في أول لقاء مع الصحفيين، تحدث د. هاني هلال، وزير
التعليم العالي الجديد كثيرا دون أن يقول شيئا واضحا، ترك
أغلب قضايا التعليم الجامعي ومشاكله دون تحديد لرؤيته في
كيفية إيجاد حلول للإشكاليات المطروحة.
استغل قدرته في المراوغة للإفلات من وضع النقاط علي الحروف
فيما يهم معرفته في الأوساط الجامعية والطلابية حول سياسة
وزارة التعليم العالي، اهتمامات الوزير الجديد - خلال
اللقاء - تركزت علي مقاطعة المتحدثين من الصحفيين، وعدم
إتاحة الفرصة لإلقاء الأسئلة وأحيانا يرد علي السؤال
بتساؤل، متعمدا الاستهانة بما يطرح أو يقال، كان اللقاء
متوترا، شهد الكثير من الشد والجذب بين الوزير والصحفيين
في حضور د. محمود علم الدين المستشار الإعلامي للوزارة
الذي التزم «الصمت» ذا الدلالة والمعني، اندفاعات الوزير
وغزواته الكلامية، واستهتاره الذي يصل إلي الاستهانة، فضلا
عن ثقته الزائدة، وطموحه الجامح، يؤكد ما يروجه البعض عن
استناد الوزير لقوة ما في أوساط الحكم تدفعه لتولي المناصب
القيادية، سبق للوزير أن شغل منصب المستشار الثقافي المصري
في السفارة المصرية بباريس، ورئاسة جامعة سنجور الفرنسية
بمصر، وهو في الأصل أستاذ في كلية الهندسة بجامعة القاهرة
التي تخرج وعمل بها د. أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء.
اللقاء عُقد بوزارة التعليم العالي، بعد أقل من 48 ساعة
علي المؤتمر الصحفي الذي عقده د. يسري الجمل وزير التربية
والتعليم، ملامح اللقاء مع وزير التعليم العالي تكشف عدم
الرغبة في مد جسور التعاون والتعامل مع الصحافة والصحفيين،
كما تكشف عن قصور في رؤية الوزير لدور الصحافة وأهمية
الرأي العام ومشاركته وإشراكه في صناعة سياسة تعليمية تلقي
القبول والارتياح، وفيما يبدو أنه لم يرغب ولم يفكر في عقد
لقاء صحفي، إلا بعد مبادرة وزير التربية والتعليم في
اللقاء مع الصحفيين، حتي لا ينفرد د. يسري الجمل بالساحة
الإعلامية، في هذا الإطار ومع الطموح الجامح لوزير التعليم
العالي يمكن فهم وتفسير كلامه حول أن «التعليم الجامعي
وقبل الجامعي قطاع واحد».
مراوغة والتفاف
عندما أثير موضوع الانقضاض علي مجانية التعليم وتراجع
المجانية في مؤسسات التعليم الجامعي، بظهور أقسام اللغات
بالكليات المختلفة برسوم باهظة، وارتفاع رسوم الالتحاق
للطلاب النظاميين، ونظام الانتساب الموجه والتعليم المفتوح
بما صاحب ذلك من فرض رسوم علي الراغبين في مواصلة التعليم
العالي والجامعي، اكتفي وزير التعليم العالي بالقول:
«عندكم الجامعات الحكومية».. ألقي الوزير بالعبارة السابقة
وكأن الأمر لا يعنيه، أو كأنه مستريح لأوضاع التعليم
الجامعي التي تتجه نحو حرمان غير القادرين ماديا من
استكمال التعليم الجامعي، ينطلق صوت من قاعة اللقاء بأن
التعليم مجاني بنص الدستور يرتبك الوزير للحظات، ثم يعود
لإلقاء عبارات تبتعد عن الموضوع المثار، وحول طريقة اختيار
عمداء الكليات وكيفية معالجة عيوب نظام تعيين العمداء وما
يطرحه البعض من ضرورة العودة لاختيار عمداء الكليات
بالانتخاب، قال الوزير: «مش عارف الاختيار يكون بالتعيين
أو بالانتخاب، إحنا عاوزين قيادات صالحة وخلاص»!! ولم يحدد
طريقة الاختيار، كما لم يوضح الشروط والمواصفات والمعايير
التي علي أساسها يتم شغل المواقع القيادية بالجامعات.
وعن اللائحة الطلابية التي تقيد الأنشطة الطلابية، وتحرم
الطلاب من ممارسة السياسة داخل الجامعة، رد قائلا: «بلاش
اللائحة القديمة، ونفكر في عمل لائحة جديدة»، لم يحدد
الخطوط الرئيسية التي تحكم نصوص اللائحة الجديدة، وما إذا
كانت تستجيب لمطالب الطلاب في إعادة اتحاد طلاب الجمهورية،
وتحقيق الاستقلال المادي والمعنوي للاتحادات الطلابية
بعيدا عن سيطرة الإدارة والأمن، وإتاحة فرص الترشيح في
الانتخابات الطلابية أمام جميع الطلاب بغض النظر عن
الانتماءات السياسية أو الحزبية.
وعندما تحدث الوزير عن استقلال الجامعات، غلب علي نبرات
صوته الطابع الخطابي، مؤكدا أنه سيعمل علي تحقيق «استقلال
الجامعات» بما يعنيه «الاستقلال» سواء من الناحية
«المادية» أو الإدارية أو الأكاديمية ليواجه بتساؤل حول
كيفية تحقيق استقلال الجامعات في ظل سيطرة وتحكم «الحرس
الجامعي» علي مجريات الأمور والأوضاع داخل الجامعات؟ فوجيء
الوزير بالتساؤل، لكنه أسرع مندفعا بالرد بتساول مضاد
بقوله: يعني الحرس الجامعي هو اللي بيؤثر علي استقلال
الجامعات، طيب ما الجامعات تعتمد بشكل كامل علي التمويل من
ميزانية الدولة، ألا ينال ذلك من استقلال الجامعات؟ وأضاف:
«علشان نحقق استقلال الجامعات، يجب أولا تحقيق الاستقلال
المادي بعدم اعتماد الجامعات علي ميزانية الدولة»!! الأمر
يعني أن السيد الوزير يعطي الشرعية للتدخل في شئون
الجامعات، مادامت الدولة تتولي الإنفاق علي التعليم
الجامعي!!.
حيل وألاعيب
ما برع الوزير فيه حقا - خلال اللقاء - كان إلقاء الدروس
والمواعظ في فنون الصحافة والنشر وتحري الدقة والموضوعية،
و«تقوي الله فيما ينشر»، الأمر الذي دفع عددا من الصحفيين
للاعتراض والاحتجاج لتدخل الوزير فيما لا يخصه، مؤكدين:
«أننا لسنا في محاضرة بمدرج كلية الهندسة»، اضطر الوزير
للاعتذار بسرعة، مثلما اندفع بسرعة في توجيه الانتقادات
والاتهامات، حقيقة الأمر أن السيد الوزير أراد أن يخفي
تلهفه علي الظهور والانتشار في وسائل الإعلام، وأنه لا يحب
الدعاية الصحفية لما سوف يقوم به، لكن كلامه كشف ما يحاول
جاهدا إخفاءه، عندما قال للصحفيين: «لماذا لم تنشروا خبرا
عن لقائي بكم اليوم»؟!.
القضية الوحيدة التي استطاع الوزير الجديد تحديد موقفه
منها بوضوح، ما يتعلق بقبول المساعدات الأجنبية والتدخلات
الخارجية في خطط ومناهج التعليم.. حيث أكد الاستعداد التام
لقبول المساعدات لتمويل وتطوير التعليم من أي مكان
بالعالم، رافضا ما يتردد عن وجود تدخلات خارجية فمن يروجون
لنظرية «المؤامرة» واستهداف مصر، وكأننا محور اهتمام
العالم.
إنه هاني هلال الباحث الأكاديمي الذي وصفه أحد المقربين
منه بأنه «باحث برجماتي»، يستطيع أن ينجز بكفاءة بحث علمي
معين لتحقيق أهداف محددة لمصلحة جهات معينة، لكنه لا يحمل
رؤية تربوية، ويفتقد الرؤية السياسية، ولا يملك إطارا
فكريا يمكن الاعتماد عليه في إصلاح وتطوير التعليم
الجامعي.