أطلقت نتائج الانتخابات البرلمانية المصرية الأخيرة
ماكينة أسئلة في الفضاء السياسي والاجتماعي، حول الحقيقة
والسراب في الصفقة المباشرة أو غير المباشرة بين أركان
مثلث العولمة في مصر.. أمريكا بنفوذها ومصالحها في المنطقة
وربيبتها إسرائيل! والحزب الوطني الحاكم الذي يستميت في
القتال عن عروش مملوكة وكروش مملوءة! والإخوان المسلمين
الطامحين والطامعين في خلافة تكرس الطائفية والثقافة
القبلية والعقلية الاستبدادية! ملتحفين بالإسلام زورا
وتدليسا.. في محاولة منهم لاستثمار الفزّاعة المتبادلة بين
أمريكا والحزب الحاكم الذي يتقاسم اللعب بالإخوان مع
الأمريكان.
وجاءت الإجابات مسموعة ومقروءة إنها الحرية التي جعلت
البرلمان يعج بالوطني والإخوان.. وقليل من ملح الأحزاب
لزوم الطبخ الديمقراطي!، لكن العقلاء يعلمون أن الذي حدث
لا يتصل بنسب إلي الحرية خصوصا بعد فضيحة الابتزاز العاطفي
الوجداني والرشاوي المادية التي مارسها أدعياء الإيمان
وحماة الأوطان، بالشكل الذي دفع أكثر من 75% من أصحاب
الوطن الحقيقيين إلي أن يكتفوا بمقعد المشاهد المحسور علي
عقول ملغية وحقوق منسية وأجيال تائهة وأوطان ضائعة بين
مهاترات ومبادرات وشعارات، والمعلوم حضاريا وتاريخيا أن
الحرية لا تعني الفوضي في القول والسلوك، لكنها تعني قوة
الإرادة المنضبطة بمقياس الحق والعدل والإخاء والمساواة
بما يخلق مناخا ملائما لنضج الشخصية الوطنية المتحررة من
قيود الجمود والتخلف، وتفجير الطاقات الإبداعية بما يحقق
نهضة الأمة علي سمو المقاصد والأهداف العليا للوطن، وفي
زمن اللاوعي واللامعقول تغيب معالم وملامح الحق والجمال
والحرية وتصبح الأرض مهيأة لعولمة المسار الوطني باتجاه
الأنانية والغوغائية الفوضوية، وتزداد الخطوط الهمايونية
المكرسة للطبقية الاجتماعية والمغيبة لحقوق المواطنة،
فيتحد أصحاب المصالح المشتركة رغم التعارض الفكري!.. علي
وأد تاريخ الوطنية والمساواة والوحدة.
ونحن نعلم مسبقا أن هدف المشروع الأمريكي بالشرق الأوسط
ليس تشجيع الديمقراطية بل يقوم علي دعم جماعات سياسية -
قديمة أو ناشئة - داخل الطبقات العربية الحاكمة أو الراغبة
في الحكم! من شأنها دعم لا عرقلة السياسة الاقتصادية
الأمريكية في المنطقة (تقرير الوكالة الأمريكية للتنمية
الدولية 1990) وهو ما يفسر لنا الزيادة المرعبة في تيارات
الترف والشره والتبذير، وحرص الأغنياء وذوي الجاه والسلطان
والنفوذ - المادي والعاطفي - علي تحقيق شهواتهم وأطماعهم
الدنيوية دون مراعاة لحجم المعاناة التي يعيشها الشعب
المحروم من الطعام والدواء والحرية، بل إنهم أخرجوا
أضغانهم الدفينة في تحقيق نشوة الإذلال لأخوة الوطن وهم
يتسارعون ويتصارعون علي بيع أصواتهم وحريتهم مقابل لقمة
العيش الضائعة في بحور العولمة الغائرة!، وعندما يقف
الوطنيون الأحرار الذين لا يملكون إلا حبهم لبلادهم
ومشروعاتهم الإيجابية الطموحة لإقامة إنسانية واحدة
متساوية الحقوق متآخية الواجبات، توقر قيم الحق والعدل
وتسعي في طول البلاد وعرضها وفق مقتضيات المصلحة القومية
حتي لا يذل مظلوم أو يشقي محروم أو يعبث بالحقوق مغرور،
فإن أمريكا تسعي مع حلفائها القدامي والجدد!! إلي خلق نظم
ديمقراطية من النوع الذي ترغب في تأييده «لاحظ تعليق وزيرة
الخارجية الأمريكية ونائبها المؤيد لنجاح الإخوان والمتستر
علي بلطجة الوطني!» لأن الإصلاح السياسي الحقيقي الذي يقوم
علي تحقيق مصلحة الشعوب قد تترتب عليه نتائج غير متوقعة من
شأنها تخريب الاستراتيجية الأمريكية التي تتمثل في إعادة
الهيكلة الاقتصادية التي تقوم علي فرض الركود الاقتصادي،
وتخفيض قيمة العملة المحلية، وتحجيم الصناعة الوطنية
الداعمة لاقتصاد قوي، وتقليص فرص العمل، وإلغاء القوانين
التي تحمي العمال وتحد من التلاعب في أسعار المواد
الغذائية والأدوية!، وإذا كان الأمريكان قد نجحوا في تمرير
أدوات تنفيذ سياسات العولمة! من الأخوة الأعداء الذين سوف
يشكلون المجلس الموقر!، وبرغم غياب الكفاءات الوطنية
المخلصة من عقلاء الوسط ونشطاء اليسار، إلا أن الأحرار
منهم من أبناء هذا الوطن الحريصين علي مصالح شعوبهم لاتزال
الراية الوطنية في أيديهم جيلا بعد جيل، وسوف تظل النداءات
الفكرية المستنيرة تطرق العقول والقلوب لإيقاظ الحس الوطني
علي خطورة عولمة المسار الوطني علي حساب مستقبل الوطن
وأجياله الواعدة.
فلابد أن يظل الشرفاء - الذين غابوا عن التأثير علي قرار
السياسي والتنفيذي - بفعل فاعل - لكنهم لم يفقدوا مكانهم
ومكانتهم في التأثير علي وجدان شعب صبور - مرفوعي الرأس
لأنهم سوف يكونون الغائب الحاضر في المشهد السياسي المصري
لأن الجميع يعلم أن الذين غابوا عن الساحة في الانتخابات
الأخيرة هم رجال علي مستوي مسئولية الكلمة وشرف الرسالة
والأمانة الوطنية برغم الغوغائية السائدة.
إن أصحاب الدعوة إلي نظام اجتماعي كامل يحقق العدل بأسمي
صوره، عليهم مواصلة الكفاح السياسي لنيل المطالب في تحقيق
حد الكفاية لهذا المجتمع الذي غرست العولمة في حلقه طعم
العلقم ومذاق الصبر!! مجتمع يسعي إلي العدل في توزيع
الثروات، والعدل في المشاركة في السراء والضراء، العدل في
تحمل الكوارث، العدل في مواجهة أعباء الحياة كل حسب قدرته،
العدل في أن يحصل الضعيف والمسكين والأرملة واليتيم علي
حقه في الحياة كما يعيشها الأقوياء والقادرون، العدل أن
يتحمل كل وطني تبعات القضاء والقدر حسب السلم الاجتماعي
الذي يعيشه.
هذه البنود الإنسانية الحضارية تنتظر قادة الوطن الأحرار
من الوسط واليسار ليصححوا للأمة المسار، ولسوف يأتي بهم
الوطن قريبا، ويطرد أهل الفوضي والغوغائية والشعارات
الفضفاضة، لأن الحاجة أم الاختراع.. وساعتها لن يغني عن
أمريكا وحلفائها الحذر من النجاحات الخاطئة..!!.