كشفت انتخابات مجلس الشعب الأخيرة عن غياب اليسار المصري
كقطب رئيسي فاعل في الصراع الدائر حول مستقبل مصر، بينما
برز اليمين ممثلا في الحزب الوطني الحاكم وجماعة الإخوان
المسلمين، باعتباره الطرف الأكثر قدرة علي حشد التأييد له
علي نطاق واسع، ولما كانت المواقف الاقتصادية والاجتماعية
للحكم والإخوان المسلمين متماثلة وتلتقي حول الدفع في
اتجاه التحول إلي اقتصاد السوق وإطلاق العنان للرأسمالية
الكبيرة للانفراد بإدارة الاقتصاد المصري وإدماجه في السوق
الرأسمالي العالمي فإن الخاسر الأكبر من هذا التوافق بين
الحكم والإخوان المسلمين داخل مجلس الشعب حول التوجهات
الاقتصادية هو الطبقة العاملة وفقراء الفلاحين والفئات
الوسطي والشباب والمرأة الذين يمثلون القاعدة الاجتماعية
لليسار المصري بما فيه حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي،
وقد أثار هذا الوضع قلق الكثيرين في صفوف اليسار خارج
التجمع، وتجري الآن مناقشات واسعة يشارك فيها مئات من
نشطاء اليسار وقياداته حول كيفية النهوض بحركة اليسار
المصري من جديد وعودته لممارسة دوره كقطب أساسي في الصراع
الدائر حول مستقبل مصر، ويمارس في هذه المناقشات نقد ذاتي
لأوضاع اليسار الحالية سواء فيما يتصل بتشرذم اليسار،
وغياب التنسيق بين أطرافه، وضعف علاقة قوي اليسار بقواعدها
الاجتماعية، وغياب رؤية مستقبلية مستندة إلي قراءة متعمقة
للمتغيرات التي استجدت في المجتمع المصري والعالم من
حولنا، وهناك توجه واضح وغلاب في هذه المناقشات نحو
الاعتراف بالتعددية في صفوف اليسار مع ضرورة التنسيق
لتحقيق الوحدة النضالية حول قضايا جماهيرية ملحة، ويطرح
قسم كبير من المشاركين في هذه المناقشات ضرورة قيام حزب
يساري عريض يجمع بين الفكرة الاشتراكية والآليات
الديمقراطية، ويري الكثيرون أن حزب التجمع بأوضاعه الحالية
ليس مؤهلا لأن يكون هذا الحزب اليساري العريض القادر علي
استيعاب حركة اليسار الواسع خارجه، وفي اعتقادي أن هذا هو
التحدي الحقيقي الذي يواجه حزب التجمع باعتباره الحزب
الشرعي الوحيد في صفوف اليسار، وأنه من واجبنا أن نعمل
بصدق من أجل تهيئة كل الشروط الضرورية لانفتاحه علي كل قوي
اليسار خارجه بما في ذلك الذين يتخذون من التجمع موقفا
نقديا شديدا، يتحمل حزب التجمع مسئولية خاصة في إنجاح
المسعي نحو الوحدة النضالية لليسار المصري، وإذا كنت وبعض
أعضاء التجمع نشارك حاليا في هذه المناقشات بصفة شخصية فإن
قيادة التجمع مطالبة بأن يشارك الحزب بصفة جماعية فيها وأن
يفتح مقاره لتنظيم هذه المناقشات وأن يتقبل النقد الموجه
إليه ويدرسه بعناية ويستفيد منه، وأن يشارك في عمل جماهيري
مشترك مع باقي أقسام اليسار حول قضايا جماهيرية ملحة مثل
البطالة والتأمينات الاجتماعية وإلغاء الدعم والعدوان علي
الحقوق المستقرة للعمال والفلاحين وإلغاء مجانية التعليم
ومجانية العلاج وغيرها .. فهذا العمل الجماهيري المشترك
بين قوي اليسار هو الأساس الحقيقي لوحدة اليسار وليس مجرد
المناقشات الفكرية والسياسية رغم أهميتها، وهو الذي سيساعد
علي وصول اليسار من خلال هذه المناقشات السياسية إلي رؤية
استراتيجية مشتركة لمستقبل مصر.
يتطلب هذا التوجه من التجمع أن تنتهي المناقشات الداخلية
في تقييم أداء التجمع بمناسبة انتخابات مجلس الشعب إلي
تطوير حقيقي في أداء الحزب التنظيمي والسياسي والجماهيري،
والاعتراف بمسئولية القيادة عما أصاب التجمع من ضعف في
السنوات الأخيرة نتيجة لإهمال التجنيد السياسي للعضوية
الجديدة، وعدم توفير الإمكانات اللازمة، لإعداد القيادات
الشابة وافتقاد الصلة المنتظمة بالقوي الاجتماعية التي
يدافع التجمع عن مصالحها وخاصة الطبقة العاملة بتجميد نشاط
مكتب العمال المركزي وتجميد نشاط الهيئات الحزبية في أهم
المناطق العمالية خاصة منطقة حلوان .. وكان لهذا كله أكبر
الأثر في إضعاف دور التجمع السياسي والجماهيري وقدرته علي
التأثير في حركة الصراع السياسي والاجتماعي في مصر .. وقد
ساهم في إضعاف دور التجمع السياسي والجماهيري إصرار
القيادة الحزبية علي الحوار مع الحزب الحاكم رغم أن تجارب
الحوار السابقة معه كانت تنتهي دائما بمواقف من الحزب
الحاكم علي حساب مصداقية التجمع لدي قواعده الاجتماعية،
والسؤال المطروح الآن في ساحة اليسار المصري هل ينجح حزب
التجمع في مواجهة التحدي ويتخذ من الإجراءات ما يكفل إعادة
بنائه كحزب جماهيري قادر علي استيعاب أوسع قوي يسارية
ممكنة؟ وأن يستأنف من جديد دوره كحزب للتغيير يتصدي بحسم
لسياسات اليمين المصري وعلي رأسه النخبة الحاكمة؟ أم أن
قوي وطاقة التغيير داخل التجمع لا تكفي لإحداث هذا التحول؟
في اعتقادي أننا مطالبون بحشد كل الطاقات داخل التجمع
للوصول إلي توافق عام يبلور برنامجا للعمل في هذا الاتجاه
خلال فترة زمنية محددة، وإذا لم ننجح في ذلك فإن المجتمع
المصري سيكون جاهزا لقيام حزب يساري جديد قادر علي النهوض
بالمهمة المطلوبة تاريخيا، وستفوت علي التجمع فرصة التجديد
والتطوير واكتساب قدرة متزايدة علي التأثير في المجتمع وفي
صفوف اليسار.
هذا هو المعني الحقيقي للقول بأن التجمع مهدد بأن يتحول
إلي جثة هامدة ما لم يتفاعل إيجابيا مع الأحداث ويطرح نفسه
علي الساحة باعتباره بيت اليسار المصري الواسع.