يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1261 (4 - 11) يناير 2006)
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

مساهمة المريض في تكاليف الخدمة يلغي حق الرعاية الصحية

 
 

د. محمد حسن خليل

 

  نشرت الأهالي في عددها السابق دراسة د0 عبد المنعم عبيد حول مشرع قانون التأمين الصحي، وننشر في هذا العدد دراسة للدكتور محمد حسن خليل وتفتح «الأهالي» بذلك باب الحوار حول هذه القضية المحورية ويهمها أن تتلقي اسهامات الخبراء والمختصين والمنتفعين أيضا0
طوال الصيف الفائت وحتي الآن يكثر الحديث عن قانون التأمين الصحي الجديد الذي تعتزم الحكومة الجديدة تقديمه لمجلس الشعب الجديد في يناير المقبل وسرعة إقراره، وفي نفس الوقت لا يوجد نص القانون بين أيد الملايين ممن سوف يطبق عليهم هذا القانون، كما كانت هناك بروفة سابقة في صيف عام 2000 لما يحدث الآن حين أعلن الأهرام في العنوان الرئيسي أن مجلس الوزراء سوف يناقش مشروع قانون التأمين الصحي الجديد تمهيدا لإحالته إلي مجلس الشعب «يوم الخميس القادم» لإقراره، ثم أغلق الموضوع طوال تلك السنوات أيضا دون نشر مشروع القانون..
سرية وتعتيم
وهذا التعتيم والسرية لا يشمل فقط نص القانون، ولكنه يمتد ليشمل تفاصيل ميزانية التأمين الصحي التي لا يعلم المواطنون منها إلا أقل القليل مما صرح به وزير الصحة السابق أو رئيس هيئة التأمين الصحي في الأحاديث الصحفية حيث تستخدم الأرقام فقط في البرهنة علي الاتجاه الذي تنوي الحكومة السير فيه في تعديل القانون، أما كتاب الإحصاء السنوي الذي تصدره الهيئة العامة للتأمين الصحي وغيره من البيانات والإحصاءات الخاصة بوزارة الصحة فتعامل كالأسرار الحربية ولا يستطيع حتي الصحفيون والباحثون المتخصصون الحصول علي النذر اليسير منها إلا بشق الأنفس.
ونحن نعتمد هنا أساسا علي نص مشروع القانون الذي وزع علي أعضاء مجلس الشعب في عام 2000 ثم أعيد توزيعه أيضا منذ بضعة شهور بنفس النص كما نعتمد علي الأرقام الواردة في دراسة لرئيس هيئة التأمين الصحي السابق قدمت للمجالس القومية المتخصصة حول تكاليف واشتراكات المجموعات المختلفة من المؤمن عليهم، وعلي من أنكر إبراز الوثائق الصحيحة!!.
وخلاصة ما تدعو إليه الدعاية الحكومية أن التأمين الصحي يواجه عجزا مزمنا في ميزانيته كما يواجه تدهورا متزايدا في مستوي الخدمة، والقانون الجديد سوف يحل المشاكل كلها، وهو يدور في إطار الخصخصة وإخضاع التأمين الصحي للمبدأ التجاري «مع الحفاظ علي صحة المواطنين كما يقولون».
ولكن الدراسة التفصيلية تسمح لنا بأن نكتشف حقيقة ما يقال عن خسارة التأمين الصحي:
* التأمين الصحي علي طلبة المدارس والممول من المصاريف المدرسية والتمويل الحكومي البسيط وضرائب غير مباشرة علي السجائر وغيرها يغطي تكلفته ويوجد به فائض.
* التأمين الصحي علي العاملين بالقطاعين العام والخاص حيث يدفع المؤمن عليه 1% من مرتبه ويدفع رب العمل 3% يغطي تكلفته أيضا حيث يبلغ متوسط ما يدفع سنويا 180 جنيها وهو أيضا متوسط الإنفاق.
* التأمين الصحي علي العاملين بالحكومة لا يغطي سوي حوالي ثلث إنفاقه «مدفوعات حوالي 43 جنيها مقابل حوالي 150 جنيها مصروفات» ولكن علينا أن نتذكر أن الحكومة هي التي خفضت الاشتراكات للنصف «5،0% من المرتب، 5،1% يدفعها صاحب العمل أي الحكومة بدلا من 1% و3% علي التوالي، وهذا اعتبارا من عام 1975، ويسهل التصحيح بالعودة للنسب القديمة».
* ويحقق التأمين الصحي الخاص بالمعاشات ومعاشات الأرامل خسارة حيث لا يوجد مساهمة لرب العمل.
موافقة اتحاد العمال
وعلي هذا فإذا نفذت الحكومة ما تقوله عن توحيد القوانين الخاصة بالتأمين الصحي وزيادة الاشتراكات بالخصم علي أعلي شريحة «5،1% من مرتب العامل و4% علي صاحب العمل مادة 4، ثانيا» فإن هذا كفيل بحل المشكلة المالية، وهذا لا يمانع فيها المؤمن عليهم نظرا لتواضع الزيادة «علي الأقل كما بدا من موافقة اتحاد العمال علي ذلك».
ولكن القانون الجديد لا يقتصر علي زيادة نسبة الاشتراكات بل يتعدي ذلك إلي مساهمة المنتفع بثلث ثمن الدواء خارج المستشفي ما عدا الأمراض المزمنة وكذلك مساهمته في تكاليف الخدمة بما لا يتجاوز ثلث السعر أو التكلفة، أي تكلفة الفحوص والعمليات والإقامة والتأهيل وخلافه حيث إن هذا التعميم يفتح الباب واسعا ولا يحد منه النص علي أن الوزير بيده قرار تحديد النسبة أو الإعفاء منها «مادة 4، ثالثا».
إننا هنا نواجه خللا بالغ الخطورة فيه مساس بمبدأ التأمين نفسه حيث جوهر التأمين هو دفع متوسطات فقط بالإضافة إلي رسوم رمزية بدلا من الاضطرار إلي تحمل مبالغ ضخمة فجأة في حالة المرض، أما دفع نسبة بدون حد أقصي فتعرض ا لمؤمن عليه لدفع مبالغ غير محدودة قد تصل إلي آلاف الجنيهات، وهي ثلث تكلفة قسطرة القلب العلاجية أو جراحات المخ أو علاج الأورام مثلا، ولن يفيد الادعاء بأن الوزير سيراعي الحالات الخاصة إذ إن الأصل أن يضمن القانون الحق ولا يترك في يد قرار إداري.
بل إن القانون يفتح الباب أمام زيادة تلك النسبة من المرتب التي يتم خصمها« 5.5% في القانون الجديد» بقرا إداري وليس بتعديل قانوني حيث تتيح المادة الثامنة من القانون أنه يجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء علي عرض وزير الصحة تعديل قيمة الاشتراكات بناء علي فحص المركز المالي للتأمين الصحي الذي تحول إلي صندوق لخمس سنوات! إن هذا البند يسلب القانون مغزاه كعلاقة تعاقدية بين طرفين علي أسس محددة ويعطيها للسلطة الإدارية تصنع بها ما تشاء فلا يوجد في القانون - إذا تم إقراره بهذه الصياغة - ما يمنع من أن يستيقظ المؤمن عليهم ليجدوا أن اشتراك التأمين قد زاد من 5،5% إلي 7% مثلا دون الرجوع إليهم!.
بنود خطيرة
ولعل من أكثر البنود خطورة في مشروع القانون الجديد ما ورد في المادة الثانية منه بشأن تحديد الخدمات التي يقدمها القانون للمواطنين، والتي تترك للائحة التنفيذية بل وينص علي مبدأ جواز إصدار قرار بالخدمات التي تؤدي وفق اشتراك خاص، لابد من الوقوف هنا أمام مشكلة خطيرة: إن تحديد الخدمات علي كل الخدمات التشخيصية والعلاجية والتأهيلية دون استثناء، أما القانون الجديد فينتقص منها مقدارا غير محدد يترك تقديره لقرار إداري لكي يخلق فئتين من المؤمن عليهم، فئة ممتازة باشتراك خاص وفئة غير مميزة ينتقص منها أي خدمات «قسطرة القلب مثلا» في أي لحظة بقرار إداري!!
وتتعاون البنية القانونية مع مشروع إصلاح القطاع الصحي في إحداث تغيير خطير علي القانون السابق الذي نص علي أن التأمين الصحي يقوم علي ذراعين: تقديم الخدمة بنفسه، والتعاقد مع جهات أخري لتقديم الخدمة «الجامعات، هيئات حكومية مثل المؤسسة العلاجية والجيش ومستشفيات وزارة الصحة، القطاع الخاص» أما القانون الجديد فيستبعد بالتحديد مبدأ أن تقوم هيئة التأمين الصحي بتقديم الخدمة بنفسها، إن التفريط في هيكل مستشفيات وعيادات التأمين الصحي كاتجاه يرتبط هنا بسياسة الإصلاح الصحي لوزارة الصحة المتفق عليها مع البنك الدولي وجهات غربية مانحة والتي تنص علي إلغاء تقديم الخدمات العلاجية من قبل وزارة الصحة سيرا في اتجاه خصخصة المرافق حيث يقدم القطاع الخاص باعتباره مدفوعا بحافز الربح والتنافس لخدمة المستهلك مما يحل مشاكل سوء الخدمة التي يعاني منها المواطنون.
عواقب وخيمة
ونحن هنا إزاء مشاكل متعددة: فالقضية هنا ليست في إعطاء دور للقطاع الخاص بل هي بالتحديد استبعاد القطاع العام، وعواقب هذا الاستبعاد ما يلي:
أولا: تحميل المؤمن عليه عبء تكلفة الخدمة بالإضافة إلي هامش الربح وبالتالي زيادة التكلفة عليه.
ثانيا: يتمكن التأمين الصحي عبر تقديم الخدمة بنفسه جزئيا من معرفة التكلفة الحقيقية للخدمة، وبالتالي التعاقد مع القطاعات الأخري علي بينة.
ثالثا: إن كسر احتكار القطاع الخاص لتقديم الخدمة يفيد أيضا في شروط التفاوض للتعاقد معه.
رابعا: إلي أن يذهب الهيكل العلاجي المكون حاليا من 40 مستشفي و140 عيادة شاملة والذي بني من أموال المؤمن عليهم وهم المالكون الشرعيون له، ولا تملك الدولة دستوريا التصرف فيه؟ هل يباع لكي نجد مثالا آخر علي مشاكل الخصخصة في ظل الفساد ببيعه بالبخس؟
إن جوهر ما سبق هو خصخصة التأمين الصحي وتحويل صحة البشر إلي سلعة يحتكرها القطاع الخاص والتنازل عن مفهوم الصحة كمحدد للتنمية وكنتيجة لها لمصلحة التعامل معها بمنطق المكسب والخسارة وتقسيم المواطنين مستويات في الخدمة وتبديد تراكم هائل لهيكل خدمات صحية يمتلكه المؤمن عليهم دونما ضرورة من مشاكل مالية يستحيل التغلب عليها ولمصلحة توصيات مؤسسات دولية تقدس حافز الربح والقطاع الخاص حتي علي حساب ازدراء حاجات المواطنين الصحية.
إننا في جمعية التنمية الصحية والبيئية ندعو جميع الأطباء وجميع المثقفين الذين يهمهم صحة المواطنين وجميع العاملين بالعمل العام في مصر وجميع المؤمن عليهم إلي الحوار حول المطالب التالية والالتفاف حولها في حالة الاقتناع بها من أجل تعديل مشروع القانون الجديد:
1- نشر مشروع القانون في الصحف وفتح أوسع حوار حوله في جميع وسائل الإعلام وإتاحة الفرصة لكل الآراء قبل إقراره وإتاحة الوقت الكافي للحوار.
2- نشر الميزانيات الخاصة بالتأمين الصحي وكتاب الإحصاء السنوي وإتاحته للباحثين، فأساس الديمقراطية هو حرية المعلومات وحق المعرفة فتكون المناقشة الديمقراطية مبنية علي البيانات الصحيحة.
3- تقليص السلطات الإدارية الواسعة الممنوحة للوزير والتحديد القاطع في القانون لأسس التعاقد وعدم تعديلها أو المساس بها إلا بواسطة قانون جديد تحيط بإصداره الضمانات الديمقراطية.
4- مساواة جميع المؤمن عليهم في حزمة الخدمات الطبية التأمينية وأن يكون الاشتراك الذي يتم الاتفاق عليه متضمنا تلك الحزمة بنص القانون مثل القانون الحالي وعدم التفرقة بين المواطنين باستحداث مبدأ خدمات طبية تقدم باشتراك خاص.
5- رفض دفع نسبة من ثمن الخدمة حيث تمكن أن تعجز تلك النسبة مواطنين محتاجين في بلد يقبع أكثر من نصف سكانه تحت خطر الفقر، والاكتفاء بما في القانون الحالي من دفع اشتراك يمثل نسبة معروفة من المرتب مع الموافقة علي زيادتها كما في مشروع القانون الجديد مثلا بالإضافة إلي رسوم رمزية تحدد مسبقا حدها الأقصي.
إن كفالة حق المواطن في الصحة ليس مجرد إقرار لحق أساسي من حقوق الإنسان ولكنه ضمانة للتنمية وضمانة للانتماء للوطن، وإن تحويل الصحة إلي سلعة متاجرة غير جائز وله عواقب وخيمة، فلنتضامن جميعا من أجل قانون ديمقراطي للتأمين الصحي يحقق طموح كل المصريين في تغطية تأمينية صحية حقيقية.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة