يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1262 (18 - 25) يناير 2006
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

من معسكر الاعتقال إلي رئاسة تشيلي

 
 

السيدة الرئيسة.. الاشتراكية

 
 

نبيل زكي

 

 


نبيل زكى

استشهد والدها - القائد في السلاح الجوي - تحت وطأة التعذيب في سجون الديكتاتورية العسكرية

اليمين يرفع شعار «التحالف الاستراتيچي» مع واشنطن

ومظاهرات الشوارع تسقط رؤساء الدول

أحرز اليسار في أمريكا اللاتينية انتصارا جديدا بفوز السيدة ميشيل باشليه برئاسة شيلي0 وهكذا انتقلت هذه المناضلة اليسارية وطبيبة الأطفال من معسكر التعذيب والموت، في ظل الديكتاتورية العسكرية للجنرال السفاح اوجوستو بينوشيه، إلي مقعد الرئاسة00 بعد فترة انتقالية شغلت خلالها منصبي وزيرة الصحة ووزيرة الدفاع0 وتشير الدلائل إلي أن انتصارات اليسار في أمريكا اللاتينية مستمرة في عام 02006
«من منكم كان يتصور - قبل خمس سنوات فقط - أن سيدة ستتولي رئاسة جمهورية تشيلي؟».
هكذا وجهت أول رئيسة جمهورية - بالانتخاب الشعبي - الطبيبة الاشتراكية والمناضلة اليسارية «ميشيل باشليه» سؤالا إلي الجماهير الغفيرة التي احتشدت في العاصمة التشيلية سانتياجو للاحتفال بفوزها الساحق علي منافسها اليميني المقاول الملياردير وأغني رجالات تشيلي «سيباستيان بينيرا» الذي يلقبه أهل البلاد باسم «برلسكوني شيلي» أو «القاطرة» بسبب التشابه بين ثروته وإمبراطوريته في عالم المال والأعمال مع رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني.
وهكذا أيضا تنضم تشيلي إلي قائمة الدول التي تتولي الحكم فيها رموز يسارية مناهضة للولايات المتحدة: البرازيل والأرجنتين وأوروجواي وفنزويلا وبوليفيا.
والرئيسة الجديدة تعرضت لمحنة الاعتقال - هي ووالدتها ووالدها - خلال الحكم الديكتاتوري العسكري في بلادها، الذي دام سبعة عشر عاما، وبلغ ذروة إجرامية في عهد الديكتاتور الدموي أوجوستو بينوشيه، والذي أطاح بالحكم الديمقراطي التقدمي للرئيس الراحل سلفادور الليندي في 11 سبتمبر عام 1973.
كانت واشنطن وراء الانقلاب العسكري الذي قاده بينوشيه وخطط له وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، وتم قتل الليندي في قصر «لامونيدا» الرئاسي خلال الانقلاب، وكان قتله هو المشهد الافتتاحي لقتل مئات الآلاف من مواطني تشيلي ومثقفيها المعارضين للديكتاتورية العسكرية إلي أن سقط حكم الجنرال بينوشيه في عام 1990.

لحظة عاطفية
تعرضت ميشيل باشليه ووالدها للتعذيب في معسكر الاعتقال، واستشهد والدها، ألبرتو، الذي كان قائدا في السلاح الجوي التشيلي، تحت وطأة هذا التعذيب.
وكانت لحظة تحرك المشاعر.. تلك التي تحدثت فيها ميشيل باشليه، أمام الجماهير التي تحتفل بفوزها، عن والدها، وقالت: لو أنه علي قيد الحياة.. لكان الآن الأكثر افتخارا بانتصارها.
عندما أطلق سراحها.. هربت من تشيلي إلي استراليا ثم إلي ألمانيا حيث واصلت دراستها الطبية قبل أن تعود إلي الوطن لتمارس مهنتها كطبيبة أطفال وتنضم إلي الحزب الاشتراكي وترتقي في صفوفه.
كان الجنرال الديكتاتور بينوشيه يرقب ويتابع الاحتفالات بفوز أسيرته السابقة، وهو قابع في منزله خارج العاصمة ويستعد لاستقبال المحققين الذين يستجوبونه بصدد مخالفات مالية ارتكبها، إنه يعرف أن الرأي العام في تشيلي والعالم مازال ينتظر توقيع العقاب عليه بسبب جرائمه المروعة وإهداره لحقوق الإنسان، ومازال هو ومحاموه يتهربون من الحساب، ولا توجد لديهم أي ذريعة للتهرب سوي أن الرجل أصبح طاعنا في السن ويعاني أمراضاً كثيرة وأن شبح الموت يلاحقه.
ونتائج انتخابات الرئاسة في تشيلي، التي انتهت بفوز «باشليه»، هي الإعلان الرسمي عن نهاية حقبة بينوشيه وزمن الانقلابات والديكتاتوريات العسكرية في أمريكا اللاتينية.
ولا يقتصر انتصار اليسار علي الفوز بمقعد الرئاسة، فقد أصبح يمثل الأغلبية للمرة الأولي في مجلس الشيوخ (عشرون شيخا من أصل 38) كما أصبح اليسار يشكل الأغلبية في مجلس النواب (63 نائبا من 120)، واتسع الفارق بين اليسار واليمين بدرجة كبيرة، وزاد وزن اليسار علي حساب وزن الوسط.

افلاس اليمين
وتوضح كل الدلائل والمؤشرات أن اليسار يحقق تقدما مذهلا من خلال تحالف حزب «باشليه» الاشتراكي والحزب الديمقراطي اليساري بزعامة سيرجيو بيتار.. بينما أصبحت أحزاب اليمين أقلية محاصرة في الخريطة السياسية.
وظهر إفلاس اليمين واضحا عندما لم يجد وسيلة لمهاجمة ميشيل باشليه سوي الحديث عن «عدم تدينها».
ومما يلفت النظر أن تفوز سيدة بموقع الرئاسة في بلد يعتبره الكثيرون من أشد دول أمريكا الجنوبية تمسكا بالتقاليد الاجتماعية المحافظة.
وفي أمريكا الجنوبية.. كانت «جانيت جاجان» قد انتخبت لتحل محل زوجها رئيس جويانا بعد وفاته عام 1997.
وتولت ليديا جيلر نيجادا منصب الرئيس بصفة مؤقتة في بوليفيا عقب انقلاب 1979 - 1980، كما شغلت إيزابيل مارتينيز بيرون منصب رئيسة الأرجنتين المؤقتة في عام 1974عندما توفي زوجها خوان بيرون وظلت في منصبها حتي عام 1976، وتولت «روزاليا أرتيجا» منصب الرئاسة في الإكوادور لفترة قصيرة في عام 1997. وتتسلم ميشيل باشليه الرئاسة من الرئيس ريكاردو لاجوس الذي كان يمثل حكومة تحالف الوسط واليسار، وقد شغلت «باشليه» منصب وزيرة الصحة ووزيرة الدفاع في عهده، ويمكن القول إن تشيلي شهدت في فترة حكم الرئيس لاجوس نموا اقتصاديا واستقرارا ملحوظا، كما تم إحراز تقدم في التحقيقات الجارية حول انتهاكات حقوق الإنسان في ظل الحكم العسكري السابق.
ويقول ريكاردو لاجوس إن انتصار باشليه.. «تاريخي»، ويضيف قائلا: «لدينا الآن تشيلي جديدة، لدينا للمرة الأولي في تاريخنا.. رئيسة للبلاد».

البحث عن العدالة
ترفع ميشيل باشليه شعارات تدعو إلي مجتمع أكثر عدالة، وتتعهد بمواصلة انتهاج سياسة اقتصادية لتقليص نسبة الفقر، بعد أن نجحت هذه السياسة حتي الآن في تخفيض هذه النسبة إلي النصف، وجعلت اقتصاد تشيلي الأكثر ازدهارا في أمريكا الجنوبية.
غير أن المشكلة الكبري التي تواجه باشليه والتي يعكس برنامجها الانتخابي اهتماما بإيجاد حلول لها هي مشكلة توزيع الثروة واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، حيث إن الفوارق الاجتماعية كبيرة في البلاد، علاوة علي تدهور أحوال الأقلية الهندية هناك «تمثل نحو خمسة في المائة من السكان».
وقد التزمت «باشليه» بالتصدي لمشكلة البطالة وبإصلاح أنظمة الرعاية الصحية والمعاشات ومكافحة الجريمة ورفع مستوي التعليم ثمة 36 تعهدا رئيسيا التزمت بتنفيذها خلال المائة يوم الأولي من فترة رئاستها، منها حصول المرأة علي حقوقها المساوية للرجال، وتقديم إعانات مالية للعائلات الفقيرة لتشجيع أبنائها علي الالتحاق بالتعليم وتعيين وزير لوزارة جديدة تحمل اسم «وزارة الأمن العام»، والاعتراف الدستوري بالأقلية الهندية «المابوش» وإصلاح القانون الجنائي، وتشديد قوانين المحافظة علي البيئة.

رمز التغيير
الانتخابات التي جرت في مطلع هذا الأسبوع في تشيلي هي الرابعة منذ عودة الديمقراطية إلي البلاد، وطوال 16 عاما فشل اليمين في تولي السلطة في تشيلي.
ورغم أن هذا اليمين مدافع شرس عن نموذج اقتصاد السوق الحرة، إلا أنه اضطر إلي التأكيد علي الحاجة لقيام الدولة بممارسة دور اجتماعي ووعد بتقديم معاشات لربات البيوت وتمويل برنامج لتوظيف الشباب.. كمحاولة يائسة للفوز بثقة الناخبين، أما طموح اليمين - في مجال السياسة الخارجية - فقد كان يتلخص في إقامة «تحالف استراتيجي» مع واشنطن.
وتصف وسائل الإعلام في تشيلي.. الرئيسة ميشيل باشليه بأنها «رمز التغيير في تشيلي الحديثة».
ويبدو أن فرصة باشليه في تنفيذ برنامجها كبيرة، نظرا لأن تشيلي تملك ما يكفي من الموارد لتمويل هذه البرامج بسبب ارتفاع أسعار النحاس في السوق العالمية «وهو سلعة التصدير الأساسية في البلاد».
ويبلغ عدد سكان تشيلي 2.16 مليون منهم 2.8 مليون مواطن مسجلون في الجداول الانتخابية «أكثر من نصفهم من النساء» وكان عدد من أدلوا بأصواتهم في انتخابات عام 1999 يصل إلي 3.7 مليون.

إصلاح لم يكتمل
وكانت قد نفذت بعض الإصلاحات الدستورية في شهر أغسطس الماضي تم بموجبها تخفيض مدة الرئاسة من ست سنوات إلي أربع سنوات فقط، كما تقرر إلغاء تعيين تسعة أعضاء في مجلس الشيوخ، بحيث يصبح الانتخاب هو الوسيلة الوحيدة للحصول علي عضوية المجلس، وألغي نظام العضوية في مجلس الشيوخ مدي الحياة.
ومع ذلك، فإن التغيير في تشيلي يتطلب تصفية الإرث الدستوري لنظام الديكتاتورية العسكرية - رغم التعديلات التي أدخلت علي الدستور - مثل قانون الانتخاب الذي يكفل لليمين تمثيلا يتجاوز وزنه الانتخابي ويحرم أحزابا، كالحزب الشيوعي - خارج الائتلافات الرئاسية - من أن يكون له تمثيل في مجلس النواب والشيوخ، بمعني أنه يمنع - عمليا - الأحزاب خارج الائتلافين الكبيرين من أن يكون لها ممثلون داخل البرلمان.
نجحت ميشيل باشليه، ممثلة الاتجاه اليساري في الحزب الاشتراكي، والمطلقة مرتين، والأم لثلاثة أولاد من زوجين مختلفين، في جعل الناخبين يشعرون بأنها أكثر إدراكا لمشكلات الناس، وأكثر اهتماما بمعالجتها، وأتاحت الفرصة لائتلاف اليسار - الوسط - الذي يحمل اسم «كونسيرتاسيون» Concertacion «التنسيق» لكي يستمر في الحكم الذي يمسك بزمامه منذ عام 1990.
ونجحت باشليه أيضا في كسب ثقة الناخبين في قدرتها علي الاضطلاع بمهامها وتنفيذ برنامجها وفي الحصول علي أصوات أغلبية الناخبات من الطبقات الشعبية.

الموجة مستمرة
12 انتخابا رئاسيا تجري في أمريكا اللاتينية بين نوفمبر 2005 ونهاية عام 2006، والسؤال الذي يلمح علي أذهان المحللين والمراقبين هو: هل يستمر صعود اليسار في القارة؟.
لقد اتجهت الأنظار، قبل أن يطوي عام 2005 صفحاته، إلي بوليفيا حيث جري انتخاب الزعيم النقابي اليساري «إيفو موراليس» للرئاسة، وبعدها، تردد الحديث عن ولادة جديدة لليسار في «الغرب الأقصي»، وعن فشل واشنطن في استعادة المبادرة فيما كان يسمي «الفناء الخلفي» للولايات المتحدة.
وعند التصويت في المحافل الدولية علي رفع الحصار عن كوبا.. لا يتجاسر علي التشبث ببقاء هذا الحصار سوي الولايات المتحدة وإسرائيل وجزيرتين لا يعرف أحد موقعهما علي الخريطة!.
لقد أصبح الرؤساء يسقطون في مظاهرات الشوارع في بوليفيا والأرجنتين وإكوادور، بينما يضرب اليسار بجذور عميقة كخيار دائم في المشهد السياسي.
وها هو «سيمون بوليفار» المحرر الذي حاول توحيد دول أمريكا الجنوبية في القرن التاسع عشر في معارك الحرية والاستقلال.. يبعث من جديد.
وفي المكسيك بدأ زعيم «جيش زاباتا للتحرير الوطني»، القائد المكسيكي المقنع ماركوس، حملة سياسية علي شكل مسيرة جماعية لمدة ستة أشهر في جميع أنحاء المكسيك انطلاقا من مقاطعة لاجاروتشا المكسيكية، ويرافقه آلاف الناشطين في الجيش «الزاباتي» «نسبة إلي الثائر العظيم زاباتا» الذي يسيطر علي تلك المقاطعة منذ الانتفاضة الزاباتية في الأول من يناير عام 1994.
ويقول ماركوس الذي تخلي عن لقبه العسكري ليصبح «المفوض رقم صفر» إن المسيرة تهدف إلي حشد القوي اليسارية في أنحاء المكسيك من أجل تشكيل حركة وطنية سوف «تقلب المكسيك رأسا علي عقب» تزامنا مع حملة الانتخابات الرئاسية في الثاني من يوليو المقبل.

انتصارات متوقعة
موجة الخصخصة التي اجتاحت التسعينيات في أمريكا اللاتينية استنفدت أغراضها، وتقع علي عاتق اليسار مهمة تغيير بعض مسارات التجارة العالمية وقوانينها، وحفظ دور للدولة وللاستثمارات الاجتماعية.
لم نعد في سنة 1823 عندما أعلن في الولايات المتحدة عن مبدأ مونرو لكي تصبح الأمريكتان ضيعة خاصة تابعة للمجموعة الحاكمة في واشنطن، ولم يعد من السهل إرسال مشاة الأسطول الأمريكي لفرض «النظام» والإطاحة بالحكومات الوطنية أو اليسارية وإقامة الديكتاتوريات العسكرية وتدبير الانقلابات، ولم تعد سياسة «العصا الغليظة والطويلة» تفلح في فرض التبعية الكاملة «للشقيق الأكبر» في الشمال.
وها هي الولايات المتحدة تدفع الآن ثمن سياسات أدت إلي الفقر والمآسي الاجتماعية في أمريكا اللاتينية، وتفشل في فرض منطقة التجارة الحرة للأمريكتين «فيتا» علي الدول الأربع التي تتشكل منها مجموعة «ميركوسور»، وهي البرازيل والأرجنتين وأوروجواي وباراجواي في الوقت الذي تدعم فيه هذه الدول علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا والصين علي حساب واشنطن.
وفي كوستاريكا، يحاول اليساري أوسكار آرياس العودة إلي الرئاسة، وفي نيكاراجوا، أصبح الساندينيون اليساريون.. الأغلبية في المجالس المنتخبة، وخاصة في البلديات، ويستعد دانيل أورتيجا للفوز في الانتخابات الرئاسية القادمة، ومن المرجح أن ينجح «لوبيز أوبرادور»، حاكم ولاية مكسيكو في الوصول إلي مقعد الرئاسة في يوليو القادم.. وعندما يتم تطبيق الفكرة الرائجة الآن في واشنطن، وهي إقامة جدار فاصل بين الولايات المتحدة والمكسيك طوله أكثر من ألف كيلومتر لحماية الأمريكيين من أمريكا اللاتينية، والفكرة تنتظر موافقة مجلس الشيوخ والرئيس بوش، ويبدو أن السبب في طرح هذه الفكرة هي محاولة منع رياح اليسار الزاحف في أمريكا اللاتينية من الوصول إلي الولايات المتحدة!!.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة