لست أعني بالانبطاح انبطاح المقاتلين في ميادين القتال،
ولا انبطاح المتجنبين لشظايا القنابل والمتفجرات في
العمليات الإرهابية أو أعمال العنف بعامة، فذلك واجب سديد
يتفق مع الأصول التي تتغيا وقاية المنبطح من الشظايا
المتناثرة من المتفجرات والقنابل، أو بارود القذائف، أو
مقذوفات الرصاص التي نادراً ما تقترب من سطح الأرض، فيكون
الانبطاح تصرفا واجبا لا جبن ولا عار ولا دهشة فيه، ولا
تثريب عليه .. بل هو الصواب الذي يعرفه المقاتلون ويدركه
الملمون بأخطار دوائر النار والشظايا المترتبة علي كل
انفجار!
ولست أعني بالانبطاح انبطاح الشواذ غير الأسوياء، بل ولست
أعني بالانبطاح الرمز الذي عناه العبقري يوسف إدريس في
قصته: «أنا سلطان هذا الوجود»، حين لمس أن الأسد الذي هاجم
مروضه قد لمح في لحظة أن البطل المروض قد تحول إلي موظف
ففقد هيمنته ومكانته، فتجرأ الأسد هاجماً عليه لينال منه!
.. الرمز والمقصود والمرام في القصة واضح، ولكنه أكثر
مرارة وقسوة في قصته التي تكاد تكون مجهولة: «أبو الرجال»
.. نشرها يوسف إدريس في مجلة أكتوبر في أعقاب النكسة، ثم
أعيد نشرها في كمية محدودة من مجموعة، ولم يلتفت إليها أحد
أو لم يلتفت بالقدر الكافي، فالرمز في هذه القصة القصيرة
«أبو الرجال» عميق ومر وموجع، تستطيع أن تحصد معناه حين
تتأمل في مقدمات «أبو الرجال» بطل القصة: «مواصفاته، وعمره
المحدد بعناية، ووضعه الهائل وسط التابعين، يوردها المؤلف
بعناية مقصودة لينتقل منها ومن صورة البطل «أبو الرجال»،
إلي المشاعر الغربية التي أخذت تتسلل إليه ويستغربها بعد
نكسته، ورغبته الدفينة غير المفهومة في أن ينادي علي
«الثور» بالذات، وهو أحد أتباعه، والرمز في اختيار لقب
«الثور» مقصود، لتنتهي القصة، حتي لا أطيل عليك - بأن
ينتاب «أبو الرجال» إعصار يجعله يسلم نفسه مع تداعيات
طويلة للثور الذي لم يصدق نفسه أنه فوق «أبو الرجال»!!
بل لست أقصد بالانبطاح كل من يخالف في الرأي، فأنا من
المؤمنين حتي النخاع - بمقولة فولتير: «قد أختلف معك في
الرأي، ولكني علي استعداد لأن أدفع حياتي ثمناً لحقك في
التعبير عن رأيك» .. أصحاب الرأي الحقيقي، مهما اشتط
واختلف، لا ينبطحون! .. لأنهم ينطقون بما به يقتنعون،
ويبدون ما يرون فيه السداد ولاصواب بغض النظر عن رأي
الآخرين .. لا يعيبهم أن يختلف معهم الناس أو تحاربهم
الدنيا ما داموا علي معتقدهم لا يفارقون .. أذكر وأنا
أتابعهم بإعجاب، حديث رسول القرآن عليه السلام: «لا يكن
أحدكم إمعة، يقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن
أساءوا أسأت، وإنما وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا،
وإن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم!!».
إن الوطن تواجهه قضايا كبري بالغة الأهمية والتعقيد والدقة
والحساسية يحتاج التعامل معها إلي كل الكفاءات المصرية
بعقلها وعلمها .. وصدقها وإخلاصها .. وكارثة كبري علي
الوطن أن تتراجع هذه الكفاءات عن إبداء حقيقة رأيها
ومعتقداتها وما لديها طلبا للزلفي أو إيثارا «للسلامة» أو
تطلعا إلي غنائم هي مهما كبرت صغيرة رخيصة!.
وظني أن كل البلاء الذي أصاب ويصيب بلادنا يأتي من
المنبطحين نفاقاً ورياءً وطلباً للرضا والزلفي واستهدافاً
للمصالح القصرية التي لا تدرك أن المكاسب الصغيرة ربما
تحولت في النهاية إلي خسارة هائلة!.. هذا الانبطاح الذي
يذكرنا بغناء سيد درويش لكلمات بديع خيري: علشان ما نعلي
ونعلي ونعلي، لازم نطاطي نطاطي نطاطي! . الذين أعنيهم
بالانبطاح رجال، أو كالرجال، بعضهم لديه العلم، وبعضهم
لديه المال، وبعضهم لديه الأصل والحسب والنسب، وبعضهم لديه
المكانة في عيون الناس ، ولكنهم لا «وقار» لهم! .. الوقار
احترام عميق للنفس، واحترام النفس ينهي الإنسان عن التردي
فيما لا يليق به، ويرده عن أن يكون «مسخرة» في عين نفسه
وفي عيون الناس، حتي لو تملقوه طلبا لرضاه ورضا الراضين
عنه!! .. كم كانت كلمات العقاد: «إني أحرص علي احترامي
لنفسي قبل أن أحرص علي احترام الناس لي» .. احترام الآخرين
قد يكون انخداعاً، وقد يكون نفاقاً ورياءً ووصولية، ولكن
البوصلة التي لا تخطئ هي رؤية الآدمي لنفسه، هل هو جدير
حقاً - أو غير جدير! - بالاحترام؟ .. وهو أعرف بذلك من
سواه، فلن يغنيه عوار أو حول أو عمي أو مآرب وأغراض الناس
.. الآدمي أعرف بنفسه، وهو حين يعرف أنه غير جدير
بالاحترام، فلن يغنيه نفاق ورياء ووصولية الناس مهما
كثروا، لأنه أعلم بحاله منهم!، أو علي حد أثيرة العقاد:
«إذا أحبك الناس مخدوعين فلا تفرح، وإذا كرهك الناس
مخدوعين فلا تحزن، بعض الكراهات خير لك من بعض المحبات»!!!
حين انتفضت ثورة يوليو 1952 كنت في الرابعة عشرة، لا يزال
الخضار مالئاً صفحة وجدان جيلنا، أقبلنا علي الثورة بحب
واقتناع، وتدافعنا للانتظام في هيئة التحرير، وملأتنا
المشاريع الصغيرة أملاً كبيراً في غد أكثر إشراقاً .. حتي
المشروع الذي تبناه الرئيس محمد نجيب بزراعة خمسين أو مائة
شجرة في كل بلدة، بدا لنا الدنيا بأسرها وملأنا حماساً
وأملاً .. لم ندرك وقتها أن الانقضاض علي الثورة البكر
سيأتي من هواة الانبطاح! .. المؤسف أن الشرر قد جاء من
«الصفوة» التي تملك العقل والمعرفة والثقافة، ومنها للأسف
جاء هواة الانبطاح! .. هواة الانبطاح الذين أدمنوه وشكلوا
جيلاً وراء جيل ممن أطلق عليهم كاتبنا الفذ أحمد بهاء
الدين: «ترزية القوانين» .. مخاطر تفصيل وتطريز القوانين
علي الهوي أخطر من إهدار أو عدم احترام القانون القائم،
فالقانون القائم مهما طال إهداره أو تجاهله مآله يوماً -
قريباً أو بعيداً - إلي الاحترام والإعمال، أما العبث في
التشريع بالتفصيل والتطريز علي الهوي والمقاس المطلوب، فهو
كارثة بالغة الخطر، ليس فقط لأن العبء سوف يصير عبئين إذا
أردنا الخلاص من وهدة هذا التطريز: عبء إصلاح الخطأ
المفروض بشوكة الحكم، وعبء إعادة السواء إلي التشريع الذي
أدركه التطريز (؟!)، وإنما أيضاً لأنه تتوالد أوضاع ومصالح
وعادات وأعراف حول التشريع المفصل علي الهوي فتشكل درقة
صعبة الاختراق، ثم هي تتدني بعزائم وصدق الرجال، وتشيع
التسابق إلي الانبطاح، لأن المنبطح ينال من نعيم الأغراض
والمآرب بالزلفي ما لا يناله بالصدق أصحاب القامات
والكرامات!!..
يجلب اليأس والإحباط مشاهد الرجال الذين ينبطحون عامدين
منافقين في سياسة التشريع في بلادنا .. يصاب المراقب
بالقرف والازدراء وهو يتابع كبار رجال وعلماء القانون
يغالطون في أبسط وأظهر مبادئ القانون، لأن هذا هو المراد!
.. المراقب يعتريه الاحتقار حين يعجز الرجال المنبطحون! -
عن أن يصوتوا عند أخذ الرأي بما يعتقدون، وكم من مشاهد
تنشق لها الصدور تَبَدَّي فيها كبار صغار وهم يغالطون
ويمارسون البهلوانيات لإساغة ما لا يسوغ، والمصيبة أنهم
يعرفون، ويظنون بمنطق النعام أن أحداً لا يري انبطاحهم أو
يلاحظ بهلوانياتهم، ثم تراهم رغم هذا يمشون تيهاً وخيلاء
في الأفراح وفي الجنازات وفي سرادقات العزاء .. لا يعظهم
حتي الموت الذي يعظ كل عاقل بأن مآله إلي حفرة يلقي فيها
فيطويه الثري بكل ما كان معه من أبهة وفخامة وأمجاد!..
لا يوجد في مصر مشكلة أو أزمة في العلم أو قصور في العقول
.. مصر غنية بأرباب العلم كما هي غنية بأصحاب العقل، ولكن
تأتي المشكلة من الخوف أو النفاق أو الرياء الذي يحبس
المعتقد الحقيقي لدي الخائف والمتملق فيبدي سواه! .. لا
ينطق هذا الناطق بالضرورة بمفرزات علمه وحصاد أو هداية
عقله، وإنما يؤثر إبداء ما يراد! .. هذا الانحراف يوظف
العلم والعقول والملكات للمجاراة أو التزيين، لا للبحث
والفحص والتأمل والمناقشة والحوار! .. أمثال هؤلاء -وقد
باتوا كثيرين - يصدرون كالجوقة علي نغم واحد هو المراد أو
المظنون أنه المراد! .. لا يعنيهم أن يخطئوا فهم المطلوب،
فحسبهم أنهم أبدوا أنهم علي الخط سائرون! .. ولا بأس بعد
ذلك من التصحيح أو التغيير أو التبديل أو النكول فور تلقي
الإشارة بحقيقة المراد الذي أخطأوه!
ما الذي يجعل قامات عالية لها السن والعلم والمكانة، تنبطح
وتقبل ما لا يقبله كريم؟! .. لماذا هذا التراجع والتقزم
والانبطاح، وماذا يطلب هؤلاء من دنيا الناس بعد أن نالوا
ما نالوه؟!! .. وهل الحصيف من يختم حياته كبيرا، أو أكبر
مما كان إن استطاع، أم من يترك وقار الكبار ومكانة الكبار
ليرتضي - منبطحاً - دور الكومبارس الهزيل بلا ثمن يطمح أو
يرنو إليه العقلاء؟!.
الانبطاح المدفوع بالتحسب أو الخوف أو النفاق أو الرياء أو
المداهنة، يفقد الأمة معظم طاقتها البشرية، وهي ثروتها
الحقيقية غير القابلة - إذا استقامت! - للضياع أو الإهدار!
.. فالمال يذهب ويجيء، والثروات تتكون وتتبدد، والأرصدة
المادية مهما علت تستنفد، ولكن الطاقة البشرية هي الذخيرة
الحقيقية للأمم .. هذه الذخيرة تكون هدراً بلا قيمة إذا
انطوي أفرادها خوفاً وتحسباً، أو أبدوا غير ما يقتنعون به
رياءً ونفاقاً ومداهنة .. حينئذ يتحكم في مسار الأمم،
ونظمة الدول، عقول غير عقولها الحقيقية، ويسير سفنها آراء
ملفقة غير آرائها الحقيقية، بينما قيمة أي مسار في أي
اتجاه، مرهونة بقوة الريح وباتجاهها الصحيح .. فإن فقدت
القوة ماهت وتعرضت للانهيار، وإن فقدت الاتجاه ضلت! .. لا
يمكن لأمة أن تكون معبرة عن إرادتها الحقيقية إذا داهن
أفراد الأغلبية العددية، وتخلوا عن أهم ما يتوجب علي كل
منهم إزاء أمته ودولته .. وهو صدق الرأي الذي يعبر عن
التوجه الحقيقي الداخلي الذي تدركه النفس في حناياها حين
تخلو إلي نفسها بعيداً عن حسابات المصالح الصغيرة أو
الكبيرة، وبعيداً عن توجسات المخاوف، وبعيداً عن الزلفي
وطلب الرضاء مهما دفعت فيه!!.
قد يتوهم المنبطح أنه يدفع من رصيد غير رصيده، ومن مال غير
ماله، ومن مصير غير مصيره الشخصي .. وقد يكون هذا صحيحا في
ظاهره، ولكنه خادع وقاتل ومدمر في باطنه .. لا ينجو من
دماره الساحب «المنبطح» من الرصيد، ليس فقط لأن ما يعيب أو
يصيب المجموع يعيبه ويصيبه، ولكن لأنه أيضا ينحر من رصيده
الشخصي .. يفقد احترامه لنفسه حتي وإن صالحته الدنيا
وأمدته بالرضا أهازيج الرياء أو نفحات الرضا، ويفقد احترام
الناس .. فبوصلتهم في النهاية صادقة، تري جواهر الأشياء
مهما طال الزمن، وتدرك ما عساه يكون قد فاتها مع زحام
وضجيج الأحداث وأنفاس المواقع والمعارك الحقيقية
والوهمية!.
مثل هؤلاء الذين فرطوا فيما عليهم تتحول أواخر أيامهم إلي
صحراء قاحلة مجدبة .. مهما طال بهم الزمن، فسوف تمضي سنوات
العمر، وسوف تتواري أيام الوهج، وسوف تزول المناصب،
ويتباعد النفوذ، وينفض السامر! .. هنالك لا يغني الإنسان
في وحدته إلاّ داخله، وما به تحدثه نفسه، ورصيده الحقيقي
الذي كونه عبر الأيام بالصدق والإخلاص والوقار والتجرد
والهمة والعزم .. بغير ذلك يكون الرصيد كالسكاكين تمزق
أحشاء وحنايا من انفض عنه السامر حين يري أنه دفع من
كرامته ومن احترامه لنفسه يوم قدمها أو باعها رخيصة يظن
أنه يواري بالانبطاح ما فيها رخص وضعة ومفارقة للاحترام
والوقار!..
أحسب أن الأزمة التي نعيشها هي أزمتنا نحن، أزمة الكبار
الذين صغروا أو تصاغروا وركعوا، أزمة المتسابقين علي توافه
الأمور وسراب الأوهام، أزمة الذين تراجعوا عن دورهم الواجب
ودخلوا في تسابق حول المنافع والإقطاعيات والمواقع ..
أزمتنا الحقيقية في شيوع الانبطاح الذي جعل القامات
العالية تتضاءل وتصغر، وسوغ للإمعات أن يتعالوا إلي ما لا
تتسع إليه إمكاناتهم ولا خصالهم ولا معارفهم .. أحسب أن
الأزمة أزمة عامة بالغة الخطر علي مصر التي أهانها رجالها
وفرطوا تفريطاً ممضاً في حقها عليهم!! أري المستقبل ظلاماً
حالك السواد، لا لأن أحداً يريد بطموحه غير المقبول ما لا
نريد، وإنما لأن العيب فينا، أو كما قال الشاعر:
«نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا!!»