في الأسابيع الماضية، شهدت بلادنا العربية العديد من
الأحداث السينمائية المهمة، تمثلت في مهرجانات دولية أقيمت
في مراكش ودمشق والطاهرة ودبي. اللافت للنظر تكدس هذه
المهرجانات، ذات الطابع الكبير والفضفاض، في شهر واحد،
علما بأنها تقام سنويا، فيما عدا مهرجان دمشق الذي يعقد
مرة كل عامين.. هكذا ، كأن النشاط السينمائي، في ذروته
التي تتمثل في المهرجانات، يختزل عندنا، في أربعة أسابيع
فقط.
تراكم المهرجان في فترة زمنية واحدة يعبر عن غياب التنسيق
بين إدارتها، ويؤدي إلي تشتت متابعة المهتمين بالسينما،
صحفيين ونقادا ومنتجين ومخرجين ونجوما، وإقامتها جميعا في
نهاية العام يعني أنها ستعرض بالضرورة بقايا الأفلام
المتميزة التي لم تستطع أن تشق طريقها للمهرجانات الدولية
المرموقة.. مع هذا، تمكن كل مهرجان، حسب قدراته، في اصطياد
بعض الأفلام الجيدة، ليس من هنا وهناك، ولكن من هناك
وهناك، بمعني غياب الأفلام العربية، أو علي الأقل، ندرتها،
وهذا الأمر لا يدين المهرجان بقدر ما يعبر عن حال السينما
في الأقطار العربية، حيث تدهورت صناعتها، كما وكيفا،
والمهرجانات، في النهاية، تعرض الأفلام ولا تصنعها.
في مراكش، تنافس علي الجوائز خمسة عشر فيلما، ليس من بينها
فيلم مصري أو تونسي أو لبناني أو فلسطيني، وفي دمشق التي
كانت مصر تشارك، عادة بفيلمين، لم يعرض سوي «بنات وسط
البلد» لمحمد خان، وهو فيلم لطيف، خفيف، صغير، نالت بطلتاه
هند صبري ومنة شلبي جائزة خاصة في التمثيل، كنوع من جبر
الخواطر وفي اللحظة الأخيرة، شارك «بابا عزيز» للتونسي
ناصر خمير في المسابقة، ولم يكتب عنوانه أو بياناته في
كتالوج المهرجان الفخم، الضخم، الثقيل الوزن، الذي تجاوز
عدد صفحاته الخمسمائة من القطع الكبير.
المهرجانات السينمائية، في دول العالم، يكون افتتاحها
سينمائيا، وهو أمر منطقي، فبعد الإعلان عن افتتاح
المهرجان، يتم تقديم لجنة التحكيم، وأحيانا يصعد المكرمون
إلي خشبة الاحتفال، لتسلم تذكار التكريم لكن المزاج
المصري، تماما كما المزاج السوري، شغوف بالموسيقي والرقص
والغناء، وهي فنون جميلة، سمعية، مسرحية، إلا إذا كانت
داخل شريط سينمائي، وهو الشرط الذي لا يتوافر في مهرجاني
دمشق والقاهرة، ذلك أن فقرات المنوعات تتوالي في
الاحتفالية، كما لو أننا في حفلات أضواء المدينة ، وليس في
افتتاح مهرجان سينمائي.
سوريا، تنتج سنويا عدة أفلام، قد لا يتجاوز عدد أصابع الكف
الواحدة، والمغرب يحقق أكثر من عشرة أفلام كل عام، ومصر
تقدم ما يقرب من العشرين فيلما، وبالتالي يحق لهم إقامة
المهرجانات السينمائية، القومية والدولية، لكن المسألة
مختلفة تماما بالنسبة لدبي التي لا ولم تنتج فيلما واحدا،
وهذا لا يعني الاعتراض علي حق أي دولة أو مؤسسة في إقامة
مهرجان للسينما أو لغيرها من الفنون والأنشطة، ولكن يهدف
إلي تصنيف وتقييم المهرجان، فهل يدخل مهرجان دبي في باب
مهرجان التسوق والمهرجانات ذات الطابع السياحي، أم سيندرج
ضمن المهرجانات السينمائية المعترف بها دولياً؟.. أظن أن
الإجابة ستكونة محرجة.
نشرات المهرجانات اليومية، من معايير الجدة، ولعل من أسباب
ذلك الألق الذي يميز مهرجان كان، متابعة أكثر من خمس مجلات
لما يدور في المهرجان في أفلام لندوات لاستطلاعات لتقييمات
لأخبار، وإذا كانت نشرة دمشق اليومية الأنيقة، تتسم
بحواراتها مع الضيوف، ومتابعتها للأفلام، فإن نشرات
القاهرة تتمتع بمقالاتها النقدية عن الأفلام، فضلا عن
دراساتها حول المكرمين، بينما تصدر في مراكشنشرة يومية
باللغة الفرنسية من أولها لآخرها، مما يثير التساؤل الصعب
عن هوية المهرجان: فرنسي أم عربي؟
وكل عام وأنتم بخير.