من يلقي نظرة خاطفة علي إيرادات الأفلام التي عرضت
بالعيد، يصاب بالصدمة والخيبة، ويكتشف عجب العجاب00 ليس
لأنها «لهفت» عيدية العيال واقتسمتها مع الجزارين وبائعي
الخراف، وإنما لأن الجدول تصدرته أفلام بعيدة كل البعد عن
السينما الحقيقية التي ننشدها، ورغم ذلك حصدت الجلد والسقط
والفشة0
عندما يحقق فيلم أربعة ملايين ونصف المليون من الجنيهات
المصرية في أقل من عشرة أيام، وفي قفزة غير مسبوقة بتاريخ
السينما المصرية، فإن الأمر يستوجب التعليق والتحليل، وفي
الأغلب يستحق الإشادة، ولكن قبل التعليق والتحليل
والإشادة، علينا أن نجيب علي سؤال يفرض نفسه، لماذا حقق كل
هذه الأموال في هذه الفترة البسيطة، وهل هو بالفعل يستحق،
أم أن المصادفة ساقته إلي هذا الرقم الكبير؟ كما حدث مع
أفلام سابقة مثل «إسماعيلية رايح جاي» وسلسلة «اللمبي»، لن
نتكلم عن المستوي الفني، فالأمر لم يعد له صلة بالفن،
وأكبر دليل أن ما يتذيل الجدول أفلام جيدة وذات مضمون فني
عال يفوق تلك الأفلام من كل الوجوه0
العرض والطلب تعتبر أيام العيد موسما سينمائيا لجلب الإيرادات، لذا
يعول كثير من المنتجين علي الوجود بأعمالهم، حيث تتوافد
الجماهير علي دور العرض بغرض «الفسحة»، وغالبا ما تتراوح
أعمارهم من 10 أعوام حتي 25 عاما، خصوصا أنه يأتي في
بدايات إجازات نصف العام الدراسي، بعد عناء دراسي من الحفظ
والتحصيل والمعاناة والدروس والمجموعات وأشياء أخري ليست
لها علاقة بالسينما، لذا يراعي في التنويه عن هذه الأعمال
بالمحطات الفضائية اختيار مشاهد من الفيلم تتوافق مع ميول
هذه الشريحة العمرية لجذبهم للذهاب للسينما، وتقوم عملية
الاختزال بكفاءة عالية حيث يحرص كل الحرص علي الرقصات
والإيفيهات والأغاني والنكات والمشاهد الساخنة التي تجذب
هؤلاء الشباب أو المراهقين، وحتي تكون هذه الأعمال جاهزة
للعرض بالعيد، لابد أن يبدأ تصويرها في رمضان، وهذا ما حدث
بالنسبة لمعظم الأعمال0 وعند هذا الحد تبدو تلك الأرقام
الخيالية معقولة، لأن دافعيها لم يطمحوا في أكثر مما هو
معروض، وتلك هي شروطهم0
وما يؤكد ذلك تصريحات أحد فناني الكوميديا، الذي قال
بمنتهي الجرأة : «الشباب يحتاج إلي فيلم «روش»، ينسيهم
مشاكلهم وهمومهم، أما الموضوعات الكئيبة فممكن أن يقرأها
في الكتاب أو يشوفها علي النت»، ثم أنهي تصريحه بقوله
«الشباب مكبوت ومحتاج يفرج عن نفسه مش نشيله الهموم،
والأفلام الجادة الشباب بينفض لها» وتناسي هذا الكوميديان
أن الإنترنت اقتصر دوره علي «الشات» وزيارة المواقع
الجنسية، أما الكتب فمازالت ملقاة علي الرفوف وقد اعتراها
التراب في حاجة لمن يزيله عنها» وعلي المتشكك أن يراقب
مبيعات معرض القاهرة للكتاب، خصوصا في حضرة كأس الأمم
الإفريقية00 ربما يكون ما يحدث شيئا عاديا تعودنا عليه منذ
سنوات، لكن الأغرب من كل هذا هو تصريحات نجوم هذه الأعمال،
الذين أكدوا جميعا أن الجمهور «عايز كده، وأن هذا رزق جاء
من السماء، وأن الإيرادات هي الفيصل الوحيد لنجاح فيلم أو
فشله»، ونحن بدورنا نقول إن المخدرات وكذلك تجارة السلاح
تدر أموالا هائلة، فهل هذا يعني أن نسمح بتداولها
وانتشارها لأنها تدر كل هذا المال؟
القفز علي السلالم المتحركة جاءت نجومية أغلب الموجودين الآن علي الساحة الفنية
بالمصادفة من دور صغير في فيلم، يلقي فيه إيفيه يحدث ضجيجا
في قاعة العرض ويلقي قبولا عند الناس، فيهرول المنتجون
عارضين سيناريوهات وأفلام وبطولات، ويبدأ في الصعود علي
السلالم المتحركة فائقة السرعة، والدليل أن معظم هؤلاء
النجوم كانت تسند إليهم أدوار صغيرة لا ترقي للدور الثاني
أو الثالث منذ شهور قليلة، وفجأة تحولوا إلي نجوم تتصدر
اسماؤهم أفيشات الأفلام، ولم يكن غريبا أن نري أحد هؤلاء
في دور هامشي بأحد الأفلام، بينما هناك أفيش يحمل اسمه
وحده00 البطولة والنجومية حلمان يراودان الكثيرين ممن
يعملون بالفن أو حتي الذين لا يعملون به، ويظل الأمر
مرهونا بفرصة، وغالبا ما تأتي الفرص بوفرة هذه الأيام
للمحاسيب وأصحاب المحاسيب، بينما خريجو المعاهد الفنية
ينتظرون ويبدو أن انتظارهم سيطول0
حاحا وتفاحة والبحث عن فرصة من عناء الأدوار الثانية وعلي مدار سنوات طوال، كان
يحلم طلعت زكريا بأول بطولة يحقق فيها ذاته، وعندما واتته
الفرصة امسك بها لكي يثبت للجميع قدراته الكوميدية
والفارسية أسوة بمن لحقوه، ولأنه شارك السيناريست بلال فضل
في أعماله الكاملة السينمائية، كان يسيرا أن تحدث الكيمياء
بينهما، فوجد الاثنان ضالتهما، سيناريست يبحث عمن يروج له
إيفيهاته، وفنان يبحث عن إيفيهات تروج له وتصعد به سلم
النجومية00 وكما صرح «طلعت» في أحد البرامج التليفزيونية
بقوله : «بلال بيحط الحاجات اللي أنا بحبها00 وربنا يكرم»0
كان طلعت زكريا ينتظر فرصة فقط، وأصبح من السخف أن نسأله
عن مضمون هذه الفرصة! وبالنسبة لياسمين عبد العزيز التي
أتت من الإعلانات كانت في حاجة إلي عمل يكشف عن مواهبها
الفنية، ويزيل سوء الحظ الذي لازمها في تجاربها السابقة،
وخصوصا بعد الصعود الصاروخي لمنة شلبي وهند صبري، فهل وجدت
هذه الفرصة في «حاحا وتفاحة» وفجر الدور داخلها إمكانات لم
تكن مكتشفة؟ حتي أكرم فريد مخرج العمل كان أيضا يبحث عن
فرصة لإثبات نفسه بعد الإخفاق الذي حدث له في فيلميه
السابقين0 كلهم كانوا في حاجة إلي فرصة وليس لعمل فني0
أما مروي فيقول عنها منتج العمل «إن الكاميرا بتحب وشها»
وهذا يكفي0 والحقيقة فهي ليس لديها أي حضور ولا حتي
انصراف، وبالنسبة ل «ريكو» فهو يعتبر ورقة رابحة لجلب
الجماهير، أما لماذا؟ فهذا السؤال يوجه للجماهير!!
لم يكن غريبا في هذا المناخ أن يصعد محمد السبكي- وهو منتج
الفيلم - مسرح أحد الأفراح ضمن سياق الفيلم، ويقوم بتوجيه
التحية لفريق العمل، أنها «هيصة» ليس لها أي رابط0
إن بلال فضل تخصص في «لم» كل إيفيهات البلد ووضعها في
سيناريوهاته، ولم يكن في حاجة إلي فرصة، فهو من القلائل
الذين يجيدون التنقيب عن الشخصيات الهامشية في الشوارع
والحواري ويكشف عن مخزونها الإنساني وطموحاتها في تغيير
واقعها، لكنه للأسف يقف مكتوف الأيدي عندما يتم تشويهها
سينمائيا، أو يستهويه النجاح الجماهيري بخلطته السرية، فإن
(حنتيرة ، نعمة، فرنسا، وزة، أبو علي، سيد، سبايسي وآخرين)
شخصيات حقيقية اختلفنا أو اتفقنا معها، فهي بالفعل موجودة
في الشوارع وعلي الأرصفة ولم يلتفت أحد لها سواه0
أنابيب 00 أنابيب ربما يكون السبب في اختفاء الأنابيب أيام العيد ووصول
سعر أنبوبة الغاز ل 15 جنيها، هي حالة الرواج التي صنعتها
الأغنية التي كان يرددها (ريكو وياسمين عبد العزيز)
بالفيلم، حتي أصبح العثور علي «أنبوبة» أمراً عسيرا بعدما
ذاع صيتها0
هل تستطيع أغنية أن تنجح فيلما، وأن تجذب الجماهير إليه00
الإجابة نعم00 ويمكن رقصة خليعة بنصف ثياب تجعل الجماهير
تقف طوابير علي شباك التذاكر للحصول علي تذكرة00
لابد أن نعترف أن الذوق تغير، هذه حقيقة لا تحتاج لتذويق
أو تجميل، أذواق الناس تغيرت للأسوأ، إن هذا الصمت المقصود
حول أذواق الجماهير يجعلنا ندفن رءوسنا في الرمال00
البعض ينزل إلي النهر ليستحم ويغسل عن كاهله تلك المتاعب
التي تلحق به من آن لآخر، والبعض - وهم كثيرون - ينزلون
بإرادتهم إلي الترع والمصارف والقنوات ليستحموا فيصابوا
بالبلهارسيا التي تأكل أكبادهم وتفقدهم المناعة، وليت
الأمر يقف عند هذا الحد، بل إنهم دون أن يدروا - أو أنهم
يدرون- يصيبون العديد من المحيطين بهم بداء البلهارسيا،
ورغم كل هذا الخطر الذي يحدثونه في الوطن، وتلك الموبيقات
التي يروجون لها، تراهم لا يضعون في عيونهم حصوة ملح
ويختشون مما يفعلون بل يصرون علي تقديم أعمال في بجاحة
وتناحة مملوءة بالسخافة والتفاهة تسمي «حاحا وتفاحة»0