يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1262 (18 - 25) يناير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

ذكريات من معسكرات إعتقال

 
 

نبيل فرج

 

  تعرض أخي ألفريد فرج في حياته الأدبية لمحن عديدة كان أقساها علي نفسه وعلي أسرته اعتقاله أربع سنوات، من مارس 1959 إلي فبراير1963 تنقل خلالها بين سجون ومعتقلات قلعة صلاح الدين بالقاهرة، والعزب بالفيوم، وأوردي ليمان أبو زعبل، والواحات الخارجة ..
هذا الاعتقال الذي وقع بأمر صادر من رئيس الجمهورية كان إجراء متعسفا بكل المقاييس يسيء إساءة بالغة لأي نظام، لم يشأ ألفريد فرج أن يكتب عنه.
ولزم الصمت أكثر من ثلاثين سنة، سبع سنين منها في ظل الناصرية التي تتحمل وحدها مسئولية هذا الخروج السافر علي كل الشرائع والقوانين والأعراف وقد يرجع إرجاء الكتابة في هذه الفترة إلي أن النظام الناصري ما كان سيقبل أو يسمح بأن تنشر عنه هذه الصفحات التي تتناقض مع أبسط حقوق الفرد والمجتمع، مهما خفف الكاتب من وطأتها.
ولا أظن أيضا أن ألفريد فرج كان يقبل أن يلحق بثورة 1952 من جانبه ما ينال منها، وهي تمضي في خطواتها نحو التحرر الوطني والقومي، أو أن يصدر عنه ما يشوه صورة جمال عبد الناصر ودوره الوطني والقومي في بناء الأمة - بالحديث عن هذه الوصمة التي تجيز لرئيس الدولة اعتقال من يشاء من الأشخاص بلا اتهام وبلا تحقيق وبلا دفاع يكفل الحماية لهم ضد الادعاء، ثم يوجد في بطانة الحكم من يستطيع أن يشطب من قوائم الاعتقال من يشاء من الأسماء ويستبقي من يشاء، كما روي رجاء النقاش في إحدي مقالاته التي يذكر فيها أنه قيل له أن كتاباته عن نجيب محفوظ أنقذته من الاعتقال بشطب اسمه من هذه القوائم!
ذلك أن كثيرا من المفكرين والمثقفين يرون في تعارض هذا الإجراء مع كل المواثيق الإنسانية ما يقوض البناء كله من الأساس، فضلا عما ينتج عنه من السلبية والاغتراب لأنه يقوم علي معاداة الحرية وغيبة الديمقراطية التي تنفي منظمات المجتمع المدني المستقلة، أو تخضعها للرقابة المستمرة في وطن يملك ميراثا لا يضارع من الليبرالية!
وكما أنه لا يوجد قضاء عادل ونزيه في دولة محتلة، فإن كل الإنجازات تفقد قيمتها حين يفقد الحكم شرعيته.
ولم يكن ألفريد فرج يرضي مقايضة الحرية والديمقراطية بأي مكتسبات.
أما في عهد السادات الذي أشعل فتيل الهجوم علي العهد الناصري بأسره، ونعته بأسوأ النعوت تدعيما للتحولات السياسية والاجتماعية التي تحولت عن كل إيجابيات ومكاسب الثورة في الاستقلال والتنمية وعدم رد الاعتبار لحريات التفكير والتعبير، فكانت خشية ألفريد فرج من الكتابة أو من الحديث عن هذه التجربة المريرة المرتبطة بتاريخنا السياسي والثقافي في هذا التوقيت أكبر مما كان عليه من قبل خوفا من أن يجد نفسه طائعا ضمن كورس تشويه الصورة الباقية للناصرية، ومسايرا لتوجهاتها، رغم عدم توافقه مع النظامين ونقده المعروف في جميع أعماله للحكم المطلق، ودعوته للدولة المدنية الحديثة، التي يشعر كل فرد فيها بالعدل والحرية، والأمان.
ثم شغلت ألفريد فرج عن الكتابة عن هذه التجربة في الثمانينيات الغربة الطويلة في المنافي العربية والأوروبية، بحثا عن فسحة الحرية المفقودة في بلاده وكانت محطته الأولي في هذه الغربة الجزائر التي لم يكن حكمها العسكري يختلف عن الحكم في مصر، وفي التسعينيات شغلته محنة المرض، وإجراء عملية القلب المفتوح في 1992 و1994 «تغيير الشرايين والصمام» إضافة إلي استغراقه في كتابة عدد من المسرحيات استكمالا لمسيرته التي حققت له أبعد الأثر في المسرح العربي منذ نشأته في منتصف القرن التاسع عشر، وخوضه المعارك مع الأجهزة البيروقراطية لتصحيح وضع المؤلفين في تعاملهم مع هذه الأجهزة وإنتاج أعماله علي المسرح.
وهناك أيضا الكتابة المنتظمة في «الأهرام» التي يمكن القول إنه لم ينقطع عنها أسبوعا واحدا منذ تعيينه كاتبا متفرغا في «الأهرام» في 1995 حتي مرضه الأخير الذي تفاقم بسرعة، وأدي إلي وفاته في الثالث من ديسمبر 2005 بعد شهور قليلة من بداية المرض غير أنه قبل نهاية التسعينيات عقد العزم علي تسجيل تجربته للتاريخ، وفي خلوته في لندن عكف علي كتابتها بعد أن طال تأجيلها، كيلا تضيع في النسيان، وتضيع معها رؤيته للعلاقة بين هذا الاعتقال وبين مسرحيته «سقوط فرعون» 1957، التي كانت من أسباب هذا الاعتقال، لأنها كشفت التناقض في ثورة 1952 بين الحكم والشعارات أو بين السلطة والرسالة، وهي في الحقيقة تصور المفارقة الدائمة في عالمنا بين الواقع والحلم، أو بين القوة المسلحة والفضيلة العزلاء كما تمثلت في حياة إخناتون في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، الذي أراد أن ينهض ببلاده، وينشر في ربوعها ألوية الخير والسلام، فخر بها وضيع مجدها، وجلب عليها النكبات.
كما كان من أهم خواطر كتابة هذه التجربة ذكر وقائع تأليف مسرحيته الأثيرة «حلاق بغداد» داخل المعتقل في 1962، وإعداد هيكل كتابة «دليل المتفرج الذكي إلي المسرح» الذي وضع بعض مواده في المعتقل، وصدر بعد الإفراج عنه في «كتاب الهلال» عدد فبراير 1966، متضمنا مفاهيمه الأساسية عن فن المسرح الذي يراه مرآة تعكس أبعاد الواقع وحياة الناس والوجدان العام في الزمان والمكان، ويتجه إلي التاريخ والتراث لمعالجة قضايا العصر، في إطار الأصالة والهوية التي تتجلي في الفنون الشعبية والبدائية شبه المسرحية.
واختار ألفريد فرج لنشر ما كتبه عن تجربة الاعتقال إحدي المجلات المحدودة التوزيع في مصر، حتي لا تستغل - كما أشرت - كما كان متوقعا أن يحدث فيما لو نشرت علي نطاق واسع في دورية ذائعة في القاهرة.
ولنفس هذا السبب لم تصدر في كتاب والحق أني لا أعرف بدقة حسابات ألفريد فرج العديدة، فقد كان كتوما بطبعه، يبدو هادئا في مظهره، لكنه جياش الأعماق، لا يفصح عن ذاته، ويقتصد في ذكر ما يتصل به، إلا في الحد الأدني من التعبير، حين تكون هناك ضرورة لا معدي عنها.
وكان لديه من الثقة بالنفس ما يغنيه عن التعرض مع أحد لشئونه الخاصة.
لهذا فإن ما أذكره من تفسيرات عن هذا النص هو اجتهادي الشخصي.
ولعل هذا الاجتهاد يكون أقرب إلي الحقيقة، إن لم يكن الحقيقة الكاملة، اعتمدت فيه علي حواراتي معه، وكثير من هذه الحوارات نشر في الدوريات الصحفية، كما اعتمدت علي المراسلات التي تبادلناها منذ كنت في الإسكندرية في الخمسينيات والستينيات، وعلي متابعتي الدائمة له ولكتاباته في سياق الظروف المتناقضة التي أحاطت به في حياته من البداية إلي النهاية، دون أن تحول بينه وبين أهدافه الفنية في تجديد الإبداع، أو تمس غاياته الفكرية، تعرية الفساد بجماليات الفن، ونقد كل أشكال الظلم والاستبداد، والتنديد بالسلوك المعوج علي كل المستويات، بهدف تنوير الجمهور، وتصحيح الأوضاع وإصلاح العالم.
وفي ضوء هذه المعرفة التي أتيحت لي يستطيع القارئ أن يلاحظ أن ألفريد فرج كان حريصا في تناوله لهذه التجربة علي الوصف الموضوعي المحايد، وعلي طرح الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، وعلي التلميح من بعيد بالدلالة الكلية للمشاهد والأحداث، لا بالدلالة الجزئية الصريحة.
واتخذ من مفارقة تكريم الدولة له، الذي ختم به فصوله ما يكشف كل الأبعاد المضمرة التي تردت فيها السلطة.
والآن، بعد أن انتهت إلي رحمة الله حياة ألفريد فرج «1929 - 2005» وأصبح بإنتاجه ملكا للتاريخ، فمن حق هذه التجربة الثرية بالأفكار الإنسانية عن الفن والمعرفة أن تنشر وتقرأ في مصر، كما نشرت وقرأت في الخارج.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة