كانت السينما في 2005 معصوبة العينين، لا تنظر إلا
لشباك التذاكر، حاولت قدر جهدها استمالته بتوفير آليات
السوق الجديدة، والتي تمثلت بوضوح في تقديم الإغراءات
للمريدين والمدروشين في حلقات لا ينقطع فيها الصراخ00 نجحت
في جذب العديد منها، لكن بعد انتهاء «الفرجة» بدأ كشف
الحساب ودفع الفواتير الآجلة، لنجد أن هناك نجوما حافظت
علي انطلاقها -رغم عدم وجود أي أمارة- ونجوما آخرين ظلوا
في المنطقة الدافئة صامدين، معتمدين علي المثل العامي
«الباب اللي يجيلك منه ريح سده واستريح»، ونجوماً رقصوا
علي السلم «لا طالوا بلح الشام ولا عنب اليمن» لكن هناك
البعض أيضا سقط سقوطا مدويا لم تفلح معه المسكنات أو حتي
عمليات التجميل، وآخرين تواجدوا لمجرد التمثيل المشرف، لكن
للأسف لم يكن لهم لا وجود ولا حتي تمثيل مشرف، وكان هناك
أيضا ضحايا خرجوا سريعا من السوق إما للرداءة أو للسطحية
أو عدم استيفاء أوراق اعتمادهم لدي الجماهير00 بينما يحاول
البعض - نجوم الصدفة - اختيار مواعيد عرض لأفلامهم تتميز
بالكساد السينمائي، وجاءت هذه المحاولة بثمار نصف ناضجة
ونزعم أنها لن نتدوم، لكن العام الجديد سيكشف المتلاعبين
والمتخفين00 وحتما سيكون البقاء للأحسن0 مع وجود بعض
الألغاز0
جاء المشهد السينمائي في 2005 مطابقا لما قبله، حتي إننا
لا نستطيع أن نرصد أي فروق جوهرية به، أو خطوات كبيرة
ساعدت للعبور من الكبوة، لكن هناك بعض المؤشرات التي لا
يمكن إنكارها، وأولها هو زيادة عدد الأفلام حيث بلغت 30
فيلما بزيادة 6 أفلام عن العام المنصرم، ورغم أن ذلك لم
يشكل تنوعا ملحوظا في المعروض، وكان التكرار السمة
الرئيسية ، كحال الأعوام الماضية، لكن الزيادة مثلت فألا
حسنا، أيضا زيادة دور العرض بنسبة 10%، لكنها جاءت من
الشركات المحتكرة للسوق والتي تجعلها حكرا علي أفلامها00
مما يضيق الخناق حول الأفلام الأخري التي تعاني بالفعل من
إيجاد دور عرض مناسبة لأفلامها، وأيضا صعوبة تحديد مواعيد
عرض مميزة تشهد إقبالا جماهيريا مثل الموسم الصيفي
والأعياد0 من المؤشرات الإيجابية أيضا زيادة نسبة المشاهدة
والتي بلغت 30% عن العام السابق، مما زاد بطبيعة الحال
زيادة الإيرادات حيث سجلت العام الماضي 150 مليون جنيه
بينما هذا العام ارتفعت إلي 240 مليونا بزيادة قدرها 90
مليون جنيه عن العام السابق0
محمد سعد لغز السينما للعام الرابع علي التوالي يواصل محمد سعد صعوده إلي
القمة وتربعه علي عرش الكوميديا والإيرادات دون منازع
وبفارق 14 مليون جنيه عن الفيلم الذي يليه «السفارة في
العمارة» محققا إيرادات عن فيلمه الأخير «بوحة» إخراج رامي
إمام بلغت 28 مليون جنيه مثلت 12% من إجمالي الإيرادات عن
العام0 ورغم أن الفيلم قوبل بهجوم شديد كحال الأفلام
الثلاثة السابقة ل «سعد» (اللمبي، اللي بالي بالك، عوكل)
إلا أن نسبة الإقبال والمشاهدة فاقت كل توقعات النقاد،
والفيلم -كما أشرنا من قبل بجريدة «الأهالي» - افتقد للحد
الأدني للتكنيك السينمائي من جميع وجوهه إضافة لإجماع
النقاد دون استثناء علي انخفاض مستواه الفني لكنه احتل
قائمة الجدول في التصنيف النهائي0
إن النجاح الذي تشهده أفلام محمد سعد يمثل لغزا لدي صناع
السينما والمهتمين بها00 ويظل السؤال مطروحا وبقوة : أين
الخلل؟؟!! فحتي الأفلام الأخري التي تعزف ذات النغمة
وتعابث أهواء الجماهير جاء سقوطها مؤشرا علي ما ذهب إليه
النقاد00 لكن الوضع مع محمد سعد مختلف ويحتاج لسنوات حتي
يكشف عن نفسه أو يؤكد أنه كان جديراً بكل هذا الاحتفاء0
الزعيم يحفظ ماء وجوه الكبار في المرتبة الثانية من حيث الإيرادات يأتي عادل إمام
بفيلمه «السفارة في العمارة» إخراج عمرو عرفة، وقد أجمع
النقاد علي أنه أفضل فيلم في 2005 وذلك لجرأة موضوعه الذي
لم يسبق تناوله من قبل، وتلك الإسقاطات التي طرحها الفيلم
علي واقعنا وحالة التناقض الشديدة بين توجهات الدولة وجموع
المواطنين0
ويؤكد عادل إمام بفيلمه أنه مازال قادراً علي العطاء
والمنافسة أمام النجوم الشباب وأن أفلامه تستطيع الصمود
وتسجل أيضا أرقاماً غير مسبوقة في تاريخه الفني، في ظل
تراجع كل النجوم الكبار دون استثناء خشية المقارنة وعزوف
الجماهير عنهم، يسانده في ذلك التحدي الكبير إيرادات
أفلامه0 لكنه يتفوق علي الآخرين بطول فترة زعامته وبتنوع
موضوعاته في آن واحد0
المطربون يتساقطون تساقط المطربون في السينما واحدا تلو الآخر، كأوراق
الشجر في يوم عاصف وخريفي، ولم يستطيعوا الصمود أمام طوفان
الكوميديا المكتسح، وكان فيلم (علي سبايسي) للمطرب الشعبي
«حكيم» هو الحالة الصارخة لهذا السقوط المدوي، وخرج الفيلم
سريعا من دور العرض وسط حالة اندهاش انتابت الجميع،
جمهورا، ونقادا، وسينمائيين، ولم يحقق الفيلم نصف تكاليف
إنتاجه رغم جماهيرية «حكيم» التي لا تقبل أي شك00 وربما
هذا السقوط سيجعله يفكر كثيرا في خوض أي مغامرة سينمائية
قادمة، فبعكس ما هو شائع من أن السينما تروج للمطربين،
أثرت بالسلب علي «حكيم»0 والأمر لا يختلف عند «مدحت صالح»،
لكنه يضيف الحيرة، ليس لأن مدحت صالح (الممثل) يستهلك
بقسوة مدحت صالح (المطرب) الذي يملك صوتا جميلا في فوضي
الأصوات «الوحشة»، وإنما لأنه يصر علي خوض تجارب سينمائية
عديمة النفع تلتهم رصيده من الغناء، فبعد محاولات سينمائية
فاشلة (شيلني واشيلك، أشتاتا أشتوت، اللبيس) يأتي بفيلمه
«علمني حبك» ردئ الصنع ليجد فتورا عند الجماهير، ولأن
«مدحت» لا يشغل باله سوي التواجد فقط دون مضمون ما يقدمه ،
تأتي السينما علي البقية الباقية منه0 أما محمد فؤاد
فمازال حلم «إسماعيلية رايح جاي» يراوده، ويحاول جاهدا أن
يصل إلي نصف نجاحه، لكنه يتعثر في كل مرة (حكاية حب، هو
فيه ايه) ويفشل في الصعود النسبي، حتي أقدم علي خوض
التأليف، وجاء بفكرة فيلمه الأخير (غاوي حب) في محاولة
أخيرة لتصحيح الأوضاع، لكنه يجهل تماما أن المصادفة وحدها
هي التي صنعت هذا النجاح (الهلامي) لفيلمه «إسماعيلية رايح
جاي»0 رغم وجود خمس فتيات (ياسمين عبد العزيز، بسمة، داليا
البحيري، علا غانم، ريهام عبد الغفور) يفشل مصطفي قمر في
حل مشكلته مع السينما بفيلمه «حريم كريم»، ويقدم فيديو
كليب في حجم فيلم، رغم أنه يملك مقومات الممثل الجيد، لكنه
يحتاج ولو قليلا أن ينسي أنه محطم قلوب العذاري، فالغناء
في الحفلات مختلف تماما عن السينما0 أما المطرب فارس، رغم
أنه قدم فيلم «بحبك وبموت فيك» إلا أنه لم يشعر أحد، لا
بالفيلم ولا بالفارس، ليس لأن الفيلم استمر عرضه أسبوعين
فقط، أو أن من حضر الفيلم من الجماهير كان يحمل معه دعوة
من صناعه، ولكن لأن الفيلم سطحي وتافه جدا0
في أولي تجاربه السينمائية يأتي المطرب اللبناني يوري
مرقدي صاحب الأغاني غير المفهومة، ليجرب حظه، ويروج
لأغانيه التي تلقي قبولا ضعيفا في السوق المصرية، وذلك من
خلال فيلمه «منتهي اللذة» ورغم أن الفيلم تشارك فيه نجمتان
لهما جمهورهما الكبير (منة شلبي وحنان ترك) وهي جرأة تحسب
له، إنما المؤشرات تؤكد أن «يوري» يحتاج وقتا أكثر حتي
ينضج سينمائيا0
أما حمادة هلال صاحب أغنية دموع دموع، فلم يستطع أن يضحك
سينمائيا، ورغم أنه جاء بصحبة زمرة من الشباب (رامز جلال،
محمد لطفي، محمد نجاتي، غادة عادل) في فيلم «عيال حبيبة»
ورغم الدعاية الكبيرة التي صاحبت الفيلم ووصلت إلي أن
الممثلين طافوا شوارع القاهرة من فوق سيارة نصف نقل
للدعاية للفيلم إلا أنه لم يحقق ما كان مأمولا منه، رغم
أنه حافظ علي آليات السوق : ضحك، لعب، حب، غناء ولكن لم
يكن لل «الجد» أي مكان بالفيلم0
ظن محمد عطية أن نجاحه في السينما ربما يكون سهلا، كما حدث
في برنامج ستار أكاديمي الذي أفرزه، ورغم أنه دخل السينما
بشعبية جارفة من جمهور السينما الحقيقيين والذين صوتوا له
في البرنامج المذكور ، إلا أنهم لم يتعاطوا معه سينمائيا
ولم يقبلوا علي فيلمه «درس خصوص»0 ربما يمثل تامر حسني
حالة منفردة ومتفردة وسط جيل المطربين، فرغم أن فيلمه «سيد
العاطفي» كما أشاع أنه صاحب فكرته، إلا أن الفيلم أيضا عزف
علي نفس التيمة المضمونة والتي يدرك أسرارها المخرج (علي
رجب) في غيبة من النص الحقيقي كما صرح كاتب السيناريو
«بلال فضل» ، لكن الفيلم حافظ علي إيرادات جيدة، لم تصل
للكوميديانات ولكنها تفوقت علي المطربين0
نظرة عامة احتل محمد هنيدي بفيلمه «يا أنا يا خالتي نوسة»
المرتبة الثالثة، واختلفت الآراء حول الفيلم ما بين مؤيد
ومعارض، وأصبح لافتا للنظر أن رصيد «هنيدي» بدأ في
التراجع، حتي وإن بدا طفيفا، لكنه علي أي حال لم يعد يحتل
القمة0 لحق فيلم «أبو علي» بموسم 2005 لكريم عبد العزيز
ومني زكي، وهو من الأفلام الجيدة وحقق نسبة مشاهدة عالية،
جاء فيلم «ملاكي اسكندرية» للمخرجة ساندرا نشأت، بطولة
أحمد عز وغادة عادل في مركز متقدم بجدول الإيرادات واستطاع
أن يلفت النظر إليه، وظل في منطقة دافئة حققت له نسبة
مشاهدة لا بأس بها، وجاء فيلم «زكي شان» لأحمد حلمي
وياسمين عبد العزيز ورغم أن الفيلم ردئ إلا أنه حقق نجاحا
جماهيريا، وقدم خالد يوسف فيلم «أنت عمري» لهاني سلامة
ومنة شلبي، ويعتبر دور نيللي كريم من أفضل الأدوار التي
قدمت خلال العام، ثم كرر أحمد السقا نفسه في فيلم «حرب
اطاليا» بتقديم أفلام الاكشن، أما فيلم أحلام عمرنا لمني
زكي ومصطفي شعبان ومنة شلبي ورامز جلال فلم يلق قبول
الجماهير والنقاد وخرج مبكرا من المنافسة، وينطبق نفس
الحال علي «الحاسة السابعة» لأحمد الفيشاوي، و«حمادة يلعب»
لأحمد رزق، و«معلهش احنا بنتبهدل» لأحمد آدم، و«خالي من
الكوليسترول» لأشرف عبد الباقي، و«جاي في السريع» لماجد
الكدواني0
غياب لقضايا المرأة وانحسار النجمات مازال ترتيب الجدول منذ سنوات وحتي الآن ترتيبا
ذكوريا، ليس به مكان للنساء، فبعد ابتعاد نادية الجندي عن
السينما لم تظهر نجمة يحتل فيلمها مركزا متقدما0 وغالبا ما
تأتي مشاركتهن في خلفية النجم، ربما تكون عبلة كامل هي
القادرة علي التواجد رغم الجدل الذي يحدث حول أفلامها
ومستواها واللغة المتدنية المستخدمة بها، وجاء فيلم إيناس
الدغيدي «الباحثات عن الحرية» ليصور المرأة وكأنها لا يشغل
بالها سوي الجنس0 وفي الأسابيع الأخيرة من العام عرض فيلم
محمد خان «بنات وسط البلد» الذي تدور أحداثه حول فتاتين
تعملان في محلات وسط البلد، وهذا الفيلم يعتبر بادرة أمل
حقيقية في فك الحصار حول قضايا المرأة، أما فيما عدا ذلك
فلم يشهد العام طفرة أو حدثا يمكن رصده0
أخيرا000 الدلائل كثيرة علي تردي الوضع السينمائي0 وما
يؤكد هذا الزعم هو الحيرة التي تنتاب المسئولين عن مهرجاني
القاهرة والاسكندرية في العثور علي فيلم مصري واحد، ألا
يمثل ذلك كارثة، فليس من المعقول أن تكون الدولة المضيفة
لا تملك شريط عرض داخل المهرجان، خصوصا إذا كانت هذه
الدولة هي مصر، التي عرفت السينما بعد عام واحد من
اختراعها؟!
أفلام 2006 بعض الأفلام عرضت في الأيام الأخيرة المتبقية من 2005
مثل (ملك وكتابة، وليلة سقوط بغداد، وويجا)0 لكنها ستدخل
فعليا في منافسات الموسم السينمائي ل 2006، أما بقية
الأفلام التي ستعرض فهي : دم الغزال، حاحا وتفاحة، فتح
عينيك، ظرف طارق، العشق والهوي، بالإضافة إلي الإنتاجين
الضخمين (حليم بطولة الراحل أحمد زكي، وعمارة يعقوبيان
لعادل إمام ونور الشريف» والملفت أن أفلام الموسم القادم
تجمع ما بين الكوميديا والرومانسية والبوليسية ، وهذه
ظاهرة جيدة بعد أن كانت معظم الأفلام محصورة في الكوميديا0
الذين رحلوا00 لم يمض عام 2005 دون أن يترك بعض من الحزن علي الوجوه،
فرحل أحمد زكي وعبد الله محمود بعد صراع من مرض السرطان
تاركين أعمال فنية عظيمة ومتميزة، ولحق بهما المخرج السوري
الكبير مصطفي العقاد في انفجارات عمان الأخيرة0