أقرأ في الصحف مقالات وأخباراً حول ما يتوقع من تطوير
لمنظومة التعليم قبل الجامعي والجامعي، ومن تلك التوجهات
الإصلاحية إنشاء هيئة قومية تتولي وضع الاستراتيجيات
الخاصة بضمان جودة التعليم. وتجيء التعليقات والتمنيات بأن
هذه الهيئة سوف تحل مشكلات التدني في نوعية التعليم
ومستوياته.
وأقرأ في صحيفة الأهالي بتاريخ 4/1/2006 أن لجنة التعليم
بمجلس الشوري برئاسة أ.د فاروق إسماعيل قد بدأت في مناقشة
مسودة مشروع القانون الذي يتألف من 26 مادة، وما تضمنه من
عضوية اللجنة القومية، ومدتها والقيمة المالية لشهادة
الاعتماد، والغرامة التي توقع علي إفشاء سرية البيانات أو
التلاعب فيها وهكذا وببساطة واختزال تعلقت الآمال علي أنه
بالقانون سوف يحدث تغيير ملموس في تجويد التعليم وإمكانية
ظهور أسماء جامعاتنا في عالم الجامعات المتنافسة علي مواقع
الصدارة، عالمياً أو حتي عربياً مما لم نحظ برؤية أي واحدة
منها في أي قائمة من قوائم التميز. وتتوالي المقالات
والآراء حول تشخيص أوجاع المنظومة التعليمية وإدوائها من
يائس متشائم، حين رأي البعض أن المدرسة قد انتقلت إلي
البيت وإلي مراكز الدروس الخصوصية، ومن الذي يري أن
الجامعة في حالة تدهور أو أزمة أو محنة.
سعدت كثيراً من مطالبة أعضاء لجنة التعليم بمجلس الشوري
بضرورة التأني والدراسة الوافية قبل إقرار القانون، كما
سعدت باقتراح عدد منهم بأن تكون هناك فترة انتقالية لإعطاء
المؤسسات التعليمية الحكومية والخاصة فرصة كافية لتوفيق
أوضاعها لكي تكون مؤهلة لاعتماد جودتها ومستوياتها في مهلة
3 سنوات.
لكن المسألة ليست في مواد القانون وصياغتها وشمولها
ودقتها-مع أهمية ذلك بالطبع في كل قانون- ولا في المهلة
لتوفيق الأوضاع، فالمؤسسات التعليمية ليست جمعيات أهلية،
يخضع عملها أو إيقافه أو عن طريق تشكيل مجلس إدارة جديد
ليدير شئونها. لكن الإشكالية تكمن في ملاءمة الدواء للداء.
وفيما أعلم من نظام الاعتماد في الجامعات الأمريكية الذي
تمثل مظلته العامة الهيئة القومية للاعتماد- وهي منظمة
أهلية تعترف بها وزارة التعليم علي كل من المستوي
الفيدرالي ومستوي الولاية، ليس هناك قانون، ولا عقوبات
بالحبس أو الغرامة أو بالاثنين معاً، كما ورد في الأهالي
من إخبار بملامح قانوننا. وإنما ترسخ كيان تلك الهيئة
عرفاً وتقليداً منذ بدايات القرن التاسع عشر. ودليل
الاعتماد القومي الأمريكي يعطي للولايات والجامعات مرونة
وتكييفاً لبعض قواعده في ضوء الظروف المحلية للجامعة
والولاية وخصوصيتها. هذا فضلاً عن أن طلب الاعتماد مسألة
اختيارية تسعي إليها المؤسسة التعليمية حين تري أنها قد
بلغت أو اقتربت من المستوي المنشود.
ولعل المرء يري الحكمة في وضع المعايير في محاولة لضبط
مستويات التعليم في الولايات المتحدة حيث تتزاحم فيها
المؤسسات الجامعية بمختلف توجهاتها التي تعد بالآلاف،
وكذلك الشأن في مؤسسات التعليم ما قبل الجامعي بالملايين.
ومع ذلك فقد ظهرت هناك تيارات فكرية وتنظيمية تنتقد هذه
الشروط والمقاييس التي تفرضها الهيئة القومية وفروعها،
منادية بأهمية (التدريس العظيم The Great Teaching
Movement) لتأكيد الفاعلية والإلهام والقدوة في عملية
التواصل بين الطالب والمدرس المجتهد أو الأستاذ العظيم.
وأحسب أن القارئ يتذكر معي أولئك المدرسين والأساتذة
العظام الذين تركواً بصماتهم علي حياته لما كان لهم من
تأثير عميق، وهدايات بصيرة اكتسبها أثناء التمدرس علي
يديهم. وليس ثمة مبالغة حين قال شوقي في هذا النمط من
التفاعل (كاد المعلم أن يكون رسولاً).
وأتساءل هنا: هل لدينا من التنوع في الرؤي والأهداف
والمفاهيم والوسائل في مؤسساتنا التعليمية، وهي، كما نعلم،
محكومة بمركزية وزارة التربية والتعليم وبالمجلس الأعلي
للجامعات، ولجان القطاع واللوائح المتعددة التي تفرض
التنميط والنموذج، لا التنويع والخصوصية. وفي هذه الحال من
هو الأولي بالاعتماد: السياسات والموارد المركزية أو ما
يتم من مستويات وإنجازات تفرضها التعليمات الفوقية؟
من خطايا المعايرة والاعتماد:
ويكمن اللجوء إلي هذه المعايير في هذه الحقبة من التطور
المعرفي إلي التشخيص الجزئي الضيق لمنظومة التعليم لما
تسميه بمعالجة (المشكلة) والعمل علي حلها عن طريق الخبراء.
وهؤلاء ينظرون إلي (المشكلة) في اختزالها علي أنها (صعوبة)
محددة يمكن من خلال (العقلانية الفنية- والحداثية
الميكانيكية) حلها بطريقة " علمية" دون حوار عميق مع
الواقع الذي تنخرط فيه بعوامله البشرية والاجتماعية
والاقتصادية والثقافية، ودون اللجوء إلي مواقفهم من يعانون
منها، أو كما يقال أصحاب المصلحة الحقيقة من معلمين
وأساتذة جامعة، وما يحيط بأجواء العمل من عوائق في التفاوت
بين الخطاب الرسمي من ناحية وبين الواقع الفعلي ومجرياته
وتناقضاته. وهذا هو الفرق في عالم الطب بين معالجة المرض
ومعالجة المريض، في كلية جسمه وظروفه المعاشية، بل وأمراضه
السابقة.
وقد يقال إن الاعتماد يتضمن في معاييره تقييم الجودة
الشاملة، لكنها مجزأة ومفتتة في جملة مواضع وبإجراءات
متنوعة سواء في تقدير مدخلات التعليم أو مخرجاته، ويصعب
عليها الإمساك بما يجري بين الطرفين من عمليات في استجابات
ذات المتعلم. ومع أننا تجاوزنا مواصفات المصنع في بناء
الإنسان، إلا أن عملية المعايير والاعتماد تنحو في اتجاه "
تسليع " البشر أي تطبيق مواصفات إنتاج السلع عليهم كما
يحدث في إنتاج الأدوية مثلاً من توافر نسب معينة في مختلف
مكوناتها الكيميائية. وحتي في عالم الطب قد لا يكفي المريض
دواء واحد ولابد من اقترانه بدواء أخر، وقد يتطلب ذلك أن
يقترن بغذاء خاص أو بتغيير في سلوك الشخص وعاداته وغذائه.
وهذه مجتمعة تتفاعل مع بعضها في جسم مريض معين لتعين علي
شفائه، بينما قد لا تؤدي إلي شفاء جسم آخر وأن تشابهت
أعراض المرض.
وتحاول نظم الاعتماد رصد ومراقبة جودة التعليم من خلال
مؤشرات عامة جاهزة الصنع لتسبر الجوانب القيمية والوجدانية
والأخلاقية في جوانب العملية التعليمية وفي مخرجاتها. وهي
في كثير من الحالات تدور وتلف في استخدام مؤشرات تزعم أنها
" موضوعية «حيادية » فنية " للتشخيص والتقييم.
والخطيئة الثالثة في قضايا تطوير التعليم كماً وكيفاً
وسياقاً هي عملية النقل والاقتداء بما يجري في الدول
الموصوفة بأنها متقدمة، وهي في هذه الحقبة الزمانية
بالنسبة لنا، الولايات المتحدة الأمريكية إذ إنها دولة
متقدمة في التعليم، رغم ما يتردد حول شئونه وشجونه من نقد،
نادراً ما نهتم به أو بخبرائه وعلمائه. وحين تأتي أي وزارة
جديدة تسعي الحكومة ووزارتا التعليم لتطوير الأوضاع
القائمة فتشخص بأبصارها إلي الدول أو الدولة المتقدمة حسب
تيارات العلاقات السياسية. وتسعي مع خبراء التربية جاهدة
مزهوة بأنها تلقح تعليمنا بالمستحدثات الفكرية والممارسات
الجديدة، والتي تختلط وتتجاور مع الأفكار والمؤسسات
التقليدية. والأمثلة لا حصر لها فيما جري خلال عملية
التطوير، منها مثلاً: نظام المقررات (كردت سستم) المدرسة
الشاملة، التعليم التعاوني، التعليم الفعال، الكمبيوتر،
حقوق الإنسان، قدرات التفاوض، الديمقراطية، الامتحانات
الموضوعية، المدرسة الذكية، سوق العمل، القدرة التنافسية،
اللغات … إلخ... إنه بقع فوق بقع ليصبح الجسم التعليمي
كالمنبت لا معرفة متسقة تعلم، ولا مواطناً متكاملاً يشكل.
وقد غلبت عليه اليوم مهمات الإعداد لسوق العمل وبخاصة سوق
العمل الخارجية في التعامل مع الشركات المتعددة الجنسية
وفروعها، وفي عالم البيزنس بعامة، مما أطلق عليه توظيف
التعليم من أجل تخريج الفرد السوقي العولمي، وتناسينا أن
هناك أسواقاً أخري في حياة الطالب المصري، منها الإعداد
لسوق النمو الشخصي والبدني والنفسي المتكامل، وسوق
المشاركة السياسية، وسوق التذوق الجمالي التعبيري، وسوق
التواصل مع الغير في الداخل والخارج وكلها تتكامل لترسخ
سوق المواطنة والهوية والتعاضد في مصير المجتمع حاضراً
والتطلع إلي تطويره.
ومن هنا يفتقد تعليمنا الالتفات إلي أهمية هذه الأسواق
والأشواق بصورة واعية قصدية. وتختفي هذه الأهداف في معايير
الجودة والاعتماد حيث إنها غير واردة فيما يجري صياغته من
أهداف هذه المعايير فيما قرأت واطلعت عليه من بعض
المحاولات التي تفرض لتعرض معالم الاعتماد. ومعظمها منقول
ومترجم من مواقع الإنترنت. وهكذا نعود مرة أخري لنقل بقعة
جديدة من المستحدثات أو البدع التعليمية دون إدراك لاختلاف
الظروف والتحديات والثقافات. ويبقي سؤال الجودة ومعايرته
قائماً يطلب الإجابة. جودة لمن، وجودة لماذا؟.
لماذا أمريكا؟!
والخلاصة أنه مادام في الولايات المتحدة نظم الاعتماد،
تغدو من مظاهر التقدم لدينا ضرورة إنشاء هيئة قومية
للاعتماد وضبط الجودة الشاملة، ولا بد من أن تكون شاملة
غير منقوصة. وأتساءل، لمجرد التساؤل، أليست هناك دول تعتبر
نظم تعليمها موازية أو أفضل من الولايات المتحدة
وبريطانيا؟ أليست السويد مثلاً في نظم تعليمها بدءاً من
رياض الأطفال حتي جامعة أوبسالا أكثر تقدماً من أمريكا؟..
أتساءل هل لها نظام اعتماد؟ وفيما أعلم تتخلل عملية الجودة
لديها في كل خلية من خلايا المنظومة التعليمية من خلال
تطورها الذاتي وبدءاً من عمليات التخطيط، وخبرات المؤسسات
التعليمية والعاملين فيها، فضلاً عن مشاركة أولياء الأمور
ورجال الأعمال ونقابات العمال والتعليم وجمعياته العلمية
في المشاركة في اتخاذ القرار والالتزام الأخلاقي المهني
بتنفيذه .
إيقاف التردي:
لابد لي من التأكيد هنا ونحن نتدارس قانون الجودة
والاعتماد علي أنه لن يحدث تجويد للعملية التعليمية، إذا
لم يشعر العاملون فيها بأنهم أصحاب القرار مشاركين بفاعلية
في حاضرها ومستقبلها. وهذا يتطلب أيضاً استثارة الإحساس
الحقيقي بالقلق وعدم الرضي عن الأوضاع والمسلمات الحالية،
وأن ما يتضمنه الخطاب الرسمي يتجسد أو يأخذ طريقه باطراد
للتجسد والارتقاء بأوضاعهم المادية أو الاجتماعية. وهذه
أمور قتلت بحثاً كما يقال وبحت وبجت أصوات أصحابها منادين
كأنهم في (مالطة)!! ولا مجال لما هو معرف من قضايا
العاملين في منظومة التعليم وشعورهم الحقيقي بأن شئونهم
وشجونهم لا تحتل أولوية في سياسات الدولة. وهذا هو المحور
الأول الذي يتطلب إيقاف التردي في الروح المعنوية اللازمة
لبداية التجويد.
والمحور الثاني لإيقاف التردي، مقتصر في أمثلتي علي
التعليم الجامعي هنا، نظراً لحدود مساحة المقال، هو تلك
الإشكاليات المزمنة العالقة في سفينة الجامعات المترجرجة
والتي لا تعرف مرفئا تقصده، منذ أيام سيدنا نوح (كما يقول
المثل) وعجزت جميع المحاولات عن معالجتها أو حتي الاقتراب
منها، بل زادت الطين بلة أحياناً. وباختصار شديد نشير
إليها وقد تم تناولها في كثير من المؤتمرات والندوات
والمقالات والاحتجاجات حتي غدت مجلبة للملل من كثرة
إعادتها. منها علي سبيل المثال:
مقترحات ضرورية
> عدم توفير المباني الجامعية وتجهيزاتها بما يتمشي مع
زيادة الطلب الجماهيري المشروع علي التعليم الجامعي
والعالي، ولا معايير أو اعتماد مع كثافة المدرجات جلوساً
ووقوفاً، وحشر الطلاب الجدد حشراً دون أن يكون لهم حتي
احتمال وجود فراغ لتسكينهم فيه.
> إعادة نظام الإعلان عن نواة الهيئة التدريسية من
المعيدين، وتنظيم مهمات الإشراف العلمي عليهم .
> تشييع الكتب الجامعية المقررة إلي مقرها الأخير،
واعتبارها وصمة عار في جبين الجامعة والأساتذة، بصرف النظر
عن أي مبررات لوجودها.. والحاصل أنه في مساعي التطوير
الجامعي يسكت الصامتون من المنتفعين بهذه التجارة. ومع هذا
الإلغاء يتم تشجيع التنوع والتعدد في الإنتاج العلمي
والكتب المرجعية لأعضاء هيئات التدريس بمن فيهم المدرسون.
> اختصار مدة الإعارة علي فترة لا تزيد علي (5) سنوات
لفترة واحدة إذ ليس من المعقول أن يقضي عضو هيئة التدريس
عشر سنوات أو أكثر. وقد ترتب علي هذا أن تتأثر توجهات
المعار بقيم ثقافات مغايرة ليطالبوا بأسلمة العلوم أو عدم
اختلاط الجنسين في التعليم، أو أن لبس بنطلون الجينز حرام
شرعياً. ثم إن بقاء الأستاذ خلال النصف الأنضج من عمره
الإنتاجي خارج جامعته أمر غير معقول، خصوصاً أن ذريعة ما
يوفره من عملة صعبة لم تعد مسألة ملحة، فأصحاب بيت المال
يحيطوننا علماً بين الحين والآخر، بأن أرصدتنا من العملة
الصعبة في نمو مطرد.
> تأسيس مرتبة جامعية بعد الأستاذية يمكن أن يطلق عليها
مثلاً (أستاذ متميز) وذلك حفزاً لدوام عطائه العلمي،
تعليماً وبحثاً.
> التشجيع المادي والمعنوي للانشغال والبحث العلمي الجاد
طوال حياة الأستاذ الجامعية، وتمتع أعضاء هيئة التدريس
بالحرية الأكاديمية في إجراء البحوث ونشرها. وهنا علينا أن
نقتدي بشعار الجامعات الأمريكية بالنسبة لدور عضو هيئة
التدريس في البحث داعياً له (أنشر أو اختف، ابتكر أو تبخر)
. ومن الممكن أن يتفرغ بعض الأساتذة لفترة زمنية محددة
للقيام بمشروعات بحثية في مقابل إعفائهم من مهمات التدريس
جزئياً أو كلياً.
> إعادة النظر في تكوين اللجان العلمية بصورة منطقية لا
بيروقراطية، لا تكون الأقدمية عاملاً مساعداً أو مستبعداً
من عضويتها. وقد قيل في عيوبها الحالية كثير من النقد مما
لا يحتاج إلي مزيد من التكرار.
> نظراً للحاجة إلي تعليم باحثين متميزين، يمكن النظر في
جعل تقدير (جيد جداً) بدلاً من (جيد) في الدرجة الجامعية
الأولي شرطاً من شروط الالتحاق بالدراسات العليا. ومبررات
ذلك كثيرة، أهمها تدني، بل وتفاهة كثير من الرسائل
الجامعية.
> ونأتي أخيراً إلي تحرير الجامعة مؤسسة ورسالة، وتمتعها
الحقيقي بالاستقلال في جميع شئونها، واستبعاد كل عوامل
وعناصر ورموز التدخل الأمني في إدارتها أو شئون طلابها،
وإتاحة المناخ الديمقراطي في تكوين اتحادات الطلاب وما
يتطلب ذلك تعديل القوانين واللوائح والبيروقراطية الخانقة
بكل مجالاتها.
أما بعد
هذا غيص من فيض الأمور الجوهرية التي يمكن أن تتيح الحد
الأساسي لإيقاف التردي، وانفساح المجال للحديث عن ضمان
الجودة والاعتماد، وعن إمكانية الإفادة من نموذج مصري
تصوغه جميع الهيئات العلمية والفنية وأصحاب المصلحة
الحقيقية من أعضاء هيئات التدريس في الجامعات الرسمية
والخاصة والأجنبية، مما استعرض له في المقال التالي.