التجمع.. والانتخابات: حتي يكون النقد الذاتي مثمراً
المتضرر الأول من الاستخدام المكثف للدين في الانتخابات.. هو اليسار
د. وحيد عبد المجيد
بعث المفكر والكاتب الصحفي د. وحيد عبد المجيد بمقال
إلي «الأهالي» مرفق برسالة أوضح فيها أن الحوار حول أداء
حزب التجمع في الانتخابات هو حوار صحي، ولكنه يخشي الإفراط
في جلد الذات، وأثره علي الحزب الوحيد القادر علي القيام
بدور في مواجهة المد المتطرف الخطير الذي يحاول استغلال
الدين لأغراض سياسيا.
النقد الذاتي ضرورة حياة للأفراد كما للجماعات. كما أنه
شرط لاغني عنه للتقدم، وليس فقط لمعالجة الأخطاء وحل
المشكلات. وهو، بهذا المعني، لازم للأحزاب السياسية لزومه
لمختلف المؤسسات في مجتمعنا كما في غيره من المجتمعات.
ولذلك أحسن حزب التجمع صنعاً عندما بدأ مناقشة أدائه في
الانتخابات البرلمانية الأخيرة. وتشهد هذه المناقشة، التي
لم يحدث مثلها في حزب آخر إلا الحزب الناصري، موجات عالية
من النقد الذاتي. ولكن هذا النقد بكل ايجابياته قد لا يخلو
من بعض سلبيات إذا حدث إفراط شديد فيه علي نحو يجعله جلداً
للذات، أو إذا لم يأخذ في الحسبان مختلف جوانب وأبعاد
الموقف الذي يحتاج إلي تصحيح.
ويحدث شيء من ذلك في حزب التجمع الآن. وهنا تقع المفارقة
لأن أوضاعه هي الأفضل بين أحزاب المعارضة جميعها أداءً
وتنظيماً، فضلاً عن أنه الأكثر ديمقراطية في داخله.
وربما لا يشعر كثير من أعضاء التجمع بذلك لأنهم لا يعرفون
ما يحدث في داخل أحزاب أخري مصرية وعربية يخنقها تسلط
رؤسائها. فهو الحزب الوحيد في مصر، وفي العالم العربي
عموماً، الذي وضع مؤتمره العام نصاً في لائحته الداخلية
يحظر علي القيادات الحزبية البقاء في مواقعها لأكثر من
دورتين (المادة الثامنة في المؤتمر العام الذي عُقد سنة
1993) ثم طبق هذه المادة علي كل من انطبقت عليه وفي
مقدمتهم الأستاذ خالد محيي الدين بالرغم من أنه يحظي
بتوافق وطني عليه يتجاوز التجمع وقوي اليسار عموماً.
وربما يكون الإفراط في النقد الذاتي ناجماً عن شعور
المنتقدين بأن أوضاعه يمكن أن تكون أفضل حتي إذا كانت هي
الأفضل الآن مقارنة بغيره من الأحزاب. وعموماً فإن الإفراط
في النقد الذاتي خير من غيابه. فالجدل الذي يشهده التجمع
يؤكد أنه أكثر حيوية من أحزاب أخري. غير أن ما ينبغي
الالتفات إليه في جدل يركز علي أداء الحزب في الانتخابات
الأخيرة هو طبيعة هذه الانتخابات وسماتها المحددة. فالسؤال
الذي لا يصح أن يغيب هنا هو: هل يجوز تحديد أوزان سياسية
وحزبية حقيقية عبر انتخابات لم يكن فيها من السياسة إلا
رائحتها علي الأكثر؟ وهل يمكن إصدار حكم علي أداء حزب
سياسي بموجب انتخابات لم يكن للسياسة والبرامج والمواقف
السياسية والاجتماعية إلا أثر محدود في التنافس الذي
شهدته؟
لقد كانت السياسة في هذه الانتخابات بمثابة قشرة رقيقة علي
السطح. فإذا هبطنا قليلاً تحت هذا السطح يمكن أن نجد كل
شيء إلا السياسة. فلم يدل معظم الناخبين الذين ذهبوا إلي
لجان الانتخابات بأصواتهم علي أساس سياسي أو حزبي، وإنما
اختاروا علي أساس انتماءات دينية- طائفية أو جغرافية-
مناطقية (ابن القرية أو المنطقة) أو اجتماعية- خدماتية.
وفي مثل هذه الانتخابات فقط، يجوز أن يذهب ناخبون معظمهم
من الفئات الاجتماعية الدنيا والهامشية إلي صناديق
الاقتراع دون أن تعنيهم الانحيازات السياسية والاجتماعية
للمرشحين... ولذلك وجدنا ناخبين فقراء في غالبيتهم يسقطون
المرشحين الأكثر انحيازاً إليهم سواء بالمعني الاجتماعي
الذي يمثله اليسار وفي القلب منه حزب التجمع، أو بالمعني
السياسي الذي يمثله ليبراليون يؤمنون بالحد الأدني
الاجتماعي.
وعندما تكون الانتماءات الأولية التي يولد الإنسان بها
(الدين والعائلة أو العشيرة والقرية أو المنطقة) هي الأكثر
تأثيراً علي القطاع الأوسع من الناخبين، يصعب الارتكاز علي
نتائج الانتخابات لتحديد الأوزان السياسية والحزبية.
فالانتخابات التي تحدد مثل هذه الأوزان هي التي يكون فيها
دور معتبر للانتماءات الحديثة التي يختارها الإنسان بعقله
وحسب مصالحه، وفي مقدمتها الانتماء إلي الحزب السياسي
والنقابة ومنظمات المجتمع المدني.
لقد تعاظم دور الانتماء الديني في الانتخابات الأخيرة، بعد
أكثر من ثلاثة عقود علي التباعد المتزايد بين المسلمين
والأقباط علي الصعيد المجتمعي. ولذلك جاء مجلس الشعب
الجديد خالياً تقريباً من الأقباط. فلم يفز إلا قبطي واحد.
وقد فاز لأنه وزير، ووزير مهم، وقفت وراءه الدولة بكل
ثقلها أو بما بقي لديها من ثقل، وليس لأنه قبطي. ووفرت
موجة التدين الشكلي الطقوسي التي انتشرت في المجتمع أرضية
ملائمة لمرشحين رفعوا شعار (الإسلام هو الحل) دون أن
يقدموا حلاً واحداً لأي مشكلة, واستخدموا الدين استخداماً
كثيفاً مخالفاً للقانون، بل مناقضاً له فلسفة ونصوصاً. ولم
تطبق السلطة المعنية القانون الذي يمنع مثل هذا الاستخدام
الفج للدين في الانتخابات حرصاً علي قدسيته وجلاله وليس
فقط من أجل إجراء انتخابات يتوفر فيها حد أدني من التنافس
الحر بين المرشحين.
ومن الطبيعي أن يكون مرشح اليسار هو المتضرر الأول من هذا
الاستخدام الكثيف للدين في الانتخابات، خصوصاً أن مستخدمي
الدين ركزوا حملاتهم ضده في المقام الأول حتي في بعض
الدوائر التي لم يكن فيها مرشحون لهم. وقد حدث ذلك مثلاً
مع مرشح التجمع أحمد سليمان الذي تعرض لحملة ضارية يزعم
منظموها أنه (لا يصلي وليس متديناً)! بالرغم من عدم وجود
مرشح أصولي في مواجهته.
وعندما يكون لمثل هذه المزاعم أثر يتجاوز حدود معنية، يصبح
من الصعب الاستناد علي نتائج الانتخابات لترتيب الأوزان
السياسية.
وفي انتخابات 2005 لم يكن تدخل بعض أجهزة الدولة هو القيد
الوحيد علي حرية الانتخابات، وإنما الاستخدام الواسع
للدين. وفي مجتمع يقل فيه مستوي الوعي السياسي، يصبح من
الصعب أن يكون المعيار الوحيد لتقويم الأداء هو نتائج
انتخابات عجز فيها عدد غير قليل عن الناخبين من الوصول إلي
لجان الانتخاب بالرغم من رغبتهم في الإدلاء بأصواتهم،
وتعرض مثلهم وأكثر لتدليس يكفي لإبطال أصواتهم عندما قيل
للواحد منهم إن انتخابه مرشح (الإسلام هو الحل) يعني
انتخاب الإسلام أو انتخاب الله ورسوله عليه الصلاة
والسلام!
وفضلاً عن الأثر الطاغي للانتماء الديني والدور المتزايد
للدين والاستغلال الكثيف له، تواصل دور الانتماء العائلي
والعشائري بالرغم من تفكك كثير من العائلات الكبري نتيجة
التغيير الاجتماعي والاقتصادي. غير أن صعود دور الانتماءات
المناطقية جعلها أكثر أهمية في الدوائر الريفية، حيث أصبحت
القرية، أو قريتان متجاورتان أو أكثر أحياناً، كتلة
انتخابية واحدة في كثير من الأحيان.
ولولا ذلك، ما سهل توقع اتجاهات تصويت كل منطقة مسبقاً.
وهذا هو ما أتاح غلق قري وبلدان معينة أو فرض حصار مشدد
عليها سعياً إلي التأثير في نتائج الانتخابات. ولم يعد
المراسلون الأجانب يستغربون ذلك، بخلاف ما كان عليه الحال
عندما حدث شيء من ذلك في انتخابات 2000. فقد باتوا يعرفون
أن الانتماء المناطقي يحدد اتجاه التصويت في غير قليل من
الأحيان. ويعني ذلك أن المرشح يأخذ ناخبين معه في منطقته
إلي صناديق الاقتراع. والانتخابات التي يحشد فيها الناخبون
علي هذا النحو أو علي أساس انتماءات أولية منبتة الصلة
غالباً بالسياسة، ليست هي الانتخابات التي تقاس أوزان
الأحزاب والقوي السياسية وفق نتائجها وحدها. ولا يقل أهمية
عن ذلك اقتران تضاؤل المكون السياسي في الانتخابات، بسبب
طغيان الانتماءات الأولية، بتعاظم المكون الاقتصادي أو دور
المال فيها. فقد ازداد الميل إلي شراء وبيع الأصوات
بمعدلات كبيرة، سواء الشراء المنظم بأساليب مختلفة قبل
الانتخابات أو الشراء العشوائي في يوم الاقتراع نفسه.
ولذلك كله، أشفق علي حزب التجمع من جلد للذات يجري خلاله
الاعتماد علي هذه الانتخابات معياراً وحيداً لقياس الأداء
الحزبي. ولا يعني ذلك أنه لم يحدث تقصير ينبغي مناقشة
أبعاده الحقيقية. وربما يكون أحد هذه الأبعاد هو عدم
الانتباه بدرجة كافية إلي تراجع المكون السياسي في
الانتخابات والذي كان محدوداً من الأصل. فقد ظهر ابتداء من
انتخابات 1995 أن هذا المكون آخذ في التراجع. وكان ينبغي
الاستعداد لهذا التطور السلبي عبر تبني أساليب جديدة في
أعداد المرشحين واختيار مرشحين قادرين علي خوض انتخابات لا
أثر يذكر للسياسة فيها. وهذه مهمة شاقة علي حزب يساري يؤمن
بأن دوره هو رفع مستوي وعي الناس، وليس خفض مستوي مرشحيه
ليكونوا قادرين علي خوض الانتخابات.
ومع ذلك قد يستطيع التجمع أن يستفيد من أساليب العمل
الاجتماعي القاعدي GRASS ROATS في الإعداد للانتخابات
المقبلة. ففي بعض هذه الأساليب ما يتيح كسب ثقة أعداد
متزايدة من الناخبين المهمشين محدودي الوعي وأحياناً
مسلوبي العقل عبر وسائل غير سياسية، ولكنها ليست علي طرف
نقيض عن السياسة. غير أن هذا العمل يحتاج إلي فترة ممتدة
من الزمن، وبالتالي إلي الإعداد للانتخابات 2010 بدءاً من
اليوم وليس غداً.