يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1261 (4 - 11) يناير 2006)
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

خالد محيي الدين ومسيرة كفاح وقلب يتسع للجميع

 
 

عادل وديع فلسطين

 

 
بعد أن وقعت الواقعة00 وسقطت الدائرة وسقط معها المجلس النيابي مع كل الانحرافات والمخالفات الجسيمة التي رصدت في الانتخابات الأخيرة، وفقد الزعيم مقعده00ومع هذه الظلال الكئيبة التي تسيطر علي المناخ الديمقراطي00سرحت وتأملت وتذكرت المشاعر التي انتابني أثناء توجهي لمقابلة الأستاذ خالد محيي الدين لدعوته لتشريفي بحضور حفل قران ابنتي انجي00 عدت بالذكريات والخيال إلي الماضي البعيد00 أيام قيام ثورة يوليو 1952 وكان عمري آنذاك 12 عاما- وحاصرتها طيلة شبابي وتساءلت : هل كنت أتصور في ذلك الوقت وأنا المواطن العادي00 أنني يوما ما سأقابل هذا الرجل الذي كان من أبرز قواد الثورة وأكثرهم شبابا وحيوية وقبولاً00؟ طبعا كان هذا حلما بعيدا وخيالا00ولكن ها أنذا في طريقي إليه00ودخلت فعلا غرفة مكتبه في الحزب00 الغرفة عادية جدا صغيرة خالية من أي معالم للبهرجة ويجلس الزعيم خلف مكتبه وفي حضرته مواطنون بسطاء00ولا مكان لقيود أو مراسم لمقابلته0 وقارنت لحظتها بينه -وهو الإنسان العريق ذو التاريخ والأصل الأرستقراطي - وبين رجال هذا الزمان00 من وزراء ومحافظين وحتي رؤساء مجالس الإدارات الذين ينفقون أموال الشعب لعمل ديكورات وصالونات في مكاتبهم والتي هي - بكل تأكيد- مؤقتة وليست كغرفة مكتب الزعيم والتي تستحق أن يفعل بها ما يحلو له لأنها غرفة دائمة0
لقد تحلي خالد محيي الدين منذ طفولته بالمشاعر الدينية المتدفقة00 مع إحساس عميق بحب الوطن0 بدأ العمل السياسي وهو ملازم صغير في سلاح الفرسان- اشترك في اجتماع نادي الضباط بعد حادث 4 فبراير معبرا عن روح وطنية معادية للاحتلال البريطاني0
ومع كفاحه السياسي تتجلي رقته وبعده عن العنف وحبه لشعبه ففي عام 1946 تقرر إرساله ضمن قوة من الفرسان إلي المنصورة لمواجهة المظاهرات وعندما بدأت القوات في استعمال الشدة00 قال لثروت عكاشة : «كيف نضرب المواطنين الذين يتظاهرون طلبا للاستقلال»، وطوال فترة مشاركته في الحكم لم يؤيد سفك الدماء0 فبداية لم يوافق علي إعدام الملك فاروق بل طالب بنفيه فقط00كما أنه لم يوافق علي إعدام (خميس والبقري) اللذين تزعما احتجاجا عماليا00 صحيح تم إعدامهما ولكن دون موافقته ولكن نجح في إنقاذ حياة عدلي صالح لملوم أحد الإقطاعيين في المنيا ، وفي واقعة أخري عندما قرر مجلس الثورة معاقبة بعض رجال المدفعية باعدامهم، عارض ذلك أيضا00 كما أصر بعد ذلك في التراجع عن إعدام إبراهيم عبد الهادي باشا0
إن خالد محيي الدين لم يكن من الضباط الأحرار الذين انضموا في أوقات مختلفة متلاصقة للتمهيد أو للقيام بالتحرك العسكري ليلة 23 يوليو00 بل إنه من أول المؤسسين لهذه الحركة00 فلقد حضر أول اجتماع للضباط الأحرار- الخلية الأولي- في منزل جمال عبد الناصر عام 1949 - مع عبد المنعم عبد الرءوف وكمال الدين حسين وحسن إبراهيم0 واتفقوا علي أن يلتقوا في اجتماعات متقاربة وأن يعمل كل منهم في سلاحه لتجميع أكبر عدد من الضباط للحركة0
وفي عام 1950 عندما تقرر إصدار المنشورات، تحمل هو مسئولية إصدار أول منشور00 بتوقيع «الضباط الأحرار»00 وتوالت المنشورات00والتي كان يعارضها أول الأمر جمال عبد الناصر00والتي بعد ذلك تضمنت «أهداف الضباط الأحرار»0
وبدأت الأمور تتداعي00 فكان حريق القاهرة في يناير 001952 ثم أزمة انتخابات نادي الضباط والتي تحدي فيها الضباط الشجعان إرادة الملك فاروق00 ولكن تتسرب المعلومات عن نشاط الضباط الأحرار إلي السراي00 كل هذه الأمور عجلت بقرار قيام التحرك العسكري والذي تم ليلة 23 يوليو 01952
قاد خالد قواته من المدرعات (مع حسين الشافعي وثروت عكاشة) وحسب الخطة سيطر بقواته علي قلب المنطقة العسكرية من بداية شارع الخليفة المأمون حتي ميدان العباسية ونجح في تحقيق السيطرة الكاملة وإنجاح الثورة00 مع قوات يوسف صديق التي تقدمت واحتلت مقر القيادة وقبضت علي كبار الضباط0
ورغم أنه أصبح واحداً من الحكام00 سعيدا بعربة جيب وسائق رغم ذلك لم يترك ضباطه وجنوده في سلاح الفرسان00 وكان يهتم بمشاكلهم وطلباتهم وحتي طلبات أقاربهم00 ولم ينس بالطبع ابناء كفر شكر فكرس جهده لخدمتهم00 والتي استمرت لأكثر من نصف قرن0
كان يضع المبادئ التي قامت علي أساسها حركة الضباط الأحرار نصب عينيه00 الديمقراطية 00 الانتخابات الحرة00 البرلمان وسيادة الشعب، وكان يندهش عندما يجد أساطين القانون الدستوري يحرضون رجال الثورة علي انتهاك هذه المبادئ والدعوة إلي الديكتاتورية وتعطيل الحياة النيابية0
وكانت له مواقف مشهودة من أجل فقراء الشعب، فمن أجل الفلاحين كافح من أجل صدور قانون الإصلاح الزراعي0 ومن أجل العمال طالب بحقوقهم 00 ومنع الفصل التعسفي وحقهم في التظاهر0
وبتمسكه بمبادئ الديمقراطية، بدأت الحساسية تزداد تجاه مواقفه المخالفة لجميع زملائه والذين تطلعوا للسيطرة الكاملة لمجلس القيادة بديكتاتورية مقنعة دون التوجه إلي الشعب بالانتخابات وتشجيع الأحزاب وقيام دستور جديد، في الوقت الذي كان يحاول اقناعهم بأنه يمكن أن تستمر الثورة في ظل نظام ديمقراطي مؤمنا بقوة هذا الشعب الذي كانوا يدعون إنه لا يستطيع تحمل مسئولية الحرية0
ولكي يتذكر عمال مصر كيف وقف خالد محيي الدين بجانبهم مدافعا عن حقوقهم ترجع إلي الأذهان الواقعة التي أثارت خلافا كبيرا بينه وبين زملائه، والتي أدت إلي تقديم استقالته من مجلس القيادة، فقد كانت الحركة النقابية تجهز لعقد مؤتمر لإعلان اتحاد عام للعمال0 صدر قرار بعدم عقد المؤتمر، وكان صاحب الاقتراح بمنع قيام هذا الاتحاد هو سيد قطب والذي اسهم في إعداد مشروع قانون لعقد العمل الفردي والذي كان مجحفا بحقوق العمال، واعتبر مجلس القيادة أن اعطاء الحقوق التي يطالب بها خالد محيي الدين تدعو إلي الفوضي، وحتي مطالبته بتقنين عملية الفصل التعسفي وحق العامل في اللجوء إلي المحكمة إذا فصل تعسفيا وعودته إذا رأت المحكمة ذلك، رفض المجلس هذا الاقتراح، وقال عبد المنعم أمين «إننا بحاجة إلي ديكتاتورية صناعية مادمنا قررنا إقامة ديكتاتورية عسكرية»0 وعلي هذا قدم استقالته موضحا بها كما جاء في كتابه «والآن اتكلم» إنه أصبح يشعر بأنه لا يستطيع أن يؤدي خدمات لبلده وللشعب المصري لأنه فقد القوة الدافعة للعمل بسبب الاختلاف البين بين رأيه ورأي جميع الزملاء أعضاء مجلس الثورة0 خاصة في المشكلة المهمة حول حقوق العمال0 ولكن رفض جمال عبدالناصر الاستقالة0
أما عن قصة الصراع بين الرئيس الراحل محمد نجيب وبين أعضاء مجلس قيادة الثورة فهي قصة طويلة مليئة بالأحداث، حاول فيها رجال الثورة التقليل من سلطات رئيس الجمهورية والذي كان يريد تجميع كل السلطات بين يديه ولا يريد أن يهمش00 وقد وقف بجانبه خالد في أحيان كثيرة بمفرده ضد الجميع عندما حاولوا التخلص منه، وحينما قامت الأزمة الكبري التي كادت تطيح بنجيب00 اضطر المجلس للرضوخ إلي مطالب الجماهير واقترحوا أن يعود نجيب رئيسا للجمهورية00ويستقيل مجلس الثورة وتشكل حكومة مدنية برئاسة خالد محيي الدين وأن تعود الحياة النيابية خلال فترة ستة أشهر وهو ما عرف بقرارات 26 فبراير، وأقر جمال عبد الناصر قائلا «يا جماعة بصراحة مافيش حد مقتنع بعودة الديمقراطية والحياة النيابية إلا خالد00إذن يبقي هو ونحن نستقيل ويحقق هو الأهداف التي نادي بها»0 ولكن التمثيلية أخرجت باتقان ووجه بغضب شديد من بعض الضباط الذين رفضوا استقالة مجلس الثورة لدرجة أن أحد ضباط البوليس الحربي حاول الاعتداء عليه، وطالب جمال سالم أن يقوم سلاح الطيران بقذف سلاح الفرسان بالصواريخ وثار بالطبع ضباط الفرسان وكادت قوات الجيش بأسلحته المختلفة تتصادم وهي في حالة انقسام- المهم إنه لم تنفذ هذه القرارات، وعاد نجيب إلي الحكم، بقرارات 5 مارس ويستمر مسلسل الصراع ويرتب جمال عبد الناصر للرجوع عن القرارات التي اتخذت لصالح النظام الديمقراطي في 5 مارس وكان يستند علي أغلبية ضباط الجيش الذين كانوا يؤيدون استمرار الثورة، وكان معه أيضا قطاع كبير من الجماهير ومعه أيضا الصحف والإذاعة والأمن والمخابرات وهيئة التحرير0 وتم بالفعل عقد اجتماع لمجلس قيادة الثورة أصدر فيه قرارا بإلغاء قرارات 5 مارس0 ولكن المهم في هذا الموضوع أن خالد محيي الدين قرر ألا يحضر هذا الاجتماع ووقع الجميع إلغاء القرارات الديمقراطية والرجوع عنها إلا خالد الذي اختفي بإرادته عن مسرح الأحداث ولم يعرف أحد مكانه0 ثم عاد ليقدم استقالته النهائية- وغادر البلاد منفيا إلي سويسرا، ثم يعود بعد أن يصدر قرار احالته إلي المعاش ويطلب منه الرئيس عبد الناصر رئاسة تحرير جريدة المساء، واختيرت له مسائية لكي تكون محدودة الانتشار والتأثير ولكنه جعل منها صحيفة واسعة الانتشار وتنقل عنها صحف الصباح وقدم من خلالها عشرات الأسماء التي لمعت في عالم الصحافة0
هذا هو الرجل الحر00والذي بسيرته الذاتية وكفاحة يمكن أن يكون نبراسا للذين يعملون ويهتمون بالعمل العام0 ولكن كما قال إنه كان يمتلك وجهة نظر ومبادئ ولكنه لم يحاول أن يحشد قوي كافية لتأييد أفكاره0 أو ربما لأنه لم يحاول القيام بالصفقات المريبة مع حزب الوفد (في ذلك الوقت) أو الشيوعيين أو الإخوان المسلمين0 وحتي مع البداية ومع الاتصال بالإخوان المسلمين بدأ يتباعد بسبب عدم الوفاق وأصبح يتشكك في النوايا وغير متحمس، حتي الجماعة في المقابل استشعرت أنه لا يمتلك الوفاء الكافي فابتعدت هي أيضا عنه0
وبرغم إلحاح الإخوان المسلمين بضرورة التحاق الضباط الأحرار بالجماعة بحجة احتياج الحركة إلي قوة دافعة تساندها إلي أن هذا المطلب رفض بالإجماع0
وتدور الأيام وتتكتل جماعة الإخوان في الانتخابات الأخيرة وتدخل مع حزب التجمع في معركة انتقامية بسبب موقف الحزب المبدئي وغير المتغير وغير القابل للشراء أو عقد الصفقات التي تبعده عن المبادئ التي اختارها، ومركزة كل هجومها وخططها ضد الرمز الكبير، رافعة شعار لا يقنع العقل عند الجماهير ولكنه يستنفر المشاعر الدينية عند بسطاء القوم، وعند المحتاجين الفقراء الذين يبيعون أصواتهم بسبب الفقر والعوز والحاجة الماسة للقمة العيش ناظرين تحت أقدامهم غير مبالين بالمستقبل- كما أن التلاعب غير الأخلاقي ساهم فيما حدث بدليل العثور علي بطاقات الانتخاب في الشوارع وعلي الأرض تصرخ بالتزوير0
انني أتمني أن يقرأ كل مصري كفاح خالد محيي الدين00 لكي يعرف من كان يمثله في المجلس النيابي- ذي الرؤية السياسية الواعية المستقبلية0 وأن غدا لناظره قريب وأدعو الله أن يمتع الزعيم بالصحة لكي يسترد مقعده في المجلس القادم إن شاء الله ليثري العمل الجاد والتشريع الذي يثبت أقدام الديمقراطية في مصر0
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة