هذه بعض السطور من نص الحديث الذي بدأه الكاتب «حجاج
حسن أدول» أمام المؤتمر القبطي العالمي في «واشنطن من 16 -
19 نوفمبر بالكلمات الآتية...
«بداية الحديث القضية النوبية لن تحل وحدها فهي جزء من
الكل، وهي فرع من فروع القضية المصرية عامة وأساس القضية
هي الديكتاتورية الحاكمة لسنوات طويلة فأنتجت التخلف
الحضاري والتخلف الحضاري أنتج التطرف الفكري وكان منه
التطرف الديني الذي تصاعد.
والتخلف المصري تحت نير الديكتاتورية هو جزء من تخلف
المنطقة فالديكتاتورية تحكم الشرق الأوسط بأشكال عديدة،
وحل القضايا يبدأ بالقضاء علي الديكتاتورية، وترسيخ الحرية
والديمقراطية لذلك فنحن النوبيين علينا أن نعمل مع مجمل
الانتفاضات النخبوية والشعبية بكل أطيافها ومع جميع
الأقليات ضد الحكم الديكتاتوري فالحل لابد أن يكون حلال
شاملا لمصلحة الأمة المصرية ومنطقة الشرق الأوسط».
هكذا كانت البداية بعد أن نصب نفسه مسئولا عن النوبة في
مصر والسودان بل وعن الشعب المصري ضد ديكتاتورية الحكام
العرب .. وهكذا تم إعلان الجهاد المقدس من قلب أمريكا
بالإطاحة بالحكام الديكتاتوريين، وإحلال حكام جدد يؤمنون
بالديمقراطية والحريات، وتجاهل سيادته النظم الحاكمة
العربية وسياساتها الطبقية، وأن أمريكا هي صانعة هؤلاء
الحكام العرب وأن ولاءهم الكامل للتبعية الأمريكية، وهناك
الكثير من التناقضات والمداخلات السياسية التي لا تمت إلي
القضية المطروحة، وربما كانت القضية مدخلا عاما في ضيافة
أمريكا وحنانها علي أوجاع المضطهدين في الكرة الأرضية.
وهو في كلمته طرح أحشاء النوبي بلغة غريبة في عالم غريب
أفاض في التفاصيل وسط ذهول الحاضرين وكأنه يعرض أحشاء
النوبة في مزاد علني.
وقد انتهي حديثه أو كاد بنداء عالمي يدعو إلي التدخل
المباشر ليس لإنقاذ آثار النوبة فحسب لكن لإنقاذ الشعب
النوبي نفسه وتحريره من قبضة الاستعمار المصري تحت حماية
الاستعمار الأمريكي، وهو منطق غريب في تفسير الأمور
لسيادته، يفتقد القدرة علي التباين في الرؤي واختلاف
المصالح.
ونحن نتساءل لماذا اهتم الصديق أدول بالحضور في مؤتمر
تدعمه أمريكا وتستخدمه وتوظفه أمنيا وسياسيا لمصلحتها
وإصراره علي ترديد مثل تلك الكلمات التي تؤكد استعلاء
أمريكا الثقافي والعنصري والعدواني في هذا المؤتمر الغريب.
وفي مناخ التردي الذي يعيشه عالمنا في ظروفه الراهنة من
تصاعد الهجوم الأمريكي الصهيوني والتهديد بالتدخل لكامل
المنطقة العربية بعد غزو العراق، فنحن بدورنا كنوبيين
مصريين نؤكد أن أمريكا هي الدولة التي يتم فيها التآمر
والمؤامرات والانقلابات وشراء النفوس والضمائر الضعيفة،
وإنها المصنع الأساسي لصناعة الإرهاب وتدريبه وهو الوجه
الحقيقي لأمريكا، والقضايا النوبية حلها ليس في الخارج ولا
من أرض واشنطن وهي قضية مصرية خالصة، أما إصرارك بالسفر
والحديث باسم النوبة جمعاء، وأنت لا تملك هذا الحق، ولا
النوبة فوضتك أن تتحدث باسمها ولم نكن نحن طرفا في توقيت
هذا الزمان والمكان، بل إن هذا المسلك الذي اتبعته أثار
ذهول واستياء الجميع، ويقودنا إلي منعطف خطير والسفر بكل
المقاييس خطأ لا يغتفر، ولم نكن ورقة ضغط في يد أعدائنا
للتدخل.
أما الجسد النوبي .. المفتري عليه..
وإذا تعرضنا لفهم طبيعة هذه المشاكل وجوهرها الاجتماعي
والاقتصادي دون الدخول في تفاصيل. فإن جوهر المشكلة يمثل
أحد التحديات الأساسية وينبغي لنا فهم هذه المعوقات
لحركتنا عبر منهج علمي ديمقراطي سليم بنظرة متكاملة تتناول
الأبعاد المختلفة لها.
أبعاد عديدة ومتداخلة ليست ظاهرة جزئية ولكنها ظاهرة عامة
تتجاوز حدود النوبة ،وأن ظروف التردي الشامل الذي يعيشه
فقراء مصر والنوبة، وجفاف وسائل الفكر السياسي والثقافي
والأدبي .. إنما هي نتيجة لهذه الأوضاع الاجتماعية
والاقتصادية في مصر تعبر بها عن نفسها، وما عسي أن نفعل من
أجل أن تتجاوز مصر علاقات الاستغلال والتبعية في ظل
الاقتصاد الرأسمالي.
إن تهجير النوبة الجديدة وما ترتب عليه من حدوث تغيرات
جذرية لها آثارها في تركيبة المجتمع الجديد، بصورة أو
بأخري علي عاداتها وتقاليدها الموروثة وسط ظروف ومناخ
يختلف الكثير عن القري السابقة.. إن هذه التغيرات التي
طرأت في المجتمع الجديد - ما بين صراعه العنيف بأن يواكب
هذا التطور وما بين التمسك بخصائصها من تراثها القوي الثري
الذي ينصهر في حركة التطور والمتغيرات في طبيعة الحياة -
تجعل هذه القضايا تتفاقم بجميع أشكالها الاجتماعية
والاقتصادية والفكرية، ولكن الفارق أنها تكون صارخة حين
تنتقل إلي الواقع الذي يعيشه الوسط النوبي في القري والمدن
وحالة من التمزق والعزلة وعزوف الكثير من الأجيال الحالية
عن معترك الحياة ومهمة كسب العيش وإعالة الأسرة، بل الهجرة
إلي الخارج بديلا.
الصراع عنيف ومباشر بين القديم والجديد. والعادات
والتقاليد والقيم والسلوكيات والموروثات عبر العصور
وتغيرها عملية صعبة وشاقة أو بطيئة تحتاج إلي وقت طويل.
والصراع الأساسي الهجرة أو العودة إلي القري القديمة،
ويتفرع منها قضايا جانبية وإن كان سيد الموقف شعار الهجرة،
والشعار حلو وجذاب، ويكاد لمعانه يخطف الجميع، وكأنما
الهجرة قدر مكتوب وهي آخر المطاف، وينفجر الصراع والعراك
بين معارض ومؤيد للفكرة وربما كانت نظرة الهجرة مجرد رد
فعل لما يعانيه الواقع النوبي وخاصة بعد هجرة السد العالي
وأصبح الجسد النوبي بين فكي المجتمع والمشاكل التي تتراكم
إلي الحد الذي يزعج كل بيت نوبي في المهجر، ولم تكن هذه
القضية مجرد أحلام ورغبات مكبوتة في دائرة ضيقة من أفراد
النخبة السياسية والثقافية بل اتسعت لتصبح محور النقاش
والحوار وامتدت في القري والمدن، ومما لامجال للشك فيه أن
الصديق الكاتب أدول لم يكن بعيدا عن هذا العمل بل كان في
قلب الأحداث وحركتها، وظلت المحاولات مستمرة للضغط علي
المسئولين لإمكانية تخفيف عبء المشاكل عن كاهلهم، وفشل
الوصول لمواقف إيجابية مع المسئولين وإن كان هذا الموقف
المتعمد ليس بجديد ولا غريب، وفي عصر تبدد الكثير من
مقولات وسمات الماضي حتي فكرة القومية النوبية تلاشت
بذوبان الكثير من ملامحها ولا نفع لها اليوم، وجوانب أكثر
حساسية وإنسانية لا تستطيع الرد سلبا أو إيجابا، والمفارقة
والمقارنة الظالمة في تقييم الهجرات دون مراعاة الظروف
السياسية بين بناء خزان أسوان والسد العالي الشامخ معجزة
القرن العشرين إنها إرادة الإنسان المصري غير أن ترك بعض
التساؤلات للإنسان النوبي دون أن يقلل من أهمية هذا العمل
الجبار لماذا الهجرة؟ وترك هذه المنطقة الأثرية والتاريخية
والجغرافية في فراغ كامل عارية تحت السماء وتعرضها لمخاطر
وأطماع توسعية لغزوات عدوانية عسكرية، وبقاء النوبي لا
يتعارض مع بناء السد العالي .. واستمر الحال علي هذا
المنوال زهاء أكثر من نصف قرن بين قسوة الاغتراب
والافتراق، والحديث عن الماضي القريب يطل جلاله وشموخه في
قداسة وخشوع عن الرموز الوطنية لذلك الزمان والجسد الوطني
تحول إلي فريسة منهكة ضعيفة ينهشها الاحتلال البريطاني
وحكم السراي، والإقطاع، وهم بناة خزان أسوان وبداية
الكارثة للفيضانات بالقري النوبية وتشريد شبابها بالهجرة
إلي الوطن الأكبر نحو الشمال المصري، بحياتهم وهمومهم
المشتركة وأن الفيضانات نفسها كارثة اجتماعية صنعتها أصابع
الاستعمار والإقطاع فهو جوهر الأحداث والصراع.
والشباب النوبي المثقف نموذج نضالي عنيد ثائر وطني،
وأشعارهم الثورية في نسيج الحركة الوطنية منذ الثلاثينيات
والأربعينيات والخمسينيات، المناضل «زكي مراد ومحمد قاسم
وشندي» كمثال وليس علي سبيل الحصر وهناك الكثير من الشباب
النوبي، وأن فساد المجتمع لا يعني بالضرورة عدم إمكانية
تغيرها واكتشاف الجديد الملائم وكانت مصر كلها تكابد
تحولات اجتماعية وسياسية في ذلك الوقت بوحدة النضال
المشترك مع الشعب المصري .. وأن القهر والجوع والاضطهاد
ليس قدرا مكتوبا علي الفقراء .. ومن هذا المنحني النوبي
ومن نبض هذا الواقع وخصوبته ظل ينمو ويتطور الأدب النوبي
واستمد كل طاقاته وأدواته أدباء النوبة وحمل شعلة
الاستمرار في مسيرة العطاء وإن كان من الصعب الحديث
باستفاضة في هذه السطور القليلة غير أن نؤكد بأن أدب
النوبة في قلب هذه المعارك اليومية.
لا شك أن التراث هو ذاكرة الأمة ولا يمكن لأمة أو شعب أن
يعيش بدون ذاكرة أو هوية ثقافية لأن التراث هو الأصول
الثقافية وهي بمثابة القواعد الأساسية لثقافته وفكره
وآدابه وتحدد لهم معالم الطريق وطريقة التفكير، ويشجع
للعمل علي إحياء التراث النوبي والتآخي ويكون هاديا
لشبابنا ويعيد لهم هويتهم ووعيهم الذي كادوا يفقدونه، وذلك
هو الصراع المستمر والأفكار بين خيوط المستقبل الذي مازال
يتأرجح بين ماض عريق، والمستقبل المجهول الذي يبحث عن
الهوية الجديدة والاستقرار النوبي والقضية أكبر من طاقتهم
قضية المعاناة ومشاكل الاستقرار، ولا حياة من حكامنا وكأن
الأمر لا يعنيهم وذلك هو الخطر الأكبر، وتلك السياسات التي
تتبعها أمريكا والصهيونية للتدخل تحت زعم حماية الأقليات
وتفتيتها بانقسامات عرقية.
والجيل الصاعد يواصل المسيرة بكل أبعادها السياسية
والأدبية، ويطرح القضية بشكل عام وأوسع دون أن يتجاهل في
ذلك تاريخ النوبة القديم والحديث وهناك الكثير من أنماط
البحث والنقاش الحضاري بين المثقفين والأدباء، كذلك
التعاون مع كل القوي الوطنية والديمقراطية .. والنيل في
جريانه لم يكن يحمل ماء الحياة لسكان هذا الوادي بالجنوب
والشمال فحسب إنما حمل مظاهر الحضارة علي مختلف العصور
متمثلة في أبرز ما تمثله الأديان السماوية وأيضا الحضارة
الفرعونية فقد كانت هذه الصلات منذ أقدم العصور وفي مختلف
عصور التاريخ علاقات قائمة وقبل كل شيء علي الشعور
بالترابط والتماسك والوحدة بين شقي الوادي في الجنوب
والشمال ضد العقلية الأوروبية الاستعمارية في التاريخ
الحديث.