يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1262 (18 - 25) يناير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

دم الغزال.. ودم الفقراء

 
 

بين السطوة وقلة الحيلة

 
 

أشرف بيدس

 

  يدخل بنا وحيد حامد إلي عالم الفقراء والمهمشين المنتشرين بطول الأرض وعرضها - بفيلمه الجديد «دم الغزال» للمخرج محمد ياسين - ليكشف لنا عن احباطاته وانفعالاته، جنوحه وجنونه، وقلة حيلة الضعفاء، ويسلط الضوء علي مساوئه ويفضح المستور، ينزع اللافتات التي تخفي أكوام القمامة لتبدو الصورة بقسوتها، حيث تستوطن الهمجية وتفرض سطوتها علي المكان والزمان، فنري البيوت المتاخمة والأزقة الضيقة، والرغبات المتصادمة، والأقدام التي تتعثر في السير، وتختلط رائحة البانجو بالمجاري، وتضيق فرص العيش الكريم في ظل هذه الظروف التي تتشعب بها الجريمة حتي تصبح تلالا لا نستطيع تحريكها، وعند أول عاصفة تطيح في وجوهنا بكل ما تعفن وتراكم بها من مشاكل، إنهم إناس يعيشون في الجانب المظلم من الحياة، يتم استخدامهم في أدوار (كومبارسية) إما للتهليل أو للتصفيق، مجرد مجاميع لتزيين المشهد المعدني الذي لا يشعر ولا يحس ولا يتغير!!
الأقوياء يحكمون في كل زمان ومكان بقوانين خاصة بهم دون مراعاة لأي شئ، المهم أن ينالوا ما يطمحون إليه حتي لو استدعي الأمر القتل، وباستعراض شخوص الفيلم تجول الكاميرا للكشف عن هويتهم، فنجد «حنان» - مني زكي - تلك الفتاة اليتيمة التي لم تكمل تعليمها، تقبل الزواج بمن لا تحب، بعد أن ملت نظرات العطف والشفقة من المحيطين بها، وترضي بعريس - محمد شرف - يبدو من عدم تجاوبها مع مداعباته أنها لا تطيقه، وفي ليلة العرس يتوالي ظهور الشخوص، «ريشة الطبال» - محمود عبد المغني- الذي لا يكف عن النظر للراقصة -صفوة - ويبدو من نظراته للعروسة أنه يكمن لها عاطفة، ثم يظهر (البلطجي) - عمرو واكد- الذي يعتلي المسرح ويرقص بمطواة مشوحا بها في وجه الحاضرين معبرا عن سطوته وإجرامه، ولا يكف هو أيضا من النظر للعروسة0 تداهم الشرطة العرس وبتفتيش العريس يعثر علي قطعة حشيش أهداهها له أحد الموجودين بالفرح علي سبيل التحية، يقبض علي العريس، ويسرع «عبده الجرسون» - صلاح عبد الله - يستعطف الضابط أن يتركه، ولكن الضابط يصر علي اصطحابه بعد أن يتم تفتيش كل الموجودين، ويتحول الفرح إلي مأتم، وتعود العروسة إلي شقة الزوجية لتفاجأ بأم العريس تلقي عليها وابلا من الشتائم والسباب وتطردها بعد أن تلقي بملابسها الجديدة في وجهها، وتبدأ الحكاية لسرد تفاصيل أشد مأساوية من ليلة العرس0
حنان بين حجري الرحي
يبدأ الصراع بين الأفراد بمنتهي القوة، وتكون «حنان» هي تلك القمحة التي يدور عليها حجرا الرحي، ما بين البلطجي والطبال وحرصهما المستميت علي الفوز بها، ومواجهة ضعيفة من (عبده وعميش) لحمايتها؛ تنجح في بادئ الأمر لكنها سرعان ما تنهار0
تدور الكاميرا لتكشف لنا عن الوجه القبيح للمناطق العشوائية والفوضي المستباحة بها، ويتجلي ذلك بقوة في مشهد يجمع بين صبي القهوجي وضابط المباحث، عندما يسأله الضابط :
- لماذا احضرت سيارة للإرهابي؟
وقبل أن يجيب علي السؤال، يطرح عليه سؤالا
- لو طلب منك رئيس الجمهورية أي شيء00 هل تنفذه؟
أجاب الضابط : علي الفور0
فقال له (صبي القهوجي) : «ريشة» - ويقصد الإرهابي- هو رئيس جمهوريتنا، فكيف لا أطيع أوامره؟
يواصل وحيد حامد بالفيلم كشف الألغاز حول جماعات التطرف، وفي مشهد بالغ الدلالة، يقتاد أتباع «ريشة» ذلك الطبال الذي تحول إلي أمير جماعة خصمه اللدود (البلطجي)، ويقول له في تشف وغل : - هذه يداك التي سرقت، سوف أقطعها؟
فيبادله البلطجي نظرات الحقد والتحدي ويجيبه : هذه اليد التي ضربتك؟
فيستشيط «الطبال» غضبا ويلقي بكل قوته علي يديه حاملا سيفه فيشطرها نصفين0
وتتضح الصورة، فلم يعد الحلال والحرام هو ما يحكم بينهما، ولكن الثأر القديم، والرغبة في ازاحة كل منهما الآخر حتي يخلو له الجو ويمارس سطوته علي الحارة أو الحبيبة0
وفي حوار آخر يقول مدرب الرقص «إن الفقراء لا يأكلون الفقراء» بينما في الحقيقة هناك من يتربص بهم ويستخدمهم، ويجعلهم يأكلون بعضهم0 الفيلم يكشف كثيرا من العيوب والمساويء وتدني أحوال الفقراء وغياب دور الدولة في حمايتهم ورعايتهم وتثقيفهم، ويرصد بقوة سطوة الأغنياء التي تحركهم وفق أهوائهم0
إنها دولة داخل الدولة تصيغ أحكامها بمنطق القوة والقدرة علي الفعل، حتي إن البلطجي تمكن من دخول السجن ليرهب «العريس» ليطلق زوجته البكر، وعندما حاول الرفض، تلقي ما جعله يعدل عن تردده00
ربما كان يرمز وحيد حامد بشخصية «حنان» إلي مصر والتي عانت مصيرها المشئوم بين البلطجة والتطرف ورجال الأعمال وقلة حيلة البسطاء والطيبين الذين وقفوا في النهاية يذرفون الدموع لفقدانها بعد أن كانت سلبيتهم أحد أهم الأسباب الرئيسية لضياعها0
نجوم وأدوار
* لا استطيع أن أشكك في مدي وعي نور الشريف، وهذا جعلني أفكر كثيرا قبل الحكم عليه في فيلم «دم الغزال» حتي اكتشفت بعد إعادة قراءة دوره أكثر من مرة، أن هناك كادرين بالفيلم لم يؤدهما طوال تاريخه الفني الكبير من قبل، ربما هذا ما دفعه لقبول الدور ليضيف جديدا حتي لو بدا للبعض أن ذلك قليل، أو أن الفكرة العامة للفيلم استهوته، ولم يقف عند حجم الدور، ورغم ذلك حافظ نور الشريف علي وضع اسمه بطريقة لائقة عكس ما يفعله الآخرون0
* يسرا00 كتلة من الأحاسيس، وشعلة لا تنطفئ بفعل الزمن أو الملل، أصبحت صنايعية تملك مهارة التشخيص، وتضبط انفعالاتها عندما تستلزم الأمور ذلك، لكنها في لحظة ما تبدو كالطوفان لا يستطيع أحد إيقافه، إلا إذا كان علي ذات الدرجة من الاندفاع والتدفق الذي تملكه، ولا يقلل من إمكاناتها استهلاك الدراما التليفزيونية لطاقتها0
* يخطو صلاح عبد الله بدور «عبده الجرسون» خطوات غير مسبوقة كان قد بدأها في «مواطن ومخبر وحرامي» في دور الصول عبد الغفور، وأصبح الآن يملك براءة اختراع أدوار معينة لا يستطيع أحد الاقتراب منها، لأنه يملك مفاتيح تلك الشخصيات، ويستطيع أن يكشف عن بعضها كلما جاد عليه الزمان، يحلق بعيدا عن الأداء المفتعل لأنه يؤمن بأن تلك الشخصيات المليئة بالعفوية والبساطة الطريق إليها لا يكون إلا عبر الصدق، لذا نراه في «دم الغزال» يعزف مقطوعة خاصة تفوح منها رائحة الأصالة والتي تنقرض من أحيائنا الشعبية وحوارينا. فهناك شخصيات بسيطة جدا مازال قوام بيوت كثيرة مرهون ببقائها، ولأن يدرك الابعاد الاجتماعية والنفسية ل «عبده الجرسون» كان الأقدر علي تصدير مفرداته، ربما هذا ما جعل الجماهير تشفق كثيرا عليه، إن صلاح عبدالله رغم محاولات أفلام (النص نص) التي استهلكت إمكاناته يملك الكثير شريطة أن يكون هناك دور يفجر داخله تلك الإمكانات الرائعة وغير التقليدية0
* مازالت مني زكي قادرة علي أن تضيف لتلك الشخصيات التي تقوم بأدائها بعدا إنسانيا مضحية بأي إغراء لتحسين صورة تري أن قبحها لمصلحة الدور، وتستطيع أن تفاجئ جماهيرها بأداء راق به كثير من التحولات الحسية التي تنتاب الشخصية التي تؤديها والعودة مرة أخري بسهولة ويسر دون أن يغفل عنها أي تفصيلة صغيرة، إن مني زكي فنانة تصبغ الأدوار بأحاسيس خاصة0
* عمرو واكد ومحمود عبد المغني، بطلان حقيقيان وفي مواقع مرموقة ومتقدمة، في وجود عمالقة مثل نور ويسرا وصلاح ومني، اعطاهما نص وحيد حامد الفرصة للكشف عن تلال الإمكانات التمثيلية الكامنة داخلهما، تصارعا وتباريا ولأنهما مؤهلان بما يملكانه من موهبة رفعا بعضهما البعض، وكانت مشاهدتهما كمباراة لخصمين يملكان مفاتيح اللعب في ملعب مفتوح، ولأن المهارة لا تنقصهما جاء العرض ممتعا بعيدا عن الاستعراض، وحتي لا تشوه الأعمال الرديئة مهاراتهما العالية، يجب عليهما توخي الحذر، لأنهما بالفعل يستحقان مكانة أعلي، حتي لو اضطرا كثيرا للتضحية بمغريات وإغراءات لا يفرط فيها البعض0
أما عبد العزيز مخيون، وعايدة رياض، وفتحية طنطاوي، ومحمد شرف، وسعيد الصالح، وسامي مغاوري، سلامة، وعمرو عبد الجليل، رغم قصر أدوارهم إلا أن وجودهم كان له بالغ الأثر في إتمام هذا العمل الجيد والممتع0 من الأشياء الجميلة التي ساعدت علي نجاح الفيلم موسيقي عمر خيرت الملهمة والتي أضفت علي الفيلم مذاقا خاص0
أخيرا نص وحيد حامد المتوهج، هو بحق البطل الأول، شخوص تتكلم لغتها، دون أن تتجمل، تتصرف علي طبيعتها وفي سياق واحد تتحرك فيه وتتوازي مع احباطاتها، كما أنه يكشف عما يتعرض له الفقراء من ظلم وقسوة وتجاهل، ترك نهاية الفيلم مفتوحة ايذانا بأن الأمراض مازالت قابعة في جسد الوطن تنخر في مواطن قوته وتفتك به0
نجح المخرج محمد ياسين في التعبير عن الجو الذي تدور به الأحداث ورصد تفاصيل ساعدت المتفرج علي معايشة الشخوص واقعها، وجاء مشهد غرفة نوم العروسة بكل ما فيه من تفاصيل: البيجامة البيضاء، وقميص النوم الأحمر، والمحرمة، وزجاجات البيرة والفاكهة، لينقل صورة حقيقية لم يسبقه غيره إليها من قبل0 كما تنقلت الكاميرا بهدوء وأحيانا بعصبية في مساحات ضيقة للغاية لتضع رتوش بلورت الجو العام للفيلم0
في الأحياء العشوائية كل شيء مباح، القتل، السرقة، التطرف، النصب، البلطجة، العنف، المخدرات، ولأن الفقر هو الذي يحرك كل الشخوص، تأتي النتائج في النهاية مرعبة، في ظل أجواء ينقصها الحد الأدني لحياة كريمة، فالأرض خصبة وجاذبة لكل الأمراض التي تهدد أي مجتمع بالانهيار، ويساعد علي نمو هذه الآفات عدم الاهتمام من قبل الدولة، وفساد الأجهزة المحلية، وغياب الرقابة الأمنية، والجهل والتهميش الذي يمارسه المجتمع (الفوقي) علي هذه الطبقات الفقيرة دون أن يرمش لها جفن0 وكأنها كما يقول أحد أبطال الفيلم : «بلد تانية غير بلدهم ميعرفوش عنها أي حاجة»0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة