بقدر ما هي كثيرة الدساتير التي تعطي للإنسان حقه في
التعبير وحرية الفكر، بقدر ما هي كثيرة - أيضا - القوانين
التي تسلبه هذه الحرية.
ورغم كثرة دعاوي الإصلاح في الوطن العربي - معظمها يتخذ
منحي شكليا دون التوغل في عمق اللحظة اجتماعيا وثقافيا
وسياسيا - نجد أدباء ومفكرين يدخلون السجن نتيجة آرائهم
وأفكارهم وإبداعهم، في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلي
استثمار تلك العقول، والاستفادة من نتاجها الفكري، لكن
للأسف مازالت السلطات السياسية تمارس لعبتها المحببة «لعبة
القط والفأر»، معتبرة الثقافة خطيئة لابد وأن يدفع
المشتغلون بها الضريبة الباهظة من حياتهم وراحتهم وحريتهم.
وليس ببعيد من المراقبين للأحداث الراهنة الرامية في
عالمنا العربي، أنها جاءت كنتيجة طبيعية لوجود بعض النظم
الاستبدادية في المنطقة، والتي أعطت الفرصة لإيجاد ثغرة
تسللت منها القوي الاستعمارية لتبرر تنطعها علي سيادتنا
الوطنية وتدخلها السافر في شئوننا الداخلية.
وليس بمستغرب بعد ذلك أن يجيء تقرير التنمية الإنسانية -
والذي يقيم دول العالم من حيث الاهتمام بالقيم الاجتماعية
والسياسية والثقافية ليضعنا في ذيل الشعوب التي تولي أهمية
للحرية الفكرية.
ومما لا شك فيه أن من الضمانات الأولي للحرية - كمبدأ
وآلية عمل - استقرار القاعدة القانونية، التي يرتبط بها
أيضا ضرورة الخروج من أسر سيطرة الرقابة علي المنتج
الإبداعي والفكري، وضرورة الفصل بين السلطات التشريعية
والتنفيذية والقضائية، لأن هذا الخلط أعطي الفرصة لجهات
دينية بدأت تمارس دورا رقابيا أشد وأقسي شراسة، كما يحدث
الآن في مصر من مصادرات متعددة من قبل الأزهر ومجمع البحوث
الإسلامية خاصة مع صدور قانون «الضبطية القضائية»، الذي
استغل بشكل خاطيء، فهو في الأساس منوط به «الرقابة علي
طبعات المصحف الشريف»، لكن بعض مشايخ المجمع ورجال السلطة
الدينية يتذرعون به ليمارسوا دورا رقابيا يشبه إلي حد كبير
«محاكم التفتيش الأوروبية» في العصور الوسطي، رغم أنهم
يعرفون جيدا أن ما حدث في أوروبا كان كارثة كبري حيث كانت
الكنيسة تبرر أفعال القيادة السياسية وتعطيها مسحة دينية
وتمارس قهرها الأبوي علي كل رأي مخالف.
وهي صورة لها ما يشابهها في التاريخ الإسلامي، حيث أفرزت
بعض العصور فئة من رجال الدين يمكن أن نسميهم ب «فقهاء
السلطان» الذين غلبت مصالحهم الشخصية علي إقامة شرع الله،
وراح ضحية هؤلاء عدد كبير من العلماء والمتصوفين أمثال
«الحلاج» و«السهروردي» وتسببت فتاواهم في حرق كتب «ابن
رشد»، والقائمة طويلة لا تنتهي.
البعد التاريخي
ونظرة سريعة إلي التاريخ الحديث نجد أن أول من حاول أن
يقيم ما يمكن أن أسميه ب «العلاقة المحرمة بين السلطة
والكتاب المطبوع» هو سعيد باشا الذي حكم مصر في الفترة ما
بين 1855 إلي 1863، فقد أصدر في عام 1857 قرارا ينص علي
«إرسال أصل الكتب المراد طبعها إلي مكتب الداخلية لأجل
مطالعتها والنظر فيها إن كانت مضرة للديانة ولمنافع الدولة
العلية - ويقصد بها الدولة العثمانية - والدول الأجنبية
والعامة أم لا».
وكان هذا القرار تمهيدا لقانون المطبوعات الذي صدر في 26
نوفمبر 1881، والذي أخذ شهرة فائقة في تاريخ تشريعات القمع
الفكري، لأنه علي حد تعبير المؤرخ د. عاصم الدسوقي في
دراسة له تحت عنوان «الحرية الفكرية في مصر» نشرت في عدد
يوليو 2004 من مجلة المحيط الثقافي «يتفوق علي ما سبقه من
قوانين بسبب توقيت صدوره في مواجهة حركة وطنية» ويقصد بها
- بالطبع - الثورة العرابية.
نقطة ضوء
ورغم أن ثورة يوليو كانت بمثابة نقطة الضوء التي أضاءت
الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر إلا أن بعض مواد
الدستور المؤقت لعام 1964، والمنصوص فيه علي كثير من
مباديء حرية التعبير قيد هذه المباديء بعبارة قاتمة للغاية
وهي «في حدود القانون» ولنأخذ علي ذلك - مثالا - المادة 35
والتي تنص علي أن «حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ولكل
إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو
التصوير أو غير ذلك في حدود القانون»، كذلك المادة 36
ونصها «حرية الصحافة والطباعة والنشر مكفولة في حدود
القانون».وهي مواد يتضح من فحواها أنها مواد شكلية تقيد
الفكر والإبداع أكثر مما تعطيه من حرية.
ورغم المحاسن الكثيرة للثورة ودورها المحوري في قضايا
التحرير والإصلاح الاجتماعي والثقافي والسياسي، إلا أن
هناك سلبيات خطيرة لا يمكن إغفالها - في هذا المجال - التي
ساعدت علي استشراء فكرة المصادرة منها ازدهار الإسلام
السياسي، وإعطاء المؤسسة الدينية الممثلة في الأزهر ومجمع
البحوث الإسلامية وجبهة علماء الأزهر وغيرها صلاحيات كبيرة
في تقييم الأعمال الفكرية، ولم يفلح قانون «إصلاح الأزهر»
الصادر في بداية الستينيات من تخفيف حدة ما ذهبت إليه
المؤسسة الدينية من ملاحقة المفكرين والمثقفين، وليس أدل
علي ذلك من سعيها لتحصل علي فتوي رسمية من إدارة الفتوي
والتشريع بمجلس الدولة عام 1964، تبيح لها ممارسة سلطة
رقابية علي المطبوعات في كل ما يتعلق بشأن الدين وأري أن
هذا الزواج الكاثوليكي بين السلطة والمؤسسة الدينية، ينم
عن ذكاء حاد من هذه السلطة - بتعدد نماذجها علي مر التاريخ
- لأنها تنظر إلي الوعي الشعبي الذي يري في رجال الدين
وأقوالهم مقدسات لا يجب المساس بها، وكلامهم مصدقا أيا كان
مصدره.
وهنا لا عزاء للمثقفين والمفكرين .