يشعر الإنسان بسعادة غامرة حين يلوح في الأفق أمل يقول إن
السينما المصرية أخذت تسترد عافيتها وتنفلت بعض الأفلام -
ولو القليلة - من أسر التجارة من القفشات والنكت السطحية
والتسلية العابرة والفارغة والتي تؤكد جميعا حالة أخشي أن
تكون قد تمكنت من المجتمع المصري في بعض المستويات ألا وهي
التعلق باللامعني تعبيرا عن يأس عميق.
ومن الأفلام التي ترد الروح فيلم محمد أمين الثاني «ليلة
سقوط بغداد» الذي كان قد أثار جدلا طويلا في مهرجان
القاهرة السينمائي واعترضت عليه الرقابة ثم عادت وأجازته،
وهو يلقي منذ ذلك الحين إقبالا جماهيريا لا بأس به ولعله
يتواصل.
يزاوج محمد أمين في فيلمه الثاني هذا بعد «فيلم ثقافي» بين
الفكر والفرجة، وهي معادلة كان قد دعا إليها الناقد الراحل
الدكتور علي الراعي في المسرح قائلا: إن من حق الجمهور أن
يتطلع إلي الفرجة بل وأخذ هو يؤصل نظريا لمفهوم الفرجة في
التراث الشعبي باعتباره مدخلا لوصول المسرح إلي أوسع جمهور
ممكن فما بالنا بالسينما بأدواتها الأسهل.
«ليلة سقوط بغداد» هو بكائية تفجر الضحكات مبنية علي إثارة
الهلع من سقوط العواصم العربية الواحدة بعد الأخري تحت
أحذية «المارينز» وإذا كان الهلع مستمدا مما حدث فعلا
للعراق وأفغانستان وما يحدث في فلسطين فإن الرد الفانتازي
عليه الذي اختار حضرة الناظر «حسن حسني» أن يعد له العدة
وهو يبحث عن تلميذه النابغة طارق «أحمد عيد» لكي يصنع
سلاحا للردع - هذا الرد الفانتازي يسحبنا بنعومة إلي واقع
العرب المزري واقع فقدان الإرادة السياسية والانبطاح أمام
الغازي والذي تجري معالجته فنيا ببراعة ودون أي شعارية ..
فهناك تدهور البحث العلمي وضياع الشباب النابغين وغير
النابغين، وتفاهة الرأسمالية الطفيلية وجبنها، فحين يذهب
حضرة الناظر لأحد الأغنياء الجدد يطلب إليه تمويل إنتاج
السلاح الذي ابتكره تلميذه يعتذر لأن أمريكا يمكن أن تجمد
أرصدته ومن الأفضل لهما معا إنتاج «رنات» للموبايل فمكسبها
مضمون، وفي نفس الوقت تحولت مصانع الإنتاج الحربي - والبلد
مهدد - لإنتاج التليفزيون والدش بدلا من السلاح، وبحث
الشباب عن معني في المخدرات.
ورغم أن مشهد تدخل رجلي المخابرات الأمريكية لمنع تصنيع
السلاح هو كوميديا صافية إلا أن عمقا فكريا يمده بمعني
كبير لا إشارة إلي تدخل أمريكا في كل تفاصيل سياساتنا فحسب
وإنما أيضا للدور الكوني الذي تلعبه هذه القوة الإمبريالية
في إعاقة تطور الشعوب وتعطيل قدرتها علي الدفاع عن نفسها
ثم انتهاك سيادتها، وما تفعله مع إيران الآن شاهد.
لعل نقطة الضعف الأساسية في هذا الفيلم البديع التكوين أن
تكون لعبة المخرج علي مفهوم الرجولة كفحولة جنسية فالبطل
يحلم بأنه يعاشر كونداليزا رايس وكأنه يقهر الاستعمار
فيندرج - رغم نواياه الطيبة - في الأفكار السائدة عن
الرجولة - كقدرات جنسية - وعن هزيمة المرأة في الجنس كرمز
لهزيمة الاستعمار وعن المماثلة بين العجز الوطني والعجز
الجنسي، وكان محمد أمين قد عالج موضوع الإحباط الجنسي لدي
الشباب العاجز عن الزواج بنضج أكبر في فيلمه الأول «فيلم
ثقافي» الذي عالج هذا العطش دون مشاهد جنسية علي عكس
الفيلم الأخير الذي أسرف في توظيف المشاهد الجنسية وربطها
نفسيا بأزمات الوطن والأمة وهو يطلق هذه الكوميديا السوداء
التي تشرح الوضع العربي العاجز وتسخر من هذا العجز وتضحكنا
عليه فيكون الضحك مريرا كمذاق الواقع نفسه.
استطاع محمد أمين أن يستخرج من فريق الممثلين طاقات لم نكن
نعرفها عنهم من قبل وعلي رأسهم أحمد عيد وبسمة وحسن حسني
ذلك الثلاثي الفريد الذي عبر ببراعة عن مشاعر وأفكار ورؤي
متضاربة لكنها تناغمت جميعا عبر القدرات الجديدة التي
كشفوا عنها كنجوم كوميديا رفيعة، ويأتي بعدهم كل من هالة
فاخر ويوسف داود وإحسان القلعاوي.
وثمة موهبة موسيقية بازغة هي تامر كروان الذي تشبعت
الموسيقي التصويرية التي كتبها بروح مقاومة تسلل إليها حزن
شفيف، وكانت جزءا أصيلا من دعوة الفيلم ورسالته بل قل
وصرخته المؤلمة أن استيقظوا أيها النائمون فثمة خطر علي
الأبواب وفي السماوات وفي الحلوق.
استمعت إلي محمد أمين وهو يحكي كيف أنه قضي ما يزيد علي
ثلاثة أعوام بحثا عن تمويل لفيلمه، بعد أن كتبه ولعل نجاح
فيلميه علي المستويين الفني والجماهيري يشفع له لدي
المنتجين، وحتي يعيدوا النظر في مسألة البحث عن ربح سريع
فعن طريق مثل هذه الأفلام سوف يحققون ربحا علي المدي
الطويل ومعه احترام النفس والفن الجميل وترقية السينما.