فقراء يعيشون في العلالي.. هذا هو واقع سكان السطوح.. وفوق
العديد من عمارات القاهرة تجد حجرات مكدسة بالبشر بسبب
الفقر وأزمة الإسكان. علي سطح العمارة رقم 3 بشارع فخري -
الظاهر توجد ثلاث عشرة حجرة منها سبع حجرات يعيش داخلها ما
لايقل عن ثلاثين شخصاً هم خليط من الرجال والنساء والأطفال
والشباب والفتيات.
وتفتح تفيدة عبد العال باب حجرتها كل يوم لتطل من فوق علي
شارع الظاهر المزدحم وتلقي نظرة سريعة علي رؤوس المباني
المحيطة بها، وتتنهد، وقد تذكرت الأيام الخوالي.. الأيام
الأولي من سنة 1970، عندما سكنت هنا لأول مرة، حيث كان في
مقدورها، وهي شابة، أن تري الآفاق الواسعة.. اليوم يحجب
الدخان والضباب سماء القاهرة.. والمباني العالية ترتفع
حولها.. رغم كل ذلك إلا أن تفيدة مازالت كما هي.. تعيش علي
هذا السطوح، ولم يزد عليها غير أولادها وبناتها الخمسة
بالإضافة إلي جيرانها من سكان الحجرات الأخري!
حجرة "تفيدة" واحدة من الكثير من الحجرات الموجودة فوق
عمارات القاهرة. وكانت مثل هذه الغرف الصغيرة تستخدم في
الماضي لغسيل الملابس.. وكان لكل ساكن من سكان العمارة
غرفة فوق السطوح لغسيل الملابس، وبعد ظهور الغسالات
الكهربائية، تغير استخدام تلك الغرف، وتحول العديد منها
إلي حجرات يتم تأجيرها بشكل مؤقت لطلاب الجامعات الوافدين
للدراسة في العاصمة.
وربما كانت "تفيدة" لا تعلم بأن حجرات فوق السطوح كانت
نقطة انطلاق للعديد من طلاب العلم ولهواة الرسم والتمثيل
والكتابة في السابق.. ومع تزايد أزمة السكن في العقود
الثلاثة الماضية اتخذ الكثير من الفقراء ومحدودي الدخل من
تلك الحجرات ملاذاً وسكناً لهم أملاً في تغير الحال
والانتقال إلي "شقة" آدمية، لكن الظروف لم تتبدل إلا إلي
الأسوأ! ولاحظ الكاتب علاء الأسواني هذا التحول الاجتماعي
في روايته الشهيرة "عمارة يعقوبيان"، حيث أشار إلي ظاهرة
سكن الفقراء في الغرف الصغيرة فوق السطوح. وورد ذكر حجرات
فوق السطوح في رواية سابقة عليها للدكتور رفعت السعيد، هي
رواية "السكن في الأدوار العليا".. و"البصقة"، حيث جاء
فيها ما نصه: "أنا اسمي حسن. مأجر أوده فوق السطوح..
المفروض إني باشتغل في بنها موظف. وانت ابن عمي اسمك مدحت،
طالب في كلية الحقوق وبتشتغل موظف بالليل.. صاحبة البيت ست
طيبة، أنا أجرت الأوده من شهر، وانتظرت حتي أستقر وبعدين
أجيبك".
أيام جميلة وفي رسالة بعث بها رجل يدعي جورج كوروجينيس من أثينا
للكاتب أنيس منصور، يتذكر فيها الأيام الجميلة التي قضاها
في مصر بقوله: "..أذكر في زمن ليس ببعيد، كانت تبني علي
اسطح العمارات المتميزة، غرف صغيرة للغسيل لكل من شقق
العمارة، يجري غسل الملابس فيها حيث تنشر بعدها علي
السطوح. ولكن لا أتذكر أن أحدا فكر مثلا، في تحويل أسطح
العمارات الي حدائق. كلما اتذكر، اقول ليتهم فكروا في ذلك،
لزادت مصر جمالا وروعة علي جمالها وروعتها. اما الآن فقد
تحولت غرف الغسيل فوق الاسطح، وللأسف الشديد، الي غرف يتم
تأجيرها كمساكن، بأجرة شهرية عالية. متي تعود أيام الزمن
الجميل ثانية؟ قطعا، عندما يتم التغلب علي أزمة السكن
أولا".
ولا تعرف الست "تفيدة" السبب الذي يجعل الكتاب يهتمون
بحجرات فوق السطوح، إلا من زاوية واحدة هي إيمانها بوجود
أزمة سكن.. وحين تسمع كلمة "شقة" تتنهد في حسرة علي الزمن
الذي ضاع من عمرها في غرفة تضربها الشمس صيفاً وبرد الشتاء
ليلاً، وزاد عليها في الفترة الأخيرة الأصوات المزعجة
لمواتير أطباق الدش التي يحركها أصحابها القابعون في شققهم
بحثاً عن القنوات الفضائية!
عالم واسع ومع ذلك فهي تعتبر هذه الجدران الضيقة عالمها الواسع
الذي تتطلع منه للدنيا الكبيرة المحيطة بها.. داخل هذه
الغرفة تعيش مع أولادها وبناتها.. هنا تطبخ لهم الطعام..
وهنا ترقبهم وهم يستذكرون دروسهم، وهم يتمازحون حيناً
ويتعاركون حيناً آخر.. إنهم أشقاء.. إنهم أولادها الذين
كتب عليهم أن يمروا بنفس الظروف التي مرت بها.. لكنها مع
ذلك تتطلع إلي المستقبل وتقول إن الولد مصيره يجد عملاً
ويكون نفسه ويستقل بحياته في شقة مثل شقق الناس، والبنت
مصيرها لزوج لديه شقة حتي لو إيجار.. تجلس هذه الأم ولا
أحد يدري بما تعانيه وبما تفكر فيه.. تجلس علي أرضية
السطوح أمام حجرتها فوقها حبال الغسيل وحولها كراكيب سكان
العمارة، وهي تغزل خيوط الأمل بينما تتأمل ابنتها "هبة"
التي تراجع دروس الثانوية العامة جوارها.
ولا تستطيع ابنتها أن تخبر أصدقاءها في المدرسة أنها تعيش
هنا، حتي لا تحط من قدر نفسها بينهم.. وهي كذلك لا تحب
إقامة أي علاقة صداقة مع البنات الأخريات اللائي يعشن في
شقق العمارة، حتي لا تعطيهن الفرصة في التفاخر بأن لهن شقق
وهي مجرد ساكنة فوق السطوح..
وربما لن تكون الظروف مواتية لكي ينتقل عاطف، الابن الأكبر
ل"تفيدة" من السكن مع أسرته علي السطوح، إلي شقة، بسبب عدم
وجود فرصة عمل، بعد أن انتهي من دراسته، وحصل علي ليسانس
الآداب قسم اللغة العربية.. وإذا كانت الروايات والأفلام
السينمائية كانت تنتقل بالطلاب الذين يسكنون في غرف فوق
السطوح إلي حياة الشقق بعد تخرجهم والتحاقهم بالوظيفة، فإن
الوضع بالنسبة ل"عاطف" لم يتغير، لأنه لم تعد هناك أي
وظائف من أصله!
حمام مشترك ! غرفة أخري من الغرف المنتشرة فوق أسطح العمارات حيث
يعيش علي جاد العامل بإحدي هيئات الكهرباء، ويعيش معه
أولاده الخمسة.. ويستخدمون كلهم حماماً مشتركاً مع باقي
سكان الحجرات الموجودة علي سطح العمارة. وهو يضطر لإخراج
أولاده من الحجرة حتي يتمكن من أخذ قسط من الراحة والنوم
قليلاً بعد يوم شاق من العمل.. ولهذا فإن أسرة "علي جاد"
تقضي نصف حياتها داخل الحجرة والنصف الآخر خارجها.. علي
السطوح.
في حجرة أخري تجلس أسرة الست جميلة عبد العظيم، حول
الطبلية في انتظار وجبة الغداء، وهي أسرة مكونة من أربعة
أطفال يقضون حياتهم تحت سقف الغرفة المكون من الخشب
والقش.. وفي الشتاء يعانون الأمرين بسبب تساقط مياه
الأمطار فوق رءوسهم، أو بسبب شدة البرد الذي يتسلل أليهم
من شقوق السقف..
وفوق السطوح أيضاً، تجلس الست "فتحية محمود" منذ أربعين
عاماً علي سطوح عمارة قديمة هي وأولادها وأحفادها، البالغ
عددهم 12 فرداً، وهم، مثل الكثير غيرهم من سكان السطوح
مازالوا ينامون ويستيقظون علي أمل وحيد هو الانتقال للسكن
في شقة.
بدون منافع وللحياة فوق السطوح العديد من المشاكل أخطرها أن
الحجرات عند بنائها لم تكن مخصصة كسكن، ومعظمها لا يوجد
بها المرافق الأساسية، مثل حجرات سطوح العمارة رقم 48
بشارع 10 في بولاق الدكرور، والتي اضطر المواطنون للعيش
فيها بعد أن تهدمت بيوتهم في توابع الزلزال عام 1992، ومن
السكان هناك المواطن محمد هلال الذي فشل ومن معه من
مواطنين في إدخال أي مرافق تعينهم علي مواصلة الحياة هنا
باستثناء الكهرباء.. وإذا كان المواطن "هلال" حزين لهذا
المصير المأساوي الذي وجد نفسه فيه، فإن أطفاله لا يفكرون
مثله، خاصة أن ابنه الصغير "هاني" اتخذ من السطوح ساحة
للعب والجري.. أما ابنته "هالة" بالمرحلة الإعدادية فهي
تمتلك نظرتها الخاصة للسطوح، وتعتبره مسرحاً مكشوفاً تدور
فيه الحياة سواء من خلال التطلع إلي الشارع والبيوت
المحيطة أو من خلال معرفة ما يدور خلف الغرف المغلقة.. وهي
لديها اعتقاد أن حياتها علي السطوح مجرد مرحلة سوف تتلوها
حياة مختلفة تكون فيها نجمة سينمائية مشهورة، وهي تستوحي
ذلك من الأفلام التي عرفت من خلالها كيف تحولت البنات
الفقيرات مثلها إلي شخصيات موهوبة ومحبوبة أيضاً.