لو أن الدكتور نظيف قدم هذه القائمة من الوزراء للرئيس
جمال عبدالناصر.. لدخلوا جميعا بربطة المعلم.. معتقل
الواحات!.
عندما يتحدث الناس في صالون الحلاقة.. عن رفاهية العصر
الذي نعيشه.. فإنهم يرمزون لذلك بالسيارة «ليكساس» التي
تنتجها المصانع اليابانية.
في كل يوم ينتج المصنع الياباني 300 سيارة ليكساس يشترك في
صنعها 310 إنسان آلي.. و66 إنسانا بشريا.. مثلي ومثلك.. لا
عمل لهم سوي مراقبة الجودة.
الإنسان الآلي ينجز كل الأعمال.
ذراع الإنسان الآلي تتحرك.. وتثبت المسامير «المقلوظة»..
وتلحم الأجزاء ببعضها.. وتصنع المطاط المنصهر.. الذي يثبت
الزجاج الأمامي والخلفي.. وإذا شعرت بوجود بشر يعترض
طريقها.. أطلقت إنذارا يقول «بيب.. بيب.. بيب».
ومن ثم يقول الناس في صالونات الحلاقة.. إننا نعيش عصر
السيارة «ليكساس»!.
عصر الإنسان الآلي الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يحب.. ولا
ينجب ولا يشترك في الانتخابات «النزيهة»!.
هو إنسان آلي في عصر السيارة «ليكساس».
أما عندنا.. فقد دخلنا منذ أيام عصر السيارة الشيفروليه..
بانضمام رجل الأعمال البارز منصور شيفروليه للتشكيل
الوزاري الجديد.. ومعه نخبة من ألمع رجال الأعمال.. الذين
يحملون الجنسية المصرية.
وقدمت لنا صحف الحكومة السيد لطفي منصور المعروف محليا
باسم «منصور شيفروليه» والذي سيشغل منصب وزير النقل.. بأنه
حاصل علي بكالوريوس الهندسة من أمريكا سنة 1968 وعلي
ماجستير إدارة الأعمال من أمريكا.. وأنه عمل بالتدريس في
أمريكا.. وأنه مؤسس شركات المنصور شيفروليه للسيارات.. وهو
عضو مجلس مركز الدراسات العربية بجامعة جورجتاون.. ومن
أقرب رجال السيد جمال مبارك!.
وقدمت لنا صحف الحكومة الدكتور أمين أباظة الذي سيشغل منصب
وزير الزراعة إنه تخرج في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
بجامعة القاهرة.. وأسس شركة النيل لتجارة الأقطان.. وأصبحت
الشركة الأولي في تصدير الأقطان المصرية للخارج.. ولا
علاقة له بالزراعة!!.
وقدمت لنا الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة بأنه يمتلك
مستشفي دار الفؤاد.. ويشارك الدكتور محمد عبدالوهاب في
ملكية «كايرو سكان».. ومعمل البرج.
وقدمت لنا السيد أحمد المغربي وزير الإسكان والمناطق
العشوائية الجديدة.. وكان يشغل منصب وزير السياحة في
الوزارة السابقة.. باعتباره من كبار رجال السياحة.
أما وزير السياحة زهير جرانة.. فهو حفيد زهير جرانة
«الكبير».. أحد رموز ساسة ما قبل ثورة 1952.. وهو عضو
بالغرفة الأمريكية وله شركة سياحية.. ترتبط مصالحها مع
«بيزنس» مجموعة المغربي.
ويقال إن اختيار هؤلاء الرجال كان يستهدف تخفيف الضغط
الأمريكي علي الرئيس حسني مبارك!.
ومعني هذا الكلام أن رجال الأعمال الذين شغلوا المواقع
الوزارية في حكومة نظيف الثانية.. هم نسخة مكررة من السيد
منصور شيفروليه.
هم من كبار رجال التجارة.
والتجارة شطارة.
هم من رجال «العولمة» والاقتصاد الحر.. ودعه يعمل، دعه
يمر.. وليس لدي أي منهم فكرة عن «الميثاق» وحتمية العمل
الاشتراكي.. ولا كمشيش.. واستشهاد المناضل صلاح حسين.. ولا
الرجعية التي تجسدت في نفر قليل من عائلة الفقي (!!) التي
كانت تستغل الفلاحين.. وتشكل الرأسمالية الطفيلية في
القرية المصرية بعد صدور قانون الإصلاح الزراعي في سبتمبر
سنة 1952.. إلخ.
لا.. منصور شيفروليه.. ولا رفاقه من رجال الأعمال في حكومة
الدكتور نظيف.. لديهم فكرة عن تحالف الرجعية.. ورأس المال
المستغل.
ولا.. عن «التفاعل الديمقراطي» بين قوي الشعب العامل.. من
فلاحين وعمال وجنود ومثقفين.
ولذلك فلو أن الدكتور نظيف كان قد عرض هذه القائمة من
الوزراء علي الرئيس جمال عبدالناصر.. لكان الحال غير
الحال.. ولدخلوا جميعا.. وبربطة المعلم.. معتقل الواحات!.
ولكن الزمن تغير.. وسبحان مغير الأحوال ومبدل الأزمان.
نحن الآن في زمن العولمة.
وقريبا ستقول حكومتنا.. للحكومة الأمريكية:
قومي.. وأنا أقعد مطرحك!.
وسيصبح الضغط الأمريكي علي حكومتنا.. لينا!.
***
الفرق بين السيارة «ليكساس» عندهم.. ومنصور «شيفروليه»
عندنا.. أنهم يصنعون السيارة «ليكساس».. أما نحن فنستورد
الشيفروليه.. والمرسيدس.. والجبنة الرومي.. والحلاوة
الطحينية.. والفول المدسم.. وسجاجيد الصلاة.
نحن نستورد كل ما يخطر علي البال، من الإبرة.. وحتي
الكليبات الخليعة.
ولذلك فإن التشكيل الوزاري الجديد.. وما يسمي ب
«التكليفات» الموجهة إليه.. لن يفيد هذا الواقع.. بل قد
يؤدي إلي تكريسه.
التشكيل الوزاري لم يضم من لهم أي تاريخ في الصناعة.. أو
حتي الزراعة.. أو توطين الصناعات البسيطة.. الكثيفة
العمالة.
بل ضم مجموعة من أبرز رجال الأعمال.. الذين حققوا ثرواتهم
من صفقات تجارية.. اعتمدت في جوهرها علي استيراد السلع
التي تلبي حاجات الطبقة العليا في البلد.. أو تقديم
الخدمات الرفيعة التي لا يتحملها سوي أبناء هذه الطبقة.
نحن إذن أمام حالة عكسية.. لما يسمي عصر السيارة «ليكساس».
في عصر السيارة «ليكساس» اليابانية.. تقدم الصفوف نخبة من
علماء البلد.. ومن رجال الصناعة فيها.. ومن نظام سياسي وقف
خلف العلم والعلماء.. وحارب «الهمبكة».
أي أنه عصر اعتمد علي منظومة تقوم علي رؤية واضحة.. لتوطين
الصناعات رفيعة المستوي.
وكان من الطبيعي أن تجتذب هذه الرؤية.. الاستثمارات من
اليابان.. ومن خارجها لما يحمله المشروع القومي من عناصر
النجاح.. وأن يحمل العصر الذي نعيشه اسم «عصر السيارة
ليكساس».
بالنسبة لنا في مصر.. اعتمدت الرؤية السياسية.. علي مجموعة
هائلة من الأفكار «الضبابية».. أضفت علي المستقبل «شبورة»
ثقيلة.. تحجب الرؤية.. ولا تبشر بالآمال المشرقة.
والدليل علي ذلك أن الأرقام التي أعلن رجال الأعمال في
الوزارة الجديدة سعيهم لتحقيقها.. لا تقوم علي أي أساس
منطقي مثل استصلاح مليون فدان.. بما يتيح 420 ألف وظيفة
جديدة (!!).
وبناء مليون وحدة سكنية للشباب.. بواقع 15 ألف جنيه للشقة.
توفير 48 مليار جنيه استثمارات جديدة بواقع 8 مليارات جنيه
سنويا.. وإنشاء 75 ألف فندق وقرية سياحية بما يتيح 2.1
مليون فرصة عمل (!!).
وهلم جرا.
وكلها أرقام وتوقعات لا تقوم علي أي أساس علمي أو منطقي..
ولا نعرف من أين جاء الوزراء الجدد بهذه الأرقام.. التي
يقال إنها جاءت في برنامج الرئيس المنتخب.
إلا أنها تعكس «العقلية» السائدة.. عقلية التجارة
والشطارة.. والبحث عن أسواق خارجية لتشغيل العاطلين
المصريين.. وترديد أرقام يصعب الاقتناع بصحتها.
تعكس عقلية السيارة ال «شيفروليه».
عقلية «البيزنس».. والتوكيلات الأمريكية.. وتوفير السلع
والخدمات اللازمة للطبقات العليا.. القادرة علي الدفع
والعلاج والاستشفاء.. وقضاء الإجازات في المنتجعات.
مبروك علينا السجائر الأمريكية ومطاعم الماكدونالدز وسلسلة
متاجر «مترو».. وديزني لاند.
سيغرقنا رجال الأعمال في بحور من العسل الأمريكي.
مبروك علينا العسل.
***
في ترجمة سريعة لخطاب الرئيس مبارك في عيد العلم.. صدرت
القرارات الفورية بتعيين السيد كمال الشاذلي رئيسا للمجالس
القومية المتخصصة.. من باب وضع الرجل المناسب في المكان
المناسب!.
الرجل الذي كان يقوم بدور المايسترو.. في مجلس الشعب.. وفي
برلمان «سيد قراره».. أصبح المايسترو.. الذي يقف أمام أرقي
علماء مصر ملوحا بعصاه.. ليرددوا خلفه نشيد.. بلادي..
بلادي.. بلادي.. لك حبي وفؤادي!.
سيصبح سيد قراره علي المجالس القومية المتخصصة!!.
وستكون مهمته توفير الضمانات لحرية البحث.. والفكر..
والرأي.. والتعبير.. وإبداعات الفنون والآداب.. والتفاعل
غير المسبوق لاستكمال مراكز التميز في.. الهندسة
الوراثية!.
واستكمالا للترجمة السريعة.. صدرت القرارات بالاستغناء عن
خدمات الدكتور عمرو سلامة.. الذي قام خطاب الرئيس في عيد
العلم.. علي تقاريره.. وعلي رؤيته لعمل وزارته خلال
السنوات القادمة.. بما يعكس «التناغم» في وضع السياسات
العليا للدولة.. في ضوء القرار الشجاع الذي اتخذه الرئيس
بتعديل المادة 76 من الدستور!.
وبالتالي فلم يعرف رجل الشارع.. سبب خروج عمرو سلامة.. ولا
سبب دخول كمال الشاذلي.. كما لم يعرف رجل الشارع سر دخول
ممدوح البلتاجي وزارة الإعلام.. ثم خروجه ودخول أنس
الفقي.. وفق مذهب «ولا عرفوا إيه وداك.. ولا عرفوا إيه
جابك»!.
خروج الوزراء ودخولهم.. سياسة عليا.. لا ينبغي أن يحشر
الناس أنوفهم فيها.
المهم.
أن السيد كمال الشاذلي.. بخبرته الطويلة في مسيرات التأييد
والمبايعة ورفع الأيادي بالشكر والمبايعة.. سيصبح المسئول
عن المجالس المتخصصة التي يقضي بها كبار علماء هذا البلد
أوقات فراغهم.
إنها أشبه بالمقاهي التي يرتادها.. كبار المسنين.. وسيصبح
السيد كمال الشاذلي.. هو العقل المفكر.. لتزويد أرباب هذه
المقاهي بالحكايات المعاصرة.. التي لا يصدقها العقل.
سيرويها همسا.. بعد أن يتلفت حوله.. لأن للحيطان أذانا
تسمع بها.. وعيونا تحركها الأقمار الصناعية الملعونة.
ستختفي الكلمات النارية التي كان يلقيها أمام مجلس الشعب..
والتي كانت مزيجا بين «النظم» و«النثر».. ويظنها السامع
شعرا!.
واختلف الناس في فصاحة الشاذلي فقال البعض إنها «البلاغة»
وقال بعض آخر إنها عبرة لأهل النحو والصرف والجر.. وقال
بعض ثالث إنها لغة القيس بن حجر.. وهي لغة تطرب لها طواويس
الجنة!.
وبالنسبة لي فسوف أفتقد صوت السيد الشاذلي.. وهو يمسك
بالميكروفون.. مخاطبا الدكتور فتحي سرور.. بجملة:
سيادة «الرئئيس»!.
كان تلحينه لكلمة سيادة «الرئئيس» انفرادا لم يسبقه إليه
أحد من كبار الملحنين.
الآن سينتقل السيد الشاذلي للمجالس القومية المتخصصة..
ومعه عدد من الوزراء الذين لم يشملهم التعديل الوزاري..
لحل مشاكل البلد.
ولذلك فما كادت الجماهير تعلم بالقرار حتي انطلقت المسيرات
الشعبية تطوف بمنزل «سيدنا» كمال.. تحمل المزاهر والدفوف
وتطلق الزغاريد.. وترفع الأعلام وصور السيد جمال مبارك
للتعبير عن فرحتها.. بوضع الرجل المناسب في المكان
المناسب.. وعزم الدولة علي ضمان حرية الفكر والتعبير
وإبداعات الفنون.
تصور البعض أن المسيرات الشعبية.. كانت «للشماتة» بيد أن
ذلك غير صحيح.
الصحيح هو أن المسيرات الشعبية.. كانت للتعبير عن الفرحة
باقتراب حل مشاكل البلد.. واقتراب اختفاء السحابة السوداء
في سماء العاصمة.. واختفاء صورة السيد الشاذلي من برامج
التليفزيون!.
ومن يدري.. فربما يأتي اليوم الذي تصل فيه الوفود السياحية
من أطراف العالم لمشاهدة أهرامات الجيزة.. والمقعد الذي
كان يشغله السيد كمال الشاذلي.. في مجلس الشعب!.
ويصبح السيد الشاذلي أحد أهم مصادر البلد من العملات
الصعبة.