يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1262 (18 - 25) يناير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

من تبوير الأرض .. لتبوير الأخلاق!

 
 

محمد فهمي

 

 
لم يكن المهندس الليثي .. هو الممثل الوحيد للشيخ زكي سند .. ولكنه كان الرجل الذي حمل لواء مدرسته في وزارة الزراعة .. فانشقت الأرض .. وابتلعت الحب!
أعجبني في التعديل الوزاري الأخير .. الطريقة المهذبة التي تعامل بها الوزراء الذين دخلوا .. مع الوزراء الذين خرجوا!
سمعنا كلمات الإشادة والاحترام المتبادل التي جرت علي ألسنة الذين دخلوا .. مدحا في الذين خرجوا .. مما ساهم في تلطيف الأمزجة الشعبية . وكاد الوزير الجديد يحتضن بمودة .. ويغني للوزير القديم:
حياتي أنت .. ما ليش غيرك .. وفايتني لمين؟!
هذه الطقوس جديدة علينا .. بعد الحرب التي أعلنها المهندس الليثي .. علي الدكتور يوسف والي .. منذ دخوله الوزارة وحتي خروجه منها .. ولم يكتب في سجله سوي هذه الحرب.
لم يحقق الوزير الليثي .. خلال حياته الوزارية .. سوي إنجاز واحد .. هو تشويه سمعة سابقه .. الأمر الذي يذكرنا بالشيخ زكي سند رحمه الله!!
كان الشيخ زكي سند يعمل مدرسا للغة العربية بمدرسة الآباء اليسوعيين .. ويسكن في حارة السقايين في حي الحنفي .. وأخذ علي عاتقه تحطيم أمير الشعراء أحمد شوقي .. ويدعي أنه يكتب له أشعاره .. وأنه أكثر منه علما .. وأدبا!!
تفرغ الشيخ زكي للهجوم علي شوقي .. ولم يتفرغ لكتابة الشعر .. وبالتالي بات نسيا منسيا..
نسي الناس الشيخ زكي سند .. بينما لا يزال اسم أحمد شوقي يتردد علي ألسنة الناس .. وفي المسابقات التي يعلن عنها التليفزيون في برنامج «البيت بيتك».
والسخيف في الموضوع .. أن في البلد ملايين من الشيخ زكي سند .. ليس لهم في الحياة من شاغل سوي ملاحقة الآخرين والتفنن في إلحاق الأذي بهم .. والتلذذ بتعذيبهم .. وإضاعة وقتهم في شن الحروب .. وضرب الناس في الأجزاء التي تقع تحت الأحزمة.
ولو شكل هؤلاء حزبا .. لأصبح أقوي أحزاب الشرق الأوسط .. ولأصبح المصدر الرئيسي الذي تعتمد عليه الصحف المأجورة في تلقي أنباء الفضائح .. والمخازي .. وما شابه ذلك.
والمهندس أحمد الليثي لم يكن الممثل الوحيد للشيخ زكي سند .. ولكنه الرجل الذي حمل لواء مدرسته .. في العامين الماضيين..
ولذلك فقد كانت الطقوس الجديدة .. في تعامل أعضاء الحكومة الجديدة .. مثار إعجاب الناس .. ولافتة لأنظارهم.
الناس استبشرت خيرا .. بالأخلاق الجديدة.
صحيح أن الوزراء الجدد .. لم يقدموا من الإنجازات ما يستحقون عليها الإطراء .. ولكنهم قدموا نوعا رفيعا من السلوكيات .. افتقدناه خلال السنوات الأخيرة.
قدموا نموذجا لما ينبغي أن يكون شائعا بين الناس من أخلاق.
بين الجار وجاره .. بين التلميذ ومعلمه .. بين الموظف وزميله .. بين الأطباء ومرضي التأمين الصحي .. بين الخطيب وخطيبته.
بين جموع المصريين
نحن في حاجة لتنشيط ذاكرة الأمة .. بما ينبغي أن تكون عليه الأخلاق بين الناس .. وأن نقدم لأبناء الجيل الجديد النماذج الطيبة في ظل أوضاع عجيبة .. سادت فيها ما كان يطلق عليه الدكتور طه حسين «مكر الصديق بالصديق، وكيد الزميل للزميل، وتوقع الشر من كل مصدر».
سادت مدرسة الشيخ زكي سند .. واختفي الحب العام من الشوارع دواوين الحكومة والمتاجر ووسائل المواصلات.
واختفت الزوجة التي كانت تستقبل زوجها بأغنية:
كل دقة في قلبي بتسلم عليك!
وحلت محلها الزوجة .. التي تنتمي لحزب الشيخ زكي سند .. وتردد نفس المفردات التي كان يستخدمها المهندس الليثي في تعامله مع العاملين في وزارة الزراعة!
لكل وظيفة دور اجتماعي يتعين علي من يشغلها القيام به؟
المدرس والناظر.. القاضي والمحامي، الطبيب والضابط .. والمجند ..إلخ
وكل مواطن هو «سفير» لوظيفته في الشارع .. وكلما ارتفع قدر الوظيفة ارتفعت مسئولية شاغلها في محيطه ومجتمعه.
ولذلك يصاب الناس بالدهشة عندما يخرج أرباب المناصب الكبيرة عن المألوف .. ويرتكبون الأعمال التي لا تتناسب مع قدر وظائفهم المرموقة .. وكأن كل واحد يعمل «دوبليرا» لشخص آخر .. شيمته «النصب».
وتزداد الدهشة .. عندما يتبني النظام الحاكم .. النماذج المهدرة للقيم الأخلاقية .. ويقربها منه .. ويحولها إلي نخبة حاكمة .. ومسرفة في الفساد .. يخاف الواحد في حضرتهم علي المكحل في عيون زوجته!
ليس لهم من عمل .. سوي نهب الأموال بلا عمل.
كل واحد أشبه بالدكاكين التي تتاجر في ألف صنف وصنف.. ابتداء من المسامير «المقلوظة» وحبال الغسيل .. وحتي الجزر الواقعة وسط نهر النيل من ملايين السنين..
وإذا فتح الواحد منهم دكانه .. غمرتك أبخرة الفساد .. وروائح العفن التي تعبر عن كل ألوان الانحرافات.
هي ليست .. مجرد دكاكين .. إنها متاحف
ولذلك .. فنحن لا نكذب عندما نقول إن تدهور القيم في المجتمع المصري لم يبدأ من القاع .. ومن الطبقات الدنيا .. ومن أرباب السجون .. وحانات الخلاعة .. وإنما بدأ من الأدوار العليا التي كان من المفروض أن تكون القدوة في ترقيع الثياب .. وارتداء النعال .. والسير في الشوارع بالأسمال البالية .. كي تقع عيون البسطاء من أمثالنا علي مشاهد بؤسها وتعاستها .. فنحمد الله علي ما نحن فيه، ونسارع بمنحها ثقتنا في الانتخابات النزيهة .. والصناديق الشفافة .. والإشراف القضائي الكامل .. ونصفق لها عندما تحاكم أيمن نور!
ولكن ذلك لا يحدث.
الناس تري فساد الذمم كل ساعة
وتري القيادات .. التي تمتلك متاحف الفساد .. وهي تقف في الطوابير الأمامية .. أثناء أداء الصلاة في المناسبات الرسمية التي ينقلها التليفزيون .. من باب رفع أسعار أدوية الضغط المرتفع.
تقف .. وتركع .. وتكذب علي الله سبحانه وتعالي.
أثناء الصلاة .. وقبل الصلاة .. وبعد الصلاة ..
والناس ليست «عبيطة» .. كما تتصور القيادة السياسية..
البسطاء يعرفون أسماء الذين يسرقون الدعم .. والذين يخربون الذمم .. والذين يتاجرون في اللحوم التي نستوردها من قبائل الهوتو والتوتسي.
ويعرفون تكاليف الرحلات الخارجية.
ويعرفون تفاصيل الفساد .. فوق القمة السياسية
ومع مرور السنين .. لم يعد العيب عيبا
بات العيب سلوكا محمودا
بات العيب شائعا!
بات شعبيا!
وكانت الحرب التي شنها وزير الزراعة السابق أحمد الليثي علي سابقه الدكتور يوسف والي .. هي النموذج .. لما وصلت إليه القيم الأخلاقية .. في الأدوار العليا .. من تدهور.
لقد استخدم وزير الزراعة السابق .. كل وسائل الإعلام .. المجانية والمدفوعة لتصفية حسابات في صراع القمة داخل الحزب السرمدي.
واقتضت هذه الحرب ألا يطرح الوزير الليثي اتهاماته ضد سلفه .. علي القيادة السياسية .. أو علي مجلس الوزراء .. أو حتي علي أمانة السياسات في الحزب السرمدي .. وإنما طرحها علي الرأي العام ..
علي البسطاء من أمثالنا .. الذين لا يملكون وسائل التحقق من صحة الاتهامات.
اتهامات مرسلة .. عرف القاصي والداني أنها تستهدف تصفية حسابات سياسية .. لا علاقة لها .. لا .. بالزراعة .. ولا بصحة الناس .
وكشف الأستاذ محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين في النشرة التي تحمل «نافذة مصر» بتاريخ 1/12/2005 .. سر الهجوم الذي شنه الليثي علي والي عندما قال:
.. لقد أريناهم الكم الهائل من قوتنا في التاريخ المصري من خلال المسيرات المؤيدة والتمويل الهائل الذي قد تبرع به الأخوة من أجل تمويل الحملات الانتخابية .. وها قد أتت ثمارها في السقوط المدوي ليوسف والي .. نائب رئيس الحزب الوطني .. وأقوي رموزه .. وعقله المفكر في الحقبة الماضية .. وفي مسقط رأسه .. وقد تم الإنفاق علي الحملة بالكامل من تبرعات الأخوة .. والتي وصلت إلي ستة عشر مليونا ومائتي ألف جنيه مصري .. ولا عجب أننا قد رصدنا مبلغ 10 ملايين جنيه لتمويل الحملة في هذه الدائرة لما تمثله من عقل مفكر للحزب الوطني خلال الحقبة الماضية وكصخرة حزبية في تاريخ إعاقة تقدمنا لفترة طويلة .. ولعل السقوط المدوي ليوسف والي .. دليل واضح لنجاح تحركنا خلال العام الماضي .. فقد كنا دائما علي ثقة في خيارات شعب الفيوم وولائه .. إلخ
انتهي كلام الأستاذ عاكف .. ومفهوم طبعا أنني لست طرفا في أي صراع بين الإخوان والحزب السرمدي أو أي تيارات سياسية أخري . وإنما سقت هذه التصريحات المهمة التي جاءت في نشرة «نافذة مصر» .. لأشير إلي أن الحرب التي شنها الليثي علي والي .. لم تكن من قبيل الدفاع عن صحة الناس وإنما كانت لحسابات أخري.
كل الأطراف الرسمية كانت تعلم أن الاتهامات كاذبة .. وملفقة .. وإنها تجري في إطار تصفية حسابات حزبية .. ولم يتكلم أحد!
بيد أن تأثير .. هذه السلوكيات المشينة .. بين أفراد الأدوار العليا في المجتمع قد ألقت بآثارها السلبية علي سكان الأدوار السفلي .. و«الناس إللي تحت» علي رأي نعمان عاشور.
لم يعد العيب عيبا.
بات شعبيا .. وصدقت الجملة التي قالها طه حسين .. منذ أكثر من 50 سنة وهي
مكر الصديق بالصديق .. وكيد الزميل بالزميل .. وتوقع الشر من كل مصدر!
وانشقت الأرض .. وابتلعت الحب.
جميع الوزراء في التشكيل الوزاري الأخير .. يستطيعون ممارسة مهامهم فورا .. إلا وزيراً واحداً اسمه .. أمين أباظة .. وزير الزراعة .
أمين أباظة أمامه مشكلة إزالة آثار الحرب التي شنها الليثي علي والي داخل أجهزة الوزارة.
لقد عانت أجهزة وزارة الزراعة .. ولا سيما مراكز بحوثها .. وأصبح كبار علماء الوزارة بين أيدي الوزير الليثي كالأيتام في يد الوصي ..
يتصرف بشأنهم كما يشاء .. بعد أن نالت الدسائس عددا كبيرا منهم .. باعتبارهم من «رجال والي».
وأسرع الذين يتعجلون الصعود إلي المقاعد الأمامية .. دون أن يستحقوا ذلك .. في النيل من القيادات القديمة باستخدام كل أساليب الدس ..
وراجت في وزارة الزراعة تجارة الهوي والتملق .. وكثرت حكايات الجحود .. والأنياب الناهشة لأجساد النخبة المصرية من علماء الزراعة.
وبلغت هذه الحرب الداخلية ذروتها عندما قامت مجموعة من العاملين في أحد المراكز البحثية بتحويل الأموال المخصصة لمشروع زراعي .. في تمويل المعارك الإعلامية .. لصحف بعينها.
وطاردت القرارات التي تتسم بالعصبية .. ألمع علماء الزراعة .. وصدرت قرارات التجميد والمطاردة .. وتشكيل اللجان الإشرافية .. إلخ
وترك العاملون في وزارة الزراعة .. أعمالهم .. وتفرغوا لمتابعة الحرب .. كما تفرغ أهالي مذبحة عزبة شمس الدين ببني مزار .. لمتابعة الضحايا.
الكل خائف..
والكل يتوقع أن يكون الضحية القادمة ..
والجاني مطلق السراح..
ولا أود هنا إلقاء اللوم كله علي الوزير الليثي .. وإنما ألقي اللوم الأكبر علي أصحاب الحل والربط في هذا البلد . ولو من باب الاحترام الحزبي .. داخل الحزب السرمدي ذاته .. لا سيما أن الهجوم كان يتناول أحد قيادات الحزب .. ويؤثر علي قضية حيوية .. هي قضية الزراعة ..
ولذلك نقول أن مهمة وزير الزراعة الجديد .. ليست سهلة .. وعليه أن يبدأ بتحرير العلماء الذين جمد الوزير الليثي الدماء في عروقهم .. انتقاما لحسابات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
أريد أن أقول إن المرحلة التي نمر بها تحتاج إلي مزيد من العناية بالجانب الأخلاقي من ممارسات سكان الأدوار العليا.
إنهم قدوة
والناس تقلدهم .. وعليهم مراعاة الأخلاق الحميدة .. ولو من باب وقاية أنفسهم من الاكتئاب وأمراض القلب وتصلب الشرايين.
وأتمني من الوزير الجديد أن يرحمنا من تجريف الأراضي .. وتجريف الأخلاق .. وندعو له بالتوفيق.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة