كيف هي أحوال جامعاتنا وكيف يمكن أن تتقدم في ظل خروجها من
قائمة أفضل 500 جامعة في العالم؟
ما مستقبل التعليم الجامعي والبحث العلمي وآلاف الطلاب
الذين يتخرجون سنويا؟ هل يرتبط ذلك كله بخطة تنمية ومشروع
للحداثة أم يمضي كل شيء عشوائيا وطبقا لعجلة الدوران
التلقائي فيدخل الطفل الحضانة وبعد سنوات يخرج من الجامعة،
وقد أنهكت قواه وقدراته بحفظ آلاف الصفحات دون تكوين قدرة
علي البحث والإبداع، وبعد أن يعيش في حضانة الخوف وعدم
المشاركة والأهم الابتعاد عن السياسة.
أين أيام كانت الجامعة تهزم وتسقط حكومات وتخيف زعماء،
وحين كانت معبرة عن النبض الوطني وتخوض كل معارك الاستقلال
والحرية.
حول تلك القضايا وغيرها من قضايا السياسة والتعليم والبحث
العلمي جاء الحوار التالي مع الدكتور محمد أبو الغار
العالم والطبيب المعروف علي مستوي العالم بأبحاثه العلمية
في مجال العقم والتكاثر، والأستاذ في كلية طب القاهرة.
حركة جامعية ما حركة 9 مارس وماذا حققت؟
-حركة 9 مارس حققت نجاحات كبيرة فهناك مئات من الأساتذة
علي اتصال دائم حتي من خلال شبكة الإنترنت، ونعقد اجتماعات
مستمرة والأهم الخروج في مسيرات داخل الجامعة وذلك كان
مستحيلا منذ سنوات، الآن أصبح الأساتذة علي وعي بأن حركتهم
ينبغي ألا تقتصر علي الشكاوي الإدارية وإنما التحرك
بفاعلية.
وهناك استجابة من إدارة الجامعة بعد أن تزايدت أصوات حركة
مارس وخاصة ضد الأمن في الجامعة، وأصبح رئيس الجامعة
يستقبلنا ويستمع إلي مطالبنا وحققنا نتائج مهمة مثل حصول
عدد من الطلبة المتفوقين علي حقهم في التعيين كمعيدين ضد
تقارير الأمن، وحاليا نخوض معركة من أجل أن تحصل طالبة
متفوقة في آداب الإسكندرية علي حقها في أن تعين معيدة،
والأمن يعترض علي أساس أنها عضوة في حزب التجمع، علي الرغم
من أنها الأولي علي دفعتها فقد تم رفض تعيينها وأعلنت أنها
ستضرب عن الطعام وسافرت إلي الإسكندرية وقابلتها، وقابلنا
رئيس الجامعة وحصلنا علي وعد بإنهاء المشكلة وطالبناها بأن
تؤجل إضرابها عن الطعام وأن تكون تلك هي آخر خطوة.
ولقد ن ظمنامظاهرة في جامعة الإسكندرية بالمشاركة مع
منظمات حقوق الإنسان تحت مكتب رئيس جامعة الإسكندرية ثم
سنرسل للصحافة ولمجلس الشعب والوزير المختص وكل الجهات.
هل توغل الأمن في كل جهات الجامعة؟
-صورة أخري لتدخل الأمن لو أن أستاذا مسافرا لمؤتمر وحصل
علي التذكرة وبدل السفر يروح الورق للأمن وممكن يعترض علي
السفر ويستدعي الأستاذ يسأله عن أسباب السفر، والأمن غير
مختص بمسألة سفر الأساتذة.
والمشكلة أن الأمن أصبح جزءا من الفساد في الجامعة، لأن
الترقية ترتبط بتقارير الأمن، لا يمكن أي أستاذ يتفوق
بمجهوده ولابد من صلة مع الأمن.
فهناك عدم وجود شفافية في ميزانية الجامعة، هناك وحدات
يطلق عليها وحدات ذات طابع خاص تمول من جهات مختلفة، وتحصل
علي تمويل خاص وممكن تبيع المنتجات العلمية لجهات خاصة،
ويجب أن تكون هناك شفافية.
أيضا المشروعات الخاصة بتحديث التعليم الطبي يجب أن تتم
بشفافية بعيدا عن التعمية المقصودة وأبواب الفساد التي
تفتح بسهولة في تلك الحالات.
والصورة ليست سيئة جدا فيما يتعلق بالفساد في الجامعة فنحن
أقل من جهات ووزارات أخري فهناك مجالس للجامعات تناقش
وتراقب.
القضاء علي الواسطة يتردد أن الفساد وصل إلي أوراق الامتحانات؟
-الامتحانات التحريرية لا يمكن أن يحدث فيها فساد، المشكلة
في الامتحانات الشفهية وكانت درجات الامتحانات الشفهية
أكبر 60% والتحريرية 40%، ثم تم عكس المعادلة، وهناك
محاولات دائمة لتصحيح الوضع والقضاء علي صور «الواسطة»
و«التوصيات» في الامتحانات الشفهية.
وماذا عن كليات الطب الخاصة؟
-كليات الطب الخاصة هي كارثة قومية بجميع المقاييس لأن من
المفروض في التعليم الجامعي أن يتم امتحان الطالب في جهة
محايدة لكن أن تتم الامتحانات في الكليات الخاصة بطرق فيها
تسهيلات لأن الذي يجري الامتحانات صاحب الكلية والذي يهتم
قبل مستوي التعليم بأعداد الطلبة وما يدفعونه من أموال
باهظة خاصة الطلبة العرب وأبناء الأثرياء الباحثين عن
شهادة بأي أموال.
الجامعات الخاصة في الخارج ليست مملوكة لأشخاص وإنما تعمل
بتمويل وهبات من أشخاص أو هيئات ومؤسسات وبالتالي يمكن أن
تسقط كل الطلبة في الامتحانات لأن ما يهمها هو مستوي
التعليم.
هل يمكن أن تتوقف ظاهرة الدروس الخصوصية في كليات الطب؟
-القاعدة أن التعليم بالمجان، لكن الواقع عكس ذلك المصاريف
هائلة والدروس الخصوصية موجودة لكن الطالب العادي الفقير
يمكن أن ينجح في كلية الطب دون دروس، لكن الطالب المتفوق
تعود أساسا في معظم الحالات علي الدروس الخصوصية من
الابتدائي للثانوي للجامعة وأصبح مدمنا عليها ولم يجرب
قدراته الخاصة، علاوة علي وجود المدرسين الساعين لتسويق
الدروس وأصبح شائعا أنه مستحيل النجاح بدون الدروس
الخصوصية.
وزير قطاع خاص ما رأيك في وجود وزير صحة من القطاع الخاص؟
-هناك قلق من أن الذي يدير مصر رجال البزنس في دولة فقيرة
ومعظم الناس تعاني ولا تجد وظائف وفرصا متكافئة، وبالتالي
فهناك تخوف حقيقي ومشروع من أن رجال البزنس لا يضعون في
اعتباراتهم الأولي الفقراء والطبقات الوسطي والسفلي الذين
يحتاجون إلي حماية اجتماعية، والبزنس لا يعرف سوي العرض
والطلب وآليات السوق، وهو ما يحدث حتي في أغني الدول
الغربية، والصناعية حيث ظهر مصطلح الرأسمالية المتوحشة
التي تهتم بالمكاسب قبل أي اهتمام آخر.
أساتذة الحزب الوطني إصلاح الجامعة هل أصبح مستعصيا؟
-المشكلة أن الذين يديرون الجامعات هم من الحزب الوطني
أولا ومرتبطين بالأمن ثانيا ولا يهمهم إصلاح أو تطوير
وإنما البقاء في مناصبهم وأن يصلوا لمقاعد الوزراء.
ستجد لديهم خططا مهمة ودراسات جيدة، لكن علي أرض الواقع لا
تنفذ في عدم وجود أكاديميين حقيقيين في أجواء حريات كاملة
تهتم بالبحث العلمي أولا، لكن في ظل الأوضاع الحالية معظم
أعضاء هيئات التدريس مستفيدون من الوضع القائم.
لابد أيضا من النظر في تفرغ أعضاء هيئات التدريس بالكامل0
في أمريكا مثلا الأساتذة الكبار غير متفرغين ولديهم مؤسسات
خاصة يعملون فيها ومرتبطون بالجامعات بعقود رمزية بدولار
واحد في السنة والأستاذ يلقي محاضرات مرة أو مرتين أسبوعيا
وبالتالي يحصل علي المقعد العلمي الفخري ولا يحصل علي
المرتبات الهائلة التي يحصل عليها الأساتذة المتفرغون
بالكامل.
لكن هنا الأساتذة الذين يلهثون بين أعمالهم الخاصة سواء
كانوا أساتذة في الطب أو الهندسة أو الزراعة وغير ذلك
والتدريس في الجامعات وبالتالي اختفي الجديد وانهار
المستوي.
عمداء الكليات أصبحوا «نظارا» المفكر أو المبتكر يجب أن
يكون عنده شخصية مستقلة وحرية، والبداية في سلب الحريات
وتهديد الطلبة بعقوبات مختلفة إذا تجرأ وناقش أستاذه أو
كتب في مجلة حائط، القهر يمنع التفكير وعلي سبيل المثال
كنت في مؤتمر طبي في جامعة عين شمس وقابلني أستاذ صغير
وقال لي إنه معجب بمقالتي ويريد أن يشارك في أنشطة حركة 9
مارس وتم إدراج اسمه في قائمة البريد الإليكتروني بناء علي
طلبه وبعد يومين أرسل إلينا يطلب حذف اسمه من القائمة، خاف
من البيانات الموجودة وآثر السلامة والبعد عنا.
ممنوع العمل السياسي والتفكير داخل الجامعة، لكن الجماعات
الإسلامية استطاعت وما تزال العمل في الزوايا والأسر
الطلابية لكن حتي الحزب الوطني غير موجود بشكل فاعل، هناك
بعض الأساتذة مرتبطون بالحزب الوطني من أجل المزايا التي
يطمحون إليها.
استقلال الجامعة لن يحسنها اليوم ولكن يمكن أن يحسنها بعد
سنوات، والمظاهر الأساسية للاستقلال أن الأكاديميين هم
الذين يديرون الجامعة، لابد من انتخاب العمداء ولا يتم
اختيارهم.
ولابد أن تتمتع الجامعة بالاستقلال المالي والاستقلال
الأهم في التفكير، الباحثون الحقيقيون لا يستطيعون العمل
في الجامعة بنظمها ولذلك لا يوجد عندنا باحث علمي حقيقي في
ظل تلك الظروف، فالأموال لا تنفق علي البحث العلمي وإنما
علي المؤتمرات ومعظمها في البحث العلمي، ولو أنفقت الأموال
علي البحث العلمي نفسه وليس علي مؤتمرات تطوير البحث
العلمي لتغير الموقف، ويمكن طبعا الاستعانة بدراسات
واقتراحات الأساتذة الكبار.
كيف تستفيدون من دراسات المجالس القومية المتخصصة وما
دورها في رفع مستوي البحث العلمي؟
-عاوز واحد زي كمال الشاذلي يترأس المجالس القومية
المتخصصة ونأمل أي خير، الواضح أنهم لم يجدوا وظيفة
للشاذلي وأرادوا تكريمه فوضعوه علي رئاسة المجالس القومية
المتخصصة التي تضم علي الورق خيرة علماء وخبراء مصر، وأعرف
أن هناك دراسات مهمة تخرج عن تلك المجالس، لكن وضع رجل مثل
كمال الشاذلي وهو برلماني وسياسي علي رأس تلك المجالس يعني
أن المهمة سياسية وليست علمية.
ما الذي تغير في الحياة السياسية المصرية؟
-رؤيتي أن هناك تغيرات مهمة حدثت في الشارع السياسي، فحركة
كفاية وغيرها وحركة 9 مارس في الجامعة وعشرات الحركات التي
خرجت إلي الشارع وكسرت «التابوهات» التقليدية، وأصبح
انتقاد حتي رئيس الجمهورية متاحا بدون خوف.
والانتخابات أظهرت أن الحزب الوطني غير موجود، والنواب
الذين نجحوا بسبب شعبيتهم وانتمائهم القبلي وليس بسبب
الحزب الوطني المكروه وغير الموجود في الشارع.
وكيف صعد الإخوان؟
-الإخوان حلصلوا علي تمويل وتواجدوا في كل الأماكن
الجماهيرية والواضح أنهم غيروا من طرق عملهم تماما وخطابهم
السياسي كان معتدلا للغاية ومقبولا وأشاروا إلي أنهم ليسوا
ضد الفنون وأن الإمام حسن البنا كان يذهب مع ضيوفه لحفلات
الباليه ويذهبون لزيارة نجيب محفوظ ويؤكدون علي احترامهم
وتقديرهم للفن وأن مصدر عملهم هو الحضارة الإسلامية.
ولا أعتقد أنه في تنظيم حديدي مثل الإخوان أن كل واحد يقول
ما يريد، لابد أن تلك توجهات في إطار تغيير خطابهم وتطوير
حركتهم وحصدوا من وراء ذلك ذلك مقاعد البرلمان.
وماذا عن اليسار؟
-اليسار وجد نفسه في ظروف صعبة سقوط الاتحاد السوفيتي
وتراجع الفكر الماركسي إضافة إلي أن الأحزاب الليبرالية
واليسارية عملت أخطاء ضخمة جدا، كان مفروض أنها تقوم بما
قامت به حركة كفاية منذ سنوات، خاصة أن تلك الأحزاب لديها
مقار وتنظيمات ولجان ولم يكسروا حالة حصارهم في المقار
بينما كفاية بدأت وولدت في الشارع.
ثم قضية التحالفات والاتصالات مع الحزب الوطني والحكومة
وهي اتصالات أثرت سلبا علي التجمع بالذات، والمثير أن معظم
أعضاء كفاية من اليسار والتجمع ولابد من مناقشتهم ليعودوا
أعضاء نشيطين والمهم أن يتغير التجمع فكريا ليصبح حزب يسار
الوسط لكي يضم الفقراء والمهمشين، ولا يمكن أن يظل حزبا
ماركسيا خاصة أن التيارات الأخري خرجت مثل التيار الناصري،
لابد أن يغير الحزب من توجهاته خاصة أن التجمع هو الحزب
الوحيد الذي يجري انتخابات داخلية، والأهالي أيضا تحتاج
إلي نظرة جديدة،
وحزب الوفد؟
-لاتوجد طريقة لإصلاح حزب الوفد سوي بتغيير رئيسه، الذي
أصبح يتصرف وحده بصورة ديكتاتورية، وهناك رجال أعمال وتجار
ومزارعون كبار يبحثون عن التيار الليبرالي ويمكن أن ينضموا
للوفد إذا أصبح فعلا حزبا ليبراليا.
والحزب الناصري؟
-الحزب الناصري مختلف عن جريدة العربي التي لا توجد بينها
وبين الحزب أي علاقة، فالصحيفة مفتوحة للجميع من جميع
اتجاهات المعارضة، أنا لست ناصريا وباكتب في الجريدة لأنها
مفتوحة ولا تتحفظ علي أرائي.
المشكلة أن هناك تراجعا في التيار القومي في الشارع
المصري، وبالتالي التيار الناصري ليس له مستقبل لأن تجربة
الجماهير مريرة مع القومية العربية، وهم شايفين أن كل
الدول العربية غير مهتمة بالقومية العربية، وبالتالي
فالقوميون حين يبحثون عن الوحدة لا يجدون من يريد هذه
الوحدة .. وفي تقديري أنه لا يوجد مستقبل للحزب الناصري
لأن الشارع ليس مع هذه الفكرة، الشارع مع حزب ليبرالي وحزب
يساري يمثل يسار الوسط ويكون حزبا قويا، المستقبل لهذين
التيارين.
حزب الغد إلي أين؟
-مشكلة حزب الغد في رئيسه أيمن نور الذي واجه الرئيس في
انتخابات مجلس الشعب وحاول أن يظهر كبديل لجمال مبارك في
الانتخابات القادمة.
ماذا عن إنجازاتك العلمية الجديدة؟
-نحن نعمل كمجموعة بحثية وآخر أبحاثها التكاثر وأبحاث
إكلينكية لو كان عندنا إمكانيات لدخلنا في أبحاث الخلايا
الجذعية، ولكن حققنا نتائج بحثية مهمة في مسألة العقم،
والمشكلة أن ذلك بعيد عن الدولة وكان يجب علي الدولة
والجامعة أن ترعي ذلك.
ولكن أبحاثنا منشورة علي شبكة الإنترنت، وهناك إسهامات
مهمة في معالجة الفشل الكلوي وأمراض أخري خطيرة، وهناك
تقدير عالمي لتلك الإسهامات تؤكد علي مكانة علمائنا
وأطبائنا ويبقي أن يستفيد الوطن والمواطنون ومراكز الأبحاث
والمستشفيات وغير ذلك من تلك الأبحاث، فالهم الأول لنا هو
المواطن المصري وصحته التي يجب أن تلقي كل رعاية واهتمام
بعيدا عن عقلية «البزنس» والقطاع الخاص ذلك أن الاستثمار
الحقيقي لأي وطن هو في صحة أبنائه وتعليمهم تعليما متقدما
في مناخ خال من الفساد والخوف وفي إطار من الحريات الكاملة
الأكاديمية والسياسية فلا يجوز التفرقة بين الأكاديمي
والسياسي والرياضي والثقافي فتلك منظومة واحدة أما مجتمع
حر ينتج ويبدع أو مجتمع مقيد محاصر يتخلف ويموت.