وفيما يتجدد موضوع «الدولة الدينية» بعدما كان من تطورات
أخيرة، وفيما تستدعي الذاكرة - أو تحاول - ما كتب حول هذا
الأمر، كنت حسن الحظ إذ عثرت علي كتاب فريد من نوعه،
لشيخنا وزميلنا المرحوم خليل عبدالكريم، والكتاب عنوانه
«الإسلام بين الدولة الدينية والدولة المدنية»، ويخصص
أستاذنا خليل عبدالكريم عديدا من صفحات الكتاب لنقد هذه
المحاولات التي تحاول فرض تفسير بعينه يستند إلي التفسير
النصي دون الرجوع إلي مغزي ومعني وأسباب النزول.. ويقول في
عبارة حاسمة «إن التجمد علي النصوص والتعبد لها، هما الوجه
الحقيقي لجحود فضلها، لأنه نكران للمغزي الذي استهدفته»
وبعد تأمل طويل وحكيم في هذه المقولة، ينتقل بنا خليل
عبدالكريم إلي عبارة حاسمة أخري تقول «لم يعرف الإسلام
الدولة السياسية، ونعني الإسلام الدين وليس الإسلام
التاريخ أو الإسلام الحضارة، وهذا بديهي لأنه ليس من وظيفة
الدين إنشاء دولة سياسية، وهذا شأن سائر الأديان السماوية
التي سبقته، فالنصوص المقدسة: القرآن الكريم والسنة
النبوية الشريفة سكتت عن الحديث عن الدولة السياسية،
والرسول - صلي الله عليه وسلم - بلغ الرسالة وأدي الأمانة
علي الوجه الأكمل، ولا يقول عاقل - مع ذلك - إنه في الوقت
الذي علم الأمة آداب دخول الخلاء لم يشر ولو مجرد إشارة
عابرة إلي كيفية إنشاء دولة، أو تنظيم الحكم من بعده، وهذا
مرجعه إلي أنها لم تكن من ضمن مهامه كنبي ورسول» (ص13)، ثم
يتحدث أستاذنا في رحلة شيقة عن الفوارق الواضحة والحاسمة
بين الدولة الدينية والدولة المدنية.. «فالدولة الدينية
أقامها الرسول - صلي الله عليه وسلم - وعدد من الرسل
الكرام الذين ترأسوا دولا مثل داود وسليمان عليهما
السلام.. أما الدولة المدنية فيقيمها البشر».. كيف؟.
«فالدولة الدينية يختار رأسها الله - جل جلاله - بينما
الدولة السياسية يختار رئيسها الشعب أو الحزب أو لعله يرث
الملك عن أبيه أو أحد قرابته أو لعله يستولي علي السلطة
بغزو أو بانقلاب دموي أو أبيض» وهو ما يسمي ب «ولاية
المتغلب».
و«الدولة الدينية يقف علي قمتها رسول يوحي إليه من قبل
الله - تعالي - والدولة السياسية يحكمها بشر عاديون».
و«الدولة الدينية يظل رئيسها طيلة حياته علي اتصال بالسماء
في كل وقت بالنهار أو الليل، بينما علاقة رأس الدولة
المدنية بالسماء منقطعة».
و«في الدولة الدينية توالي السماء رئيسها بالمشورة في كل
معضلة صغيرة أو كبيرة، أما رأس الدولة المدنية فهو يعتمد
في حل ما يصادفه من مشكلات علي عقله وتفكيره وعلي الوزراء
والمستشارين أي علي رأي بشري».
ومن ثم فإن «طاعة رأس الدولة الدينية فرض ديني «وما آتاكم
الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» بل إن هذه الطاعة هي
محك الإيمان، وليس الأمر كذلك في الدولة السياسية، إذ لا
صلة بين طاعة المحكوم للحاكم فيها وبين إيمانه، فعصيانه
للحاكم المدني لا يقدح في دينه».
و«المعارضون لرأس الدولة الدينية إما كفار مصيرهم جهنم،
وإما منافقون في الدرك الأسفل من النار، أما المعارضون في
الدولة السياسية فقد يعرضون أنفسهم لعقاب دنيوي فحسب، إنما
لا شأن لهذا العقاب بعقيدتهم الدينية، وعلي سبيل المثال
فإن الصحابي الجليل سعد بن عبادة سيد الخزرج لم يبايع
الصديق أبابكر ولا الفاروق عمر بن الخطاب، واستمر طوال
حياته معارضا لهما، لا يصلي بصلاتهما، ولا يجمع بجمعتهما،
ولا يفيض بإفاضتهما، ولم يجرؤ أحد علي أن يدعي بأنه قد كفر
أو نافق».
«ثم إن رأس الدولة الدينية قد عينه الله - جل جلاله - ومن
ثم فلا يحق للمحكومين عزله، أو الحد من سلطاته التي منحها
له الرب لأن ما يبرمه الرب يستحيل أن ينقضه المربوب، أما
رئيس الدولة المدنية فإن جماهير الشعب هي التي تحد من
سلطاته، ولها أن تعزله إن حاد عن الخط الذي رسمته له، أو
خرج عن الدستور الذي ارتضته».
«كذلك فإن رأس الدولة الدينية مدة رئاسته غير محدودة إلا
بأجله، فوفاته هي التي تنهيها، أما رأس الدولة السياسية
فرئاسته موقوتة، وهي رهن بمشيئة الشعب» (ص17).
ثم يلخص الأستاذ خليل عبدالكريم رؤيته قائلا «إن الإسلام
كغيره من الأديان السماوية عرف الدولة الدينية وهي دولة
أقامها الرسول - صلي الله عليه وسلم - وانتهت بانتقاله إلي
جوار ربه، أما من يقولون الآن بالدولة الدينية فهم يفتقرون
إلي الوحي الإلهي وإلي العصمة التي تمتع بها الرسول - صلي
الله عليه وسلم - بما سيؤدي لا محالة إلي قيام دولة
ثيوقراطية استبدادية لا تسمح بوجود أدني قدر من المعارضة،
وهو نوع من الحكم تجاوزه الزمن، ودخل في متحف التأريخ
السياسي».
وهكذا فإن أستاذنا خليل عبدالكريم يضع وبوضوح تام نهاية
لأي ادعاء يقول إن من حق البشر إقامة دولة دينية تقوم
برأيهم هم ووفق هواهم أو مصالحهم.. مؤكدا أنها ليست من
الدين الحنيف في شيء.
ويا أستاذنا الجليل كم نفتقدك في هذه الأيام الصعبة!.
وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر