يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1262 (18 - 25) يناير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

ظاهرة رجال الأعمال الوزراء والنواب:

 
 

تطور إلي الأسوأ ينبغي التصدي له

 
 

د . إبراهيم العيسوي

 

 

مصر ليست مشروعاً صناعياً أو تجارياًحتي يستدعي رجال الأعمال لإدارته

أسوأ طريقة لتشجيع القطاع الخاص: الإنعام علي رجاله بمناصب الوزارة والنيابة عن الشعب

يبدو أن نظام مبارك لم يكتف بما ارتكبه من أخطاء جسيمة تتابعت بوتيرة مثيرة للانتباه خلال العامين الأخيرين . فالشروع في سيناريو توريث الحكم لجمال مبارك ، ثم الإصرار بعد ذلك علي سيناريو التمديد للرئيس مبارك ، كان خطأ جسيماً ، سرعان ما استنفر الكثيرين وجعلهم يرفعون شعار " لا للتمديد ، لا للتوريث " . وبعد ذلك جاءت التعديلات السخيفة في المادة (76) التي أضاعت بهجة التحول إلي رئاسة بالانتخاب ، ثم التزوير في الاستفتاء علي هذه التعديلات وفي انتخابات الرئاسة ذاتها ، لتضيف خطأ جسيماً آخر . كما كان الإصرار بعد ذلك علي حصول الحزب الوطني علي أكبر عدد من مقاعد مجلس الشعب ، بالمال والعنف والقتل ومنع الناخبين عن الوصول إلي اللجان الانتخابية والتزوير المفضوح ، من الأخطاء التي تدخل في باب الكبائر . وبينما أنزل نظام مبارك أشد العقاب علي أيمن نور في تهمة تزوير توكيلات تأسيس حزب الغد ، تغاضي هذا النظام عن تزوير رجاله لانتخابات مجلس الشعب . بل إنه أجزل العطاء للبعض منهم باستمراره في مقعد الوزارة . وكأن التزوير مباح لمبارك ورجاله ، حرام علي غيرهم .
لم يكتف النظام بتلك الأخطاء ، وأصر أن يضيف إليها خطأ آخر. بزيادة عدد رجال الأعمال الممثلين له وللحزب الوطني في مجلس الشعب ، وفي الوزارة الجديدة . فقد احتل رجال الأعمال نحو 100 مقعد من مقاعد مجلس الشعب ، أي ما يناهز ربع عدد المقاعد . كما أصبح مجلس الوزراء يضم 6 أو 7 من رجال الأعمال . وهذه أرقام تقريبية ، ومن المرجح أن الأرقام الفعلية أكبر ، وذلك لأن صفة رجل الأعمال قد تكون مستترة لدي بعض الوزراء والنواب ؛ ومن ثم لا يدخلون في هذا التعداد . فأستاذ الجامعة الذي صار وزيراً قد يملك ويدير مزرعة أو مصنعاً ، ومع ذلك تبقي السمة الظاهرة له هي سمة أستاذ الجامعة ، لا رجل الأعمال . ولن يتيسر تحديد العدد الدقيق لرجال الأعمال في الحكومة ومجلس الشعب إلا إذا نزل الوزراء والنواب علي مقتضيات الشفافية وأعلنوا علي الملأ مراكزهم المالية عند توليهم هذه المناصب . ونضيف أن مقتضيات الشفافية والحفاظ علي النزاهة ومكافحة الفساد تستوجب أن يتكرر مثل هذا الإعلان عندما يترك الوزراء والنواب مناصبهم ، وأن تتم مراجعته من قبل هيئة مؤهلة لذلك خلال ثلاثة شهور علي الأكثر من انتهاء مدة الوزارة أو النيابة ، وأن تحال المخالفات إلي القضاء .
إدارة الأعمال وإدارة الأوطان
والاعتراض الذي أبديه هنا ليس علي مجرد زيادة عدد الوزراء والنواب من رجال الأعمال ، بل إنه ينصب علي المبدأ ذاته ، وبخاصة مبدأ تعيين رجال الأعمال وزراء . لقد صرح السفير سليمان عواد المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية بأن زيادة عدد رجال الأعمال في الوزارة الجديدة يرجع إلي " أنهم يجمعون بين الخبرة العملية والعلمية لتحمل المسئولية " ، وأن هذا الأمر يأتي " في إطار توجيهات الرئيس مبارك لتشجيع القطاع الخاص" ( الأهرام في أول يناير 2006 ) . وهذا تبرير واهٍ . فحتي لو كان رجال الأعمال المختارون للوزارة يجمعون بين الخبرة العملية والعلمية وهو فرض غير صحيح في كل الأحوال فإن خبرة رجال الأعمال بإدارة أعمالهم الزراعية أو الصناعية أو التجارية ليست هي بالضرورة الخبرة المناسبة لإدارة شئون المجتمع والدولة . فمصر المجتمع والدولة ليست مشروعاً اقتصادياً يدار بمعيار الربح الخاص حتي نأتي برجال أعمال لإدارته . إن إدارة الأعمال مختلفة اختلافاً كلياً عن إدارة الأوطان . ومن السذاجة أن نتوقع من رجل أعمال اعتاد إعلاء الشأن الخاص ورعاية مصالحه الخاصة أن يتحول بمجرد صدور قرار رئيس الجمهورية بتعيينه وزيراً إلي شخص يعلي الشأن العام ويرعي مصلحة الوطن ، وينسي كل ما كان له من صلة بأعماله الخاصة .
إنني أتذكر في هذا المقام قولاً مهماً للدكتور سعيد النجار رحمه الله -وهو ، لمن لا يعرف ، من أساطين الاقتصاديين المدافعين عن النظام الرأسمالي الحر . ففي معرض اعتراضه علي تحميل رجال الأعمال بما يسمي " المسئولية الاجتماعية " ، قال : " إن مهمة رجال الأعمال هي إنجاز الأعمال ( بمعني البيزنس ) ، ولا شئ غير الأعمال " ، وأكد أن التداخل بين الأعمال التجارية والأعمال الاجتماعية أمر مرفوض . وقد وافقته علي هذا الرأي . وبنفس المعيار ، فإن التدخل المباشر لرجال الأعمال في شئون الحكم أمر معيب وخطير . ومن يعينون من رجال الأعمال في الوزارة أو حتي في البرلمان قد تخسرهم مصر كرجال أعمال ، ولكنها لن تكسبهم في الغالب كوزراء أو نواب . ولا شك في أن أسوأ أسلوب لتشجيع القطاع الخاص هو تعيين البعض من رجال الأعمال وزراء . ودعونا نتساءل : هل ما يقدم لرجال الأعمال من حوافز وامتيازات سخية غير كاف لتشجيعهم ، حتي يضاف إليها الإنعام عليهم بالوزارة ؟! والإجابة واضحة : بالطبع لا ، فما يقدم لهم أكثر من كاف .
سيطرة رأس المال علي الحكم
إنني أدرك أن سيطرة رجال الأعمال علي الحكم لم تبدأ بتعيينهم وزراء ، وأنها لن تزول إذا ما أُعفي رجال الأعمال من مناصبهم الوزارية . ولكن لاشك في أن اشتراك رجال الأعمال في الحكم كوزراء يتيح لهم فرصاً أكبر للتأثير في صنع السياسات وإعادة تشكيل التشريعات . وهنا لا يخلو الأمر من شبهة اختلاط الصالح الخاص لرجال الأعمال بالصالح العام للوطن ، ولا يخلو الأمر من خطر تطويع السياسات والتشريعات لخدمة المصالح المباشرة لرجال الأعمال الوزراء ، وليس فقط لخدمة مجتمع الأعمال في مجموعه . وذلك الأمر وارد حتي إذا اُشترط علي رجل الأعمال الوزير أن يقطع صلته بأعماله أثناء توليه المنصب الوزاري . فتنفيذ هذا الشرط يتم في الغالب بصورة شكلية لا يعتد بها . وإذا كان الكثيرون قد تحدثوا عن زواج السلطة والثروة في مصر ، فإن حمل رجال الأعمال للحقائب الوزارية ينقل العلاقة بين السلطة والثروة من علاقة زواج إلي علاقة اندماج تام .
ويقتضي الأمر هنا العمل بمبدأ « الأخذ بالأحوط» " . فيحظر علي رجال الأعمال تولي المناصب الوزارية . وأكبر الظن أن النظام لن يجد صعوبة في شغل هذه المناصب بأشخاص أكفاء لا تحوم حولهم شبهة الاختلاط بين المصالح الخاصة والمصالح العامة . فلندع رجال الأعمال يديرون أعمالهم ، آملين أن يديروها بالكفاءة المنسوبة إليهم . وكفاهم ما هو متاح لهم من فرص للتأثير في صنع السياسات من خلال اشتراكهم في اللجان الوزارية ومجالس أمناء ومجالس إدارات الكثير من الهيئات والمؤسسات الحكومية . وهي فرص غير متكافئة مع ما يتاح لغيرهم من الفئات والقوي الاجتماعية . ومن الواجب تصحيح عدم التكافؤ هذا بزيادة تمثيل النقابات العمالية ( بعد تحريرها من قبضة الدولة ) ، والاتحادات التعاونية ، ومنظمات المجتمع الأهلي المدافعة عن حقوق المستهلكين وعن حقوق الإنسان بصفة عامة في مثل هذه اللجان الوزارية والمجالس الإدارية والاستشارية المختلفة .
سد الثغرات
وإذا كنا نطالب بمنع رجال الأعمال من تولي المناصب الوزارية درءاً لشبهة الاستفادة من هذه المناصب في التأثير في السياسات العامة لصالح أعمالهم الخاصة ، فإنه من الواجب أيضاً توفير الضمانات والشروط المشددة التي تحول بين الوزراء سواء أكانوا من رجال الأعمال أم من غيرهم وبين تحقيق مكاسب خاصة أثناء توليهم الوزارة . ومن المعلوم أنه يتم التحايل بطرق شتي علي المادة ( 158 ) من الدستور التي تحظر علي الوزير أثناء تولي منصبه " أن يزاول مهنة حرة أو عملاً تجارياً أو مالياً أو صناعياً ، أو أن يشتري أو يستأجر شيئاًَ من أموال الدولة أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئاً من أمواله ، أو أن يقايضها عليه " .
ومن الضروري سد الثغرات التي تسمح للوزراء بالالتفاف حول هذه المادة ، حتي ولو اقتضي الأمر امتداد الحظر المنصوص عليه فيها إلي الزوجة والأقارب من الدرجة الأولي ، وتصفية أعمالهم ، أو أن يعهد إلي طرف مستقل بإدارتها بحيث تنقطع الصلة العملية للوزير وأسرته بما كان له من نشاط مهني أو تجاري أو ما إلي ذلك قبل توليه منصبه . وفي كل الأحوال ينبغي الإعلان العام عن المركز المالي لشاغل المنصب الوزاري وزوجته وأقاربه من الدرجة الأولي عند توليه المنصب وعند تركه ، مع تكليف جهاز متخصص للنظر علي وجه السرعة في مشروعية ما طرأ علي هذا المركز من تغيرات ، والتحقق من انعدام الصلة بينها وبين منصب الوزير ، وإحالة الأمر إلي القضاء عند ظهور دلائل علي وجود أي كسب غير مشروع .
رجال أعمال تحت القبة
ثمة منفذ آخر من منافذ سيطرة رأس المال علي الحكم ، ألا وهو وصول رجال الأعمال إلي البرلمان . فكما سبق ذكره ، يقدر أن رجال الأعمال يحتلون ما قد يزيد علي مائة مقعد من مقاعد مجلس الشعب . وهذه ظاهرة مثيرة للقلق وينبغي النظر فيها بجدية ، خاصة بعدما أصبح لرجال الأعمال ما قد يزيد علي ربع الحقائب الوزارية في الحكومة الجديدة . وإذا كانت هذه الظاهرة قد احتلت جانباً كبيراً من اهتمام المعلقين إبان الانتخابات التشريعية ، فإن هذا الاهتمام ينبغي ألا يتوقف الآن بعدما هدأ غبار المعارك الانتخابية . فالأمر جد خطير ، ولا يجب التعامل معه وكأنه مسألة مفروغ منها . بل يجب التعامل معه علي أنه مشكلة تستوجب البحث عن حلول مناسبة لها .
ويجب الانتباه ابتداءً إلي أن تكالب رجال الأعمال علي الترشيح لانتخابات مجلس الشعب ، وإنفاقهم ببذخ علي الدعاية والرشاوي الانتخابية لا يتصور أن يكون الهدف منه الرغبة الخالصة من كل غرض خاص في خدمة المصلحة العامة للشعب . بل هو سبيل لتنمية المصالح الخاصة لرجال الأعمال ، فضلاً عن كونه سبيلا لتمكين رأس المال من السيطرة علي الحكم ، أو بمعني أدق : تمكين رأس المال من إحكام سيطرته علي الحكم . فهذه السيطرة آفة من الآفات التي تصيب الديمقراطية في المجتمعات الرأسمالية . وهي أي السيطرة لا تقاس بالطبع بعدد المقاعد التي يفوز بها رجال الأعمال في البرلمان وحدها . إذ أن ما يمتلكه النائب من رجال الأعمال من ثروة ونفوذ اقتصادي قد يجعل له من النفوذ في مجلس الشعب أضعاف أضعاف نفوذ غيره من النواب من غير رجال الأعمال .
مغانم المقعد البرلماني
والمكاسب التي قد يتحصل عليها عضو البرلمان من رجال الأعمال كثيرة . وحسبنا أن نذكر ستة أنواع من هذه المكاسب . وينبغي التنبيه ابتداءً إلي أن بعض هذه المكاسب ليس وقفاً علي النواب رجال الأعمال ، بل قد يتمتع بها غيرهم من النواب . كما ينبغي ملاحظة أنه ليس كل من ترشح أو فاز بالمقعد البرلماني من رجال الأعمال طامعا في كل هذه المكاسب ، أو أنه قد لا يسعي للخدمة العامة . ولكن أمثال هؤلاء قلة . وأغلب الظن أن الكثرة من رجال الأعمال الذين ترشحوا أو فازوا في نفوسهم غرض ، وأنهم ما كانوا لينفقوا بسخاء علي شراء الأصوات إلا لمراهنتهم علي استرداد ما أنفقوه أضعافا مضاعفة بعد الفوز في الانتخابات. وأنهم ماكانوا لينفقوا بمثل هذا السخاء إلا لأنهم كونوا ثرواتهم بالفساد والإفساد ، ومن مصادر قد لا تمت للإنتاج بصلة . فمن يسهل عليه الحصول علي المال الوفير يسهل عليه إنفاقه ببذخ.
وأول نوع من هذه المكاسب هو الفرص التي تتاح لرجال الأعمال لشراء مساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية وأراضي البناء وكذا الفيلات والشقق وغيرها من أموال الدولة بأثمان زهيدة . وقد يقال أن هذا ممنوع بحكم المادة ( 95 ) من الدستور التي تحظر علي عضو مجلس الشعب " أثناء مدة عضويته أن يشتري أو يستأجر شيئاً من أموال الدولة ، أو أن يؤجرها أو يبيعها شيئاً من أمواله أو أن يقايضها عليه ، أو أن يبرم مع الدولة عقداً بوصفه ملتزماً أو مورداً أو مقاولاً " . فسبل التحايل علي هذا النص متعددة ، والمخالفات في هذا الشأن تستعصي علي الحصر .
والنوع الثاني من المكاسب المحتملة للنواب رجال الأعمال هو تحسين فرص حصولهم علي القروض والتسهيلات الائتمانية من البنوك دون ضمانات جدية . وما قصة نواب القروض ببعيدة عن الذاكرة .
والنوع الثالث من هذه المكاسب هو تسهيل تعاملات رجال الأعمال مع الأجهزة الحكومية والاستفادة من مواقعهم البرلمانية في تجاوز تعقيدات البيروقراطية وعراقيلها .
والنوع الرابع من المكاسب هو التربح من منصب النيابة عن الشعب وذلك باستقضاء مبالغ مالية لقاء تعيين الخريجين في وظائف جيدة ، أو لقاء" تخليص " معاملاتهم مع الجهات الحكومية ، أو التوسط لهم في الحصول علي حق مشروع أو مصلحة غير مشروعة .
ويبقي نوعان من المكاسب التي قد يحققها رجال الأعمال من الوصول إلي البرلمان . أشهرهما ، وهو النوع الخامس ، هو حصول العضو علي الحصانة البرلمانية . والأصل في الحصانة حسب المادة ( 98 ) من الدستور هو حماية أعضاء البرلمان من أي أذي قد يصيبهم جراء " ما يبدونه من الأفكار والآراء في أداء أعمالهم في المجلس أو في لجانه " . ولكن العرف قد جري علي التوسع في تطبيق هذه الحصانة المحدودة أصلاً ، وامتداد مفعولها إلي أي جرائم قد يرتكبها أعضاء مجلس الشعب ، كإصدار شيكات بدون رصيد أو حتي جرائم السرقة والقتل والتجارة في المخدرات ، وذلك مادام لم يضبط متلبساً بالجريمة . ولعل هذا ما يفسر لهفة بعض الأعضاء علي الحصول علي كارنيه «نائب الشعب» بمجرد إعلان نتيجة الانتخابات في دوائرهم ، حتي تصبح يد القانون مغلولة ، ويستفيد النائب من تعطيل أو تأجيل تطبيق القانون عليه في مسائل لا تمت بصلة إلي ما يبديه من أفكار وآراء تحت القبة . ولا جدال في أن هذا التطبيق الخاطئ للحصانة البرلمانية يخل إخلالاً جسيماً بمبدأ المساواة بين المواطنين أمام القانون الذي يفترض أن يصونه نواب الشعب ، لا أن يعصفوا به خدمة لمصالحهم الخاصة .
أما النوع السادس من المكاسب المحتملة لرجال الأعمال من الجلوس تحته قبة البرلمان ، وهو أخطرها قاطبة ، فهو التأثير علي التشريعات والسياسات العامة علي النحو الذي يخدم المصالح المباشرة لبعض النواب أو يعزز المصالح الخاصة لمجتمع رجال الأعمال في جملته . والمشكلة تنشأ من أن رجال الأعمال يستمرون في ممارسة أعمالهم كالمعتاد أثناء مدة عضويتهم في مجلس الشعب . وهذا هو ما يثير الاحتمالات في أنهم قد يسخرون مهامهم البرلمانية لخدمة مصالحهم الخاصة ، لا لخدمة الصالح العام كما تقضي بذلك واجبات النيابة عن الشعب . كما أن هذا يثير أيضاً شبهة التعارض في المصالح بين الأنشطة الخاصة للنائب رجل الأعمال ، وبين واجباته البرلمانية التي يقررها الدستور .
من يصون أخلاقيات البيزنس ؟
والحق أن إثارة هذه المخاوف وتلك الاحتمالات لا تأتي من أهل اليسار ودعاة الاشتراكية وحدهم . بل إنها تأتي أيضاً من داخل المعسكر الرأسمالي ذاته . فهناك من أنصار الرأسمالية من تدفعهم غيرتهم علي الديمقراطية إلي إثارة هذه المخاوف والتنبيه إلي ما ينطوي عليه الجمع بين المهام البرلمانية والمهام الخاصة لرجال الأعمال من مخاطر . والرأسمالية الناضجة في الغرب تحرص علي ما يسمي " أخلاقيات الأعمال " أي مجموعة الحدود والخطوط الحمراء التي ينبغي عدم تخطيها حتي لا تجور المصالح الخاصة بصورة صارخة علي المصلحة العامة ، وذلك خلافاً للرأسمالية الرثة رأسمالية المحاسيب الشائعة في الدول النامية والتي لا تعترف بحدود أو قيود من هذا النوع .
لقد استرعي انتباهي مقال للسيد كام ماجراث رئيس تحرير المجلة الشهرية لغرفة التجارة الأمريكية في مصر ( عدد ديسمبر 2005 ) عنوانه : " بيزنس السياسة " . فقد استوقفته ظاهرة استيلاء رجال الأعمال علي هذا العدد الكبير نسبياً من مقاعد مجلس الشعب المصري . وراح يفند لماذا حفلت الترشيحات بنسبة ضخمة من رجال الأعمال ، ويوضح أوجه النفع التي قد تعود علي النواب رجال الأعمال ، وذلك علي نحو قريب مما ذكرناه أعلاه . والجدير بالانتباه هو أن السيد ماجراث لا يعتبر وصول رجال الأعمال إلي البرلمان شيئاً سيئاً في حد ذاته . بل إنه يرحب بجلوسهم تحت القبة ، وذلك بدعوي أن البلد في حاجة إلي ما لديهم من خبرات عملية في مجال الأعمال والإدارة ، وأن وجودهم في مجلس الشعب سوف يؤدي إلي تسريع عمليات الإصلاح الاقتصادي ( علي الطريقة الرأسمالية بالطبع ) والخصخصة . ومع ذلك فإنه يري أن استمرار النواب رجال الأعمال في مباشرة مهام إدارة أعمالهم الخاصة أثناء فترة عضويتهم بمجلس الشعب يثير مشكلة ، وبخاصة بعد ما ازداد وزن رجال الأعمال في دوائر الحكم . وهذه المشكلة حسب تحليله هي مشكلة التعارض بين المصالح الخاصة لرجال الأعمال والمصلحة العامة المفترض أن يسهر نائب الشعب علي صيانتها .
حماية السياسة من البيزنس
والجديد في مقال السيد ماجراث هو إشارته إلي تجارب بعض الدول الغربية مثل كندا وبريطانيا في هذا الشأن . إذ يتم تقييد الأنشطة الخاصة للنواب رجال الأعمال أو يجري إخضاعها لمراقبة مشددة . وهو يقترح التعامل مع النواب رجال الأعمال بالطريقة نفسها التي اتبعت مع الوزراء رجال الأعمال في مصر ، حيث يطلب منهم قطع علاقاتهم بأعمالهم الخاصة وتفويض الغير في إدارتها أو تصفية مساهماتهم في بعض الشركات واستقالتهم من مجالس إدارات الشركات التي كانوا أعضاء فيها قبل اشتراكهم في الحكومة .
وبغض النظر عن مدي سلامة هذا الحل ومدي أفضليته علي حلول أخري قد تكون ممكنة ، فإن ما أردت أن أنبه إليه هو أن وصول رجال الأعمال إلي مقاعد البرلمان يثير القلق حتي في المجتمعات الراسخة في الرأسمالية . كما أن الحرص علي توفير قدر من النزاهة والكرامة للمجالس التشريعية في هذه المجتمعات قد دعا البعض من هذه المجتمعات إلي فرض ضمانات واشتراطات تحول دون إساءة استغلال النائب رجل الأعمال لمقعده البرلماني ، أو علي الأقل تقلل فرصة وقوع هذا الاستغلال السيئ . وإذا كان الأمر كذلك في الدول الرأسمالية المتقدمة ، فما أحرانا في الدول النامية التي لم تنضج فيها الممارسات الديمقراطية بعد ، أن نضع هذه المسألة علي جدول أعمال الإصلاح السياسي والدستوري وعلي جدول أعمال مكافحة الفساد .
وما أحرانا في مصر أن نتعامل مع مشكلة النواب والوزراء رجال الأعمال بالجدية المناسبة ، وأن نبحث لها عن حلول أو ضوابط نعلم مقدما أنها قد تخفف بعض الشئ من حدة سيطرة رأس المال علي الحكم ، ولكنها لن تلغي هذه السيطرة تماماً . فإلغاء هذه السيطرة مرهون بالتحول من نظام رأسمالي الديمقراطية فيه منتهكة بالتفاوتات الكبيرة بين الطبقات في توزيع الدخل والثروة ، إلي نظام اشتراكي يقيم العدل والمساواة ويفتح آفاق التنمية والمشاركة الديمقراطية أمام كل الناس .
وفي الختام ، نؤكد أن ظاهرة تكالب رجال الأعمال علي ميدان السياسة بسعيهم لمنصب الوزير أو النائب إنما ينم عن ضعف جوهري في تكوين الطبقة الرأسمالية المصرية. وهي ظاهرة قلما نجد لها نظيراً في الرأسماليات المتقدمة حيث يحرص رجال الأعمال هناك علي الحفاظ علي مسافة فاصلة بين عالم البيزنس وعالم السياسة ، ويقنعونه بالتأثير في عالم السياسة من خارجه ، وذلك لاطمئنانهم إلي أنه في مجتمع رأسمالي لن تكون هناك ندرة فيمن يمثلون مصالح رأس المال في الحكم من خارج دوائر البيزنس .
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة