يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1263 (25 يناير - 1 فبراير) 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

يا عزيزي.. كلنا محدودو الدخل!

 
 

رءوف توفيق

 

 
تصوروا.. أننا مازلنا نحاول توصيف من هم «محدودو الدخل»؟! وكأنهم مخلوقات غريبة من الفضاء هبطت علينا من حيث لا ندري.. واحتار العلماء والخبراء في معرفة شكلهم.. ولغتهم.. وماذا يأكلون.. وكيف ينامون..؟!.
إنها ليست نكتة.. ولكنها حقيقة مؤلمة نعيشها الآن مع لجان وزارية وأساتذة متخصصين كلفتهم الحكومة بإعادة النظر في أسلوب الدعم.. ومن يستحق هذا الدعم؟ وهل تستمر الحكومة في تحمل أعباء دعم السلع الغذائية الرئيسية.. وأيضا أعباء الدعم غير المباشر لخدمات التعليم والصحة والمواصلات؟!.. وهل هناك وسيلة لتخفيف العبء علي الحكومة؟!.
المؤلم.. أن كل هذه الأسئلة.. أسئلة قديمة يعاد تفجيرها كلما اقترب موعد إعداد ميزانية الدولة وتقع الحكومة في مأزق تدبير الموارد لتغطية العجز المتزايد في الميزانية.. وبالتالي تظهر دعاوي «ترشيد الدعم» والتلويح بإلغاء الدعم علي بعض السلع والخدمات.
وهي صيغة حكومية معروفة لشغل الناس عن المطالبة بتحسين الدخل وضبط الأسعار.. ولسان الحكومة يقول «مش كفاية بنصرف مليارات علي دعم السلع والخدمات، كمان عايزين زيادة في الأجور والمرتبات.. طيب هتعملوا إيه لو ألغينا الدعم وصرفنا لكم بدل نقدي كتعويض عن الدعم».
وكلمة «بدل نقدي».. تثير الخيال.. أن تقبض بضعة جنيهات زيادة كل شهر.. ولكن الواقع المخيف الذي نعيشه يوميا، يحطم هذا الخيال وينسفه تماما.. لأنه إذا تقرر «البدل النقدي» بديلا للدعم في السلع والخدمات.. فمن الذي سيحدد قيمة هذا البدل النقدي.. وكيف يتم صرفه.. ومن الذي يستحق.. وكيف تثبت هذا الاستحقاق.
وهل يحتاج الأمر إلي استخراج شهادة فقر مختومة بخاتم الدولة.. أم تكفي شهادة اثنين من الموظفين أو شهادة شيخ الحارة.. أو شهادة من الحزب الوطني؟!.
وإذا كان من السهل تطبيق «البدل النقدي» علي حسب مرتبات موظفي الحكومة والمؤسسات العامة والقطاع الخاص.. فكيف يمكن تطبيقه علي الفلاحين وعمال المهن الحرة والباعة.
إنها متاهة جديدة لا أول لها من آخر.. تسبب ارتباكا وصداعا للأجهزة التنفيذية.. فإذا كنا فشلنا في إعداد جداول الناخبين لانتخابات تجري كل أربعة أعوام.. فكيف نأمل في إعداد جداول البدل النقدي لكل شهر!!.
ولن تنتهي تداعيات «البدل النقدي» عند هذا الحد.. بل ستفجر مشاكل لا حصر لها في الأسواق.. حيث سيضارب التجار الجشعون لرفع الأسعار وإخفاء بعض السلع لإعادة طرحها في السوق السوداء.. وينشط أباطرة الاحتكارات!.
وما كان يبدو خيالا جميلا أن تقبض بضعة جنيهات زيادة في دخلك الشهري ستكتشف أن البالوعات التي انفتحت لامتصاص هذه الجنيهات.. قد ضاعفت من مشاكلك وهمومك اليومية.. وضاعفت أيضا من متاعب الحكومة في صد هجوم ضحايا هذا النظام.. والنتيجة المتوقعة.. لا المواطن استفاد.. ولا الحكومة استراحت!!.
وكأننا نهوي تعذيب أنفسنا.. ونفرح بتعقيد الأمور.. لنعيد تشكيل اللجان الوزارية واستدعاء الخبراء والمتخصصين لاجتماعات لا تنتهي.. وتصريحات لا تنتهي!.
مع أن الحل أبسط بكثير.. لو تعاملنا مع قضية «الدعم» بتفكير علمي دقيق.. وبحزم رقابي يحفظ للدولة أموالها وهيبتها.
فلا شك أن المتبع حاليا في دعم بعض السلع الغذائية.. ودعم خدمات التعليم والصحة والمواصلات أنه لا يقوم علي أساس من البيانات الدقيقة سواء عن حجم المستحقين فعلا لهذا الدعم.. أو مستوي الخدمة المعروضة.
وإنما كل ما يجري تحكمه مجموعة تقارير وزارية يعدها بعض الموظفين الذين يهمهم أولا إرضاء رؤسائهم أمام القيادة السياسية.. بالتغطية علي كل مظاهر العجز والقصور.. وإخفاء التجاوزات والسلبيات.
فالمعروف أن السلع المدعومة والتي يتم صرفها ببطاقات التموين.. تأخذ طريقها إلي تجار الجملة ليعاد بيعها بأسعار أعلي بعد إعادة تغليفها.. والأساليب كثيرة ويعرفها أي صبي بقال.. ويغمض عينيه عنها كل مفتشي وأجهزة مباحث التموين.. واهي ماشية!.
وأيضا كل خدمات التعليم والصحة المدعومة من الدولة.. يتلاشي مفهومها الحقيقي علي أرض الواقع.. فالتعليم مجاني ولكن التدريس بفلوس سواء في المجموعات داخل المدارس أو في الدروس الخصوصية.. والتي وصل حجم الإنفاق عليها - كما ذكرت إحدي الدراسات البحثية - إلي رقم 15 مليار جنيه سنويا يدفعها البيت المصري لتعليم أبنائه.
والمستشفيات الحكومية.. العلاج بالمجان.. ولكن علي المريض أن يدفع ثمن الشاش والقطن.. وثمن الدواء.. وثمن إهمال بعض الأطباء.. وثمن إهمال التمريض.. وثمن تلوث بعض المعدات الطبية.. وثمن حياته كلها!!.
وكل هذه الخدمات المدعومة من الدولة يتم إهدار الجانب الأكبر من أموال الدعم دون فائدة حقيقية للمواطنين.. بسبب فساد الإدارة وإهمال المتابعة والرقابة.
فالمشكلة ليست إذن في حجم الإنفاق علي الدعم.. ولكن المشكلة في العائد المرجو من هذا الدعم.
أما النكتة الكبري.. فهي ذلك التساؤل عن توصيف «محدودي الدخل» الذين يستحقون الدعم؟.
سمعت الإجابة من وكيل وزارة يعترف بمرارة «أنا محدود الدخل».. وسمعتها من أستاذ جامعي، ومن ناظر مدرسة.. ومن صحفي تجاوز الخمسين من عمره ولا يعرف غير مهنة الصحافة بشرف.. ومن محام لا يخدع المتقاضين.. ومن مهندس في مصنع يعمل ورديتين كاملتين ليغطي نفقات أسرته.
والإجابة نفسها يرددها الملايين من الطبقات الكادحة والوسطي.. وفقراء مصر في القري والنجوع والعشوائيات.. وياعزيزي السائل بسذاجة عن محدودي الدخل.. لن تجد إجابة صادقة غير أننا كلنا في الهم سوا.. واتقوا الله في حكاية الدعم.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة