دخلت مدينة «دبي» إلي مفردات أحاديثنا اليومية،الشباب يحلم
بفرصة عمل هناك .. والنساء يحلمن بمتعة التسوق هناك ..
ورجال الأعمال يحلمون بصفقة «بيزنس» هناك.
«هناك» .. أي في «دبي» متسع للجميع .. لكن بشرط الاحترام
الكامل للقوانين والتعليمات .. وأي خروج عن «النص» معناه
الحرمان من البقاء علي أراضيها .. والحرمان من دخولها مرة
أخري.
وهذا الانضباط هو سر الطفرة الاقتصادية التي تشهدها هذه
المدينة العربية في دولة الإمارات وهو أيضا سر إقبال
المستثمرين الأجانب علي تشغيل أموالهم فيها .. وهو أيضا سر
التدفق السياحي إليها .. حتي إنها استطاعت في سنوات قليلة،
أن تكون واحدة من أكبر خمس مدن في العالم جاذبة للسياحة ..
وهم يخططون الآن لرفع عدد السياح الذين يقصدون دبي إلي 15
مليون سائح في عام 2010 .. ومن المعروف أن دبي تضم أغلي
فندق في العالم، وهو فندق برج العرب «سبعة نجوم» ويصل سعر
الغرفة المزدوجة إلي ثلاثة آلاف دولار في الليلة الواحدة
.. بينما يصل سعر الجناح الملكي إلي عشرة آلاف دولار في
الليلة .. والغريب أن الفندق محجوز بالكامل في شهري ديسمبر
ويناير من كل عام !
وقد زرت دبي منذ أكثر من عشرين عاما .. كانت مجرد زهرة
تتفتح وسط الصحراء .. ثم عدت إليها في العام الماضي ..
وأحدث زيارة لها كانت منذ أيام مشاركا في مهرجانها
السينمائي .. فقد أنشأوا مدينة إعلامية هدفها تقديم
الخدمات الإعلامية لشبكات التليفزيون ولصناع السينما ..
وأرادوا أن يتوجوا افتتاح المدينة الإعلامية بهذا المهرجان
السينمائي الذي اختاروا له شعارا أن يكون جسرا بين
الثقافات .. واختاروا له رمز الحصان تعبيرا عن البيئة
العربية والقوة والجمال.
وليس حديثنا اليوم عن هذا المهرجان .. ولكن عن هذه المدينة
التي تحولت إلي ورشة عمل هائلة .. وإلي سوق تجارية ضخمة
تصب فيه كل فروع الشركات الأجنبية العملاقة باعتبارها
مدينة مفتوحة لا تعرف البيروقراطية .. ولا تعترف
بالتعقيدات الجمركية .. فهي أرض براح تجري فيها مليارات
الدولارات .. وتستقبل العمالة الوافدة من أكثر من مائتي
جنسية من مختلف دول العالم .. وربما كان أكثرها من اسيا
وتحديدا من الهند وباكستان والفلبين .. ثم من جنوب إفريقيا
والقليل جدا من الدول العربية .. من المغرب وتونس ولبنان
وسوريا ومصر..
ولهذا تجد اللغة السائدة في دبي .. هي اللغة الإنجليزية
بلهجاتها المختلفة .. ونادرا ما تجد من يتحدث إليك باللغة
العربية .. رغم أنك داخل بلد عربي..
أما لغة الأرقام .. فهي لمليارات ! «فقد وصلت مبيعات أراضي
دبي إلي رقم 64 مليار درهم خلال ثلاث سنوات».
وإحدي شركات الإنشاءات في دبي وصل حجم أعمالها إلي 13
مليار درهم.
وفي مجال الاتصالات تم الاتفاق علي تأسيس شركة ثانية تدخل
السوق برأسمال أربعة مليارات درهم.
وربما كان أكثر ما يلفت الانتباه .. هو المنافسة علي بناء
الأبراج السكنية العالية ..
حتي أصبحت مدينة دبي تضاهي مدينة نيويورك في عدد ناطحات
السحاب .. وأحدث برج سكني في دبي يبلغ عدد طوابقه 60 طابقا
.. مصممة علي أن تكون مكاتب عمل وشققا سكنية .. ويبلغ
الإيجار السنوي لأي شقة في هذه الأبراج ربع مليون درهم
سنويا!!
وفي ليل «دبي» يضيئون تلك الأبراج العملاقة ... فتتحول
المدينة إلي ما يشبه الديكور السينمائي الخاطف للبصر ..
بينما تتكدس السيارات الحديثة في شوارع المدينة .. تتحرك
ببطء شديد وسط هذا الزحام من السيارات من كل جانب ..
وأصبحت هذه المسألة المتكررة في أغلب ساعات النهار والليل
مثار شكوي تتناقلها الصحف والتليفزيون..
ولكن المثير للدهشة بالنسبة لزائر مثلي من القاهرة .. أن
هذا الازدحام المروري لا يقطعه أي كلاكس أو شتائم أو أي
محاولة خرقاء لتخطي الصفوف أو العلامات المرورية .. ذلك
لأن العقاب الفوري هو سحب رخص القيادة وتحرير الغرامات
المادية.
وهذا الانضباط المروري .. هو جزء من انضباط كامل في العمل
.. فعدد ساعات العمل لا تقبل الأعذار الوهمية .. ولا مجال
للتزويغ .. فحجم العمل لكل موظف معروف ومحدد زمنيا .. ولا
مجال للتعامل بالورقة والقلم والدوسيهات وملفات الأرشيف ..
وإنما كل العمل يمضي عن طريق شاشات الكمبيوتر .. بلا
تعقيدات إدارية أو وقت ضائع أو أعصاب محترقة.
ولهذا يجد المواطن العادي سهولة في التعامل .. بلا رشاوي
أو وسايط .. «ممنوعة قانونا».
ولهذا أيضا يجد المستثمر الأجنبي الأبواب مفتوحة له في
دقائق قليلة لينهي إجراءات مشروعه الاستثماري..
وهذا الانضباط الكامل والدقيق في العمل .. هو سر النجاح
والازدهار الاقتصادي .. وسيف «التفتيش» أو إنهاء عقود
العمل والإقامة في دبي .. هو الرعب الذي يخشاه الجميع..
ولكن الحياة في «دبي» ليست وردية تماما .. فكل شيء له ثمن
«فالبحث عن مسكن معقول بإيجار معقول مسألة لا تتحق حتي في
الأحلام .. فالأرقام فلكية تلتهم أكثر من نصف الدخل الشهري
لأي مغترب .. وأسعار المواد الغذائية مرتفعة جدا .. لأن
أغلبها مستورد من الخارج ..
ورغم المرتبات التي تبدو مجزية .. إلا أن المعيشة اليومية
لا تترك فائضا معقولا للادخار ولهذا يضطر المغترب إلي أن
يعمل في وظيفة صباحية ووظيفة أخري مسائية وقد تصل ساعات
العمل اليومي إلي 18 ساعة! وقد يستطيع المغترب أن يتحمل
هذا العبء اليومي في مقابل الحلم بالادخار للمستقبل ..
ولكن يصبح الوضع مقلقا بالنسبة للمواطن الإماراتي ابن
البلد نفسها .. ولهذا قد يضطر لأن يسمح لزوجته بالعمل ..
وهو أمر لم يكن متعارفا عليه من قبل!
بل أصبح لافتا للانتباه إعلانات طلب الوظائف في الجرائد من
أبناء البلد نفسها بعد أن كان الأمر مقتصرا علي الوافدين
ممن حضروا بتأشيرة زيارة.
وفي تحقيق صحفي نشرته مؤخرا جريدة «البيان» التي تصدر في
«دبي» قالت : إن ارتفاع نسبة البطالة بين أبناء الوطن
جعلتهم مضطرين إلي البوح بذلك عبر الصحف للحصول علي عمل
مناسب!.
وأورد هذا التحقيق الصحفي حالات من سيدات خليجيات نشرن
إعلانات عن طلب وظائف .. فاعتبر البعض أن هذا الفعل يتنافي
مع التقاليد والعادات المتوارثة .. واعترفت إحداهن أنها في
منتهي الندم لأنها نشرت إعلانا لطلب وظيفة وكتبت فيه رقم
تليفونها .. فانهالت عليها المعاكسات ليلا ونهارا وتشاجر
معها زوجها.
واعترف شباب آخرون ممن نشروا إعلانات طلب وظائف .. بأنهم
قوبلوا بالدهشة والاستنكار من الزملاء والأصدقاء .. كيف أن
مواطنا يبحث عن عمل .. أي مهزلة هذه ؟! وكأنهم ارتكبوا
جريمة ونزلوا بمستواهم إلي مستوي الوافدين!
وأبشع صورة إنسانية تجدها بعد ساعات العمل .. وقد تكدس
عمال البناء الوافدون من الهند وباكستان في طوابير أمام
مقر العمل في انتظار الأتوبيس الذي سينقلهم إلي المجمع
السكني الخاص بهم علي أطراف المدينة .. الوجوه سمراء هدها
التعب والانتظار!
.. والبعض منهم افترش الأرصفة .. ولكن بلا أي غضب أو
احتجاج!
.. لأنهم سعداء بأن وجدوا فرصة عمل بعد أن ضاقت بهم بلادهم
.. وكل أحلامهم أن يظلوا في وظائفهم علي أمل أن يدخروا
شيئا يعودون به إلي بلادهم مهما طالت الغربة..!
وهذا هو حال الدنيا..
وملعون أبو الفقر والاحتياج!