يوسف شاهين00
يثير الجدل في أفلامه وآرائه ومواقفه، ويصنع حولها الضوضاء والفوضي المنظمة دون قصد أو بقصد، يقتحم دون تهور ويحسب جيدا المسافات التي تفصله عن الأجسام الصلبة والمشتعلة حتي تكاد أنفاسه تلامسها لكنها لا تحدث في وجهه أي إصابات00 يحرض علي الفكر والتأمل والمتابعة، ويترك للتجربة مهمة التحصيل، يعرف جيدا كيف يختار أسلحته وأدواته عند الإقدام علي خوض التجارب الجديدة00 يذاكر00 يقرأ00يراجع00 يناقش، ويكرر دون ملل أو كلل مقرراته، حتي يحفظها عن ظهر قلب، وكأنه تلميذ مقبل علي الامتحان الأخير، مرددا داخل نفسه كلمة هاملت الخالدة أكون أو لا أكون00
لا يخجل من الفشل00 ويكون أول الناقدين والجالدين لذاته، وغالبا ما يأتي العقاب مؤلما، لكنه يواصل مسيرته، ولا يكرر اخطاءه، الدبلوماسية صفة لا يتحلي بها، ولا يلهث وراءها رغم أن عفويته وتلقائيته تجعل المتربصين له يتصيدون الأخطاء التي تلازمه في كل تصريحاته وحواراته، والتي كثيرا ما يقع فيها، ويبدو أنه يهوي مهنة الدفاع والهجوم في ذات الوقت0
يثير المشاكل للآخرين الذي يغضبون من صراحته وأحيانا إباحيته، باختصار يوسف شاهين شخصية إما أن تحب لدرجة العشق أو تكره لدرجة الحنق0 لا يميل إلي مسك العصا من منتصفها ولا يجيد الرقص علي السلالم00 وليس لديه ما يخفيه00 كتاب مفتوح لكن قراءته تستلزم جهدا ومعاناة وصبرا0 وكثيرا لم يفلح البعض في قراءته؛ فيتهمونه بالجهل ويتهمهم هو بالتخلف،00 لكنه في أبسط الأحوال لغز يستعصي فك رموزه0
يتأتئ كثيرا لكن معانيه الصادقة تنفذ إلي مراميها، لأنه يغلفها بالتلقائية فتصل إلي القلوب قبل أن يكمل جمله المتعثرة00 يملك كادرات خاصة موقعة باسمه ولا يمكن تقليدها، خزائنه مليئة بالأسرار التي يفصح عنها كلما حانت الظروف00
هو أكثر المخرجين التي تعرضت أعمالهم لثورات الغضب والتشكيك، لكنه لم يبال ولم يلتفت وراءه يحمل في عقله بوصلة سير تحدد له الطرق الذي يمشي بها0 لذلك قطع مسافات شاسعة جعلته يبدو متفردا في الزمان والمكان00
لا يستطيع مقدم برامج مهما بلغ من حنكة وثقافة وقدرة علي الحوار أن يستضيف شاهين في برنامج علي الهواء، لأنه بذلك يكتب قرار فصله، فشاهين لا يستطيع أحد تحجيمه أو تلقينه أو التخمين بما سوف يقوله00 يتصرف كالأطفال ولا يخفي شيئا؛ يلفظ كل ما في صدره من كلمات ولا يحسب مردود ذلك علي الآخرين0
في عامه الثمانين لا يلتف حول الكلمات المطاطة أو الاسفنجية حروفه مربوطة بسلاسل صلبة لا يستطيع أحد فك حلقاتها00 لا يؤثر السلامة في معاركه، ويقاوم بكل قوة حتي الرمق الأخير0
الأسود والأحمر لونان حزينان وكئيبان، الأول يشير للحداد والثاني للدم، لكنهما ألوانه المفضلة0 التي توشم بها كادراته في لوحة الوطن، يحفر بأزميله تلك الحروف الغائرة التي لا يمحوها الزمن، ويظل الإنسان في منتصفها يرصد أيامه وطموحاته، ويفتش داخله عن معان أخري لم تكتشف، يمتطي طموحه ويمسك بلجام أفكاره ليصدرها عبر مشاهد مازالت محفورة في الأذهان0
النبوغ لا يأتي صدفة أو حتي بمرور الزمن، هناك دائما مؤشرات تلمح في البدايات الأولي تنبئ بوجود هذا العبقري، ومنذ فيلمه الأول بابا أمين عام 1950 والذي كسر فيه كل ما هو سائد، بطرح فكرة غير مسبوقة، وحتي آخر أفلامه إسكندرية نيويورك 2004 الذي كان أقرب لجلد الذات، ظل شاهين مثيرا للجدل، فريق يؤيده بقوة ويقف وراءه، وفريق آخر يهاجمه بشراسة ويتهمه بالتعالي والغموض، لكن الفريقين يتفقان في النهاية إنه أهم مخرجي مصر علي الإطلاق0
يحرص يوسف شاهين علي إجراء عملية فتح عقل لنفسه وللآخرين، يكشف فيها العيوب، ويحاول جاهدا أن يفك تلك الخيوط التي تتشابك من آن لآخر، ثم يقوم مرة أخري بإعادة تشبيكها وتربيطها وتعقيدها ويحتفظ لنفسه بخباياها وبأسرار النفاذ إليها00 يطرح تلك الأسئلة المستعصية والمسكوت عنها، ويبحث عن إجابات مقنعة ترضيه أولا00 يدخل حقول الألغام ليس لإبطال مفعولها وإنما لتفجيرها00
يعزف علي كمان أوتاره مصنوعة من شرايينه، في وقت ألف الناس فيه الضجيج والضوضاء والفوضي00 قادر علي تحريك الحلم وتطويره، فمازالت ريشته ترسم وتلون وتشكل، وأحيانا تعرج الخطوط الأفقية والرأسية ليثير القلق 00 قناعاته مرهونة بمصالح الغالبية، لذا فهو قادر دائما علي المشاركة والاقتحام دون أن يخشي عواقب طلقاته طالما أنها تصب في المصلحة العامة00
تحتوي كادراته كل جنوحه وفنونه وجنونه0 يشطر قلبه بالسكين ليكشف عن خزانة أسراره ولا يعبأ بشيء، يكشف كل أوراقه مرة واحدة00 مازال قادراً علي التحدي والمواجهة، ورغم بلوغه الثمانين، إلا أن الطفل الذي يقبع داخله لم يمل بعد من اللهو والعدو والمغامرة00
يسبح داخل البرك والمستنقعات، يصطدم كثيرا بالموانع والحوائل، لكنه يداوم السير والقفز، وأحيانا يحلق فوق الأشياء ليراها من جميع الاتجاهات00
ليس لديه أبعاد أو محاذير أو حدود، يقاوم، يشاكس، يعاند، ينفعل، يثور، يهدأ00 يعيش الحياة كما يحلو له أن يعيشها، فنان لا يخضع للرقابة أو التحديد00 يضع الملح علي الجروح، ويقترب من المناطق المحظورة 00 لا يخشي الطوفان لأن سدوده العالية تقيه شر الغرق، يدخل المناطق المظلمة ليضئ فيها شموعا لا تطفئها الرياح00 يتدثر من البرد بأغطية حريرية كاشفة،، أحيانا يثور عليها وينزعها فيبدو وحيدا، لكن صهيل كاميراته العفية لا يهدأ ولا يستكين00
يرصد بداياته في أمريكا حيث المحطة الأولي في معهد باسادينا بكاليفورنيا، بكل ما يحمله من دهشة وبراءة وخجل وحلم، يتحسس الخطي، ويتكشف عوالم غريبة تثير فيه الفضول، وتبدأ رحلة الخبرات والتعلم، يتعرض للاضطهاد والانكار، لكنه مثابر لا يستسلم ولا يرفع الرايات البيضاء0
رغم الجوائز العديدة التي نالها، والتكريمات التي حظي بها من مهرجانات عالمية، والشهرة الكبيرة وذيوع صيته في كل أرجاء العالم، إلا أن أهم لحظة في حياته كما يقول، كانت تلك اللحظة الفاصلة والتي أعلنت فيها الممثلة الفرنسية إيزابيل إدجاني رئيسة لجنة تحكيم مهرجان كان في دورته الخمسين عن منحه جائزة العيد الخمسيني عن مجمل أعماله السينمائية00 ويقول عنها : ضحكت وبكيت وكان قلبي مثل الفراشة، أتذكر أن الناس يومها في الصالة صفقوا جامد جدا، ثم وقفوا يصفقون حوالي 11 دقيقة، وأنا وسط هذه الحالة من الحب والتكريم سمعت زغرودة، وفي هذه اللحظة بكيت والدموع في عيني، وشعرت بأن كل المصريين معي، فمصر هي حبي وعشقي وأنا مصري لدرجة التطرف0
منذ عام 1950 وحتي 2006 شكلت أفلام يوسف شاهين ملامح أساسية في تاريخ السينما المصرية، وبلغ رصيد أفلامه 39 فيلما، شاركت معظمها في مهرجانات عالمية، ودُرس الكثير منها أيضا في المعاهد الفنية والأكاديمية، استطاع أن يصل بالفيلم المصري إلي العالمية، وقدم الفرص لكثير من النجوم الذين ذاع صيتهم بعد ذلك نذكر منهم علي سبيل المثال عمر الشريف وشكري سرحان وأحمد رمزي، وهند رستم، وعبد العزيز مخيون، وعبلة كامل، ومحسن محيي الدين وأحمد سلامة وعبد الله محمود، حتي من الأجيال الجديدة قدم حنان ترك وخالد النبوي وعمرو عبد الجليل، وهاني سلامة وأحمد يحيي وأحمد وفيق، حتي النجوم الذين لم يقدمهم في أعمالهم الأولي، عندما عملوا معه كان لهم شكل وأداء مختلفان0
أهم ما ميز أعمال شاهين هي حالة التمرد المستمرة علي القوالب الفنية الثابتة والمتجمدة والعبور إلي مناطق أخري كان له السبق في اختراقها، وقد اعتبر النقاد هذه النقلة جنونا وجنوحا منه، لكنه كان يحسب حسابات دقيقة قبل أن يخطو أي خطوة، كما تميزت أعماله بجرأة الطرح، فمازال شغوفا بتقديم رؤي مختلفة بصورة لم يعتد عليها الجمهور المصري، وربما هذا ما أثار الجدل حول أعماله، فلم يستسلم لحالات الكساد التي انتابت السينما، ولم يرضخ لإغراءات السينما التجارية وأفلام المقاولات، وظل حتي يومنا هذا وفيا لقناعاته رغم هبوب بعض العواصف، إلا أن ثقته بنفسه أثبتت عبر الأيام أنه كان بعيد النظر، في عام من الأعوام بلغت إيرادات أحد الأفلام التجارية عشرة أضعاف ما حصل عليه فيلم المصير لكن ذلك لم يزعزع الثقة داخله، ولم يعر الأمر كثيرا من الاهتمام، فمازالت أفلامه محفورة في الأذهان مثل ابن النيل، المهرج الكبير، سيدة القطار، صراع في الوادي، صراع في الميناء، باب الحديد، الأرض، جميلة الجزائرية، الناصر صلاح الدين، بياع الخواتم، الاختيار، العصفور، عودة الابن الضال، إسكندرية ليه، حدوتة مصرية، الوداع بونابرت، اليوم السادس، المهاجر، المصير، الآخر وحتي فيلمه الأخير اسكندرية نيويورك00 كلها أعمال عظيمة أثرت السينما المصرية0
تقترب شخصيات يوسف شاهين من جموع الناس علي مختلف خلفياتها الاجتماعية والثقافية00 فهي شديدة الصلة بهم وبمعاناتهم، تحمل همومهم التي يقاسونها ويعانونها في حياتهم اليومية، فنجد أمين أفندي، حميدة، شحتوت، جمال، صابر أفندي، عصام، رجب، فريد، قناوي، هنومة، جميلة، عيسي العوام، فرجينيا، ابو سويلم، وصيفة، الشيخ حسونة، بهية، محمد المدبولي، الشيخ بكر، عوكا، علي، صديقة، يحيي، رام، سيمهت، اميهار، الشيخ رياض، ابن رشد، ملك، مارجريت، جينجر، الباشوات، الأفندية، العمال، الصنايعية، الطلبة، الفلاحين، الصعايدة، الفواعلية، المثقفين، كل هؤلاء الشخوص التي رصدتها كاميرا شاهين حاولت قدر إمكانها أن ترصد أنفاسها0
قدم شاهين وعلي مدار ستين عاما رؤيته لمعاناة الإنسان وحتي ولو كان ذلك من خلال تجربته الذاتية التي تملأها الأحداث والمواقف التي يمكن أن تتشابه أو تختلف مع الآخرين، ودائما يسعي لتعرية الواقع بكل اخطائه لطرح أفكار جديدة أكثر نبلا وتحضراً أو أكثر قسوة وإيلاما، لم يعبأ كثيرا بأهواء الجماهير أو متطلبات السوق، فهو مازال قادرا علي أن يطرح رؤاه التي لا تنفصل عما يشعر به الإنسان البسيط، ويضع أمام عينيه الآخر بعيدا عن حدود الدين واللون والجنسية ، ولا يؤرقه كثيرا الاختلافات الشكلية والرمزية فهو دائما يسعي للربط بين الآخرين في حلم واحد يعلي من القيم الإنسانية والروحية0 ويري شاهين أن الهموم الخاصة هي في حقيقتها هموم عامة لا يجب تجاهلها، أو علاجها في منأي عن الآخرين0 وسواء اختلفنا أو اتفقنا مع ما يطرحه هذا الفنان من قضايا سيظل دائما 0
إن يوسف شاهين في عيده الثمانين يمثل حالة خاصة وفريدة نزعم أنها لن تتكرر بسماتها الحالية، لا شك أن هناك مخرجين عظاما وروادا، لكن يوسف شاهين المشاكس، المغامر، الجرئ، شخصية غير متكررة0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة