التشكيل.. والمدرب.. وخطة اللعب.. والجمهور في حكومة نظيف الجديدة
وداعاً .. لدور الدولة في الاقتصاد والخدمات
مصباح قطب
امتد الخط علي استقامته كما كان متوقعا، وسيطر
الليبراليون الجدد (دعاة حرية السوق) علي الحقائب الوزارية
الحاكمة، انتشرت التكهنات سابقا والتعليقات لاحقا، لكن
أحدا في الصحف ذات العناوين الصارخة - وهي ذاتها من تجليات
سيطرة هذا النوع من اليمين - أو في غيرها من الوسائط
الإعلامية المختلفة، لا يريد أن يصارح نفسه والناس، بأن ما
حدث هو انقلاب بكل المعايير السياسية، علي ما ساد منذ 1954
وحتي الآن .. انقلاب أسود أو أبيض أو رمادي، ذلك متروك
تقديره لكل صاحب مصلحة واع في هذا البلد.
انتهي مع هذا التشكيل زمن دكاترة الجامعة، وذلك ممكن تفهمه
في حدود، لكن انتهي معه أيضا زمن الخبراء المحنكين الذين
كانت تنتجهم المؤسسات والوزارات والذين أثبتوا حين تولوا
مواقع قيادية كفاءة لا تنكر، وكان وزيرا الري والنقل
السابقان «بصرف النظر عن الخلاف حول مدي النزاهة، بل
والكهرباء والبترول مثالا واضحا لذلك، ومن أن الخبرة
الوحيدة المعتمدة كجواز مرور إلي مقعد الوزارة ستكون خبرة
«البزنس مان» فقط.
إن الخبرة التي يقال إن الوزراء من رجال الأعمال يمتلكونها
لا تعني أنهم سينجحون سياسيا أتوماتيكيا، لكن الأخطر من
ذلك هو أن هذا النوع من الخبرة مقترن دائما بالقدرة علي
الاستبعاد، بمعني القدرة الحاسمة علي استبعاد العمالة غير
المطلوبة، وكل ما لا يسهم في تحقيق الربح حيث لا مجال هنا
لفكرة: خلي بيوت الناس مفتوحة، وحين يجيء الوزير - رجل
الأعمال - إلي المجال الاجتماعي السياسي الواسع، فهل
سيستبعد ثلاثة أرباع المجتمع مثلا لأنه ليس مطلوبا لهذه
الشركة التي اسمها الحكومة أو لأنه لا يجيد المهارات
العصرية، أو مصاب بأمراض تمنعه من العمل أو غير ذلك؟
ينسي المدرب الوزاري هنا الذي وقف خلال التدريب والتحضير
ومازال يواصل دوره أن مصر ما قبل يوليو عرفت وزراء أصحاب
أعمال كانوا علي درجة عالية من الكفاءة أشهرهم بالطبع هو
إسماعيل باشا صدقي «الملقب بعدو الشعب» وقد تعاقب هؤلاء
علي الوزارات بعد انتخابات 1924 لكن أزمة البلاد
الاقتصادية والاجتماعية «فضلا عن الاحتلال» لم تجد حلا
وانحصرت الثروة في يدي فئة قليلة، مما جعل الجماهير تهلل
لحركة «أو انقلاب أو ثورة ....» الضباط، فهل هذه هي
«النهاية» التي تنوي حكومتنا الحالية أن تقودنا إليها؟
لوحظ أيضا أن الحديث عن خبرة رجال الأعمال تجاهل التحيز
الواضح، من قبل مدرب الفريق الوزاري، ليس لخبرة الإدارة
لدي هؤلاء ولكن لكونهم ملاكا وإلا لماذا لم نر وزيرا من
الخبراء الذين كانوا يعملون في شركات رشيد محمد رشيد أو
منصور شيفرولية أو أمين أباظة أو زهير جرانة.... مع الأخذ
في الاعتبار أن رجال الأعمال أنفسهم يؤكدون أنهم لم ينجحوا
هكذا وحدهم وأنهم استعانوا بكفاءات لعبت دورا أساسيا في
النجاح، وعمليا فنحن نشاهد أن ثمة رجلاً قويا ومهما، علي
الأقل في كل مجموعة من مجموعات رجال الأعمال الكبار في
مصر.
اعتمد التشكيل علي وزيرين فقط في الدفاع هما وزير التضامن
الاجتماعي ووزيرة القوي العاملة، وبغض النظر عن مواطن
الضعف التاريخية في هيكل ووظيفة الوزارتين الموروث، وعن
غموض خطة الدعم والبطاقات الذكية، وعدم وجود أي فكر جديد
حول دور وزارة القوي العاملة «فكر بعض الحداثيين في
تحويلها إلي وزارة عمل وإسنادها إلي د. سمير رضوان ...»
فإن الأوراق المضادة أصبحت أقوي بما لا يقارن، وكمثال فضم
التأمينات إلي د. يوسف بطرس غالي جعل رقبة الناس تحت رحمة
وزير متطرف في سياساته الليبرالية، كما أن إيلاء وزارات
خدمية مهمة كالصحة والإسكان إلي ليبراليين متطرفين أيضا
ومع كون التوجه النظيفي هو توجه نخبوي بصفة عامة فإن
الوزيرين المشار إليهما لن يستطيعا أن يصدا هجمات السخط
الجماهيري التي ستنجم عن السياسات الاقتصادية للحكومة، أو
يسكناها ب «شوية» دعم وتضامن أو ب «شوية» فرص عمل في
البلاد العربية للبعض، وسيزيد من قسوة المأزق أن ما أرسته
ثورة يوليو كمبادئ للعدالة الاجتماعية «للمرة الألف مع
علمنا بكل نقائص الثورة» لم يعد له وجود وحل محله سياسات
أقل إلزامية وتخلو من الصفة التعاقدية الدستورية «هل
يستطيع مسئول الآن أن يقول إن العمل حق .. واجب .. شرف ..
حياة؟» مجرد قول فقط!!
* فتحت الوزارة الجديدة الباب للخيال السياسي بعد جمود
عقيم ابتلانا به «أصحاب الريادة والسموات المفتوحة وأزهي
عصور» من حيث عينت المحاسب أيمن أباظة للزراعة، وعينت أحمد
المغربي وزيرا للإسكان بعد السياحة، لكنها أثبتت في الوقت
نفسه عجز المدرب وفريقه عن الاتساق مع النفس، بمعني تعيين
وزير داخلية مثلا، من غير أبناء الشرطة، وقد كان ذلك مطلبا
ملحا في اللحظة.
* مهما كان حسن النية فإن إطلاق طاقات قوي البيزنس
والاستثمار، لا يحقق وحده التنمية المستدامة أو الاستقرار
وقد «غلب حمارنا» في إقناع وزراء الفكر الجديد بأن خيرات
البيزنس المنطلق لن تتساقط علي المجتمع بالطريقة التي
يتصورونها، وإنه لابد من تدخل حاسم وعنيد وواع من الدولة
لكبح البيزنسيين ولتحقيق التوازن في المجتمع بل وبين أجنحة
النمو، ونضرب مثالا: ضغط أصحاب البيزنس حتي لا يشمل الحد
السعري للارتفاع والانخفاظ في البورصة يوميا «5%» كل
الأسهم، وتحقق لهم ما أرادوا، ومن قبل رفضوا أن يكون الحد
«3%» ثم ضغوطا لكي يتاح للشركات أن تشتري اسهمها، وفازوا
بها ومن أجل إقرار وتشغيل الشراء والبيع والتسوية في نفس
اليوم، وحصل، ويضغطون لتسريع إنشاء نظام الشراء والبيع
بالهامش «أي يدفع نسبة من ثمن الورقة المالية» وسيطالونه
قريبا، وفي كل مرة يقال إن ذلك يجعل البورصة أكثر جاذبية
للمستثمرين المصريين والأجانب، ويحسن «الإيمج» عن مصر كسوق
مال واعدة «الصورة الذهنية» وهذا صحيح لكن ما هي النتيجة
العملية؟ قلة من شركات الوساطة والسمسرة والتداول وقلة من
المستثمرين العرب والأجانب والمصريين، حققوا مكاسب زادت عن
200% في عام «المتوسط للسوق كله 128%» لكن ما الذي
استفادته الصناعة ومجالات الاقتصاد الحقيقي؟ وهل حصلت علي
تمويل رخيص من سوق المال ونمت وتوسعت وما هي القيم المادية
والمعنوية التي تخلقت أو أهدرت خلال ذلك.
وقس علي ذلك في قطاع السياحة حيث عدد محدود من الشركات
الكبيرة ذات العلاقات مع الشركات الدولية، هو الذي له
مستقبل والباقي في الضياع، وفي الخدمات إلخ ... إذن
البيزنس - كخلقة طبيعية - انتقائي وينحاز إلي الكبير
والقوي وإلي الربح الأعلي، وما لم تكن أدوات الرقابة
وإحداث التوازن، في منتهي القوة فإن البلد ستضيع، فهل يدرك
المدرب واللاعبون وصاحب خطة اللعب ذلك؟ وبأمارة إيه؟
بأمارة ما جهاز منع الاحتكار ترأسه سيدة طيبة القلب وابنة
أصول هي مني ياسين نائبة رئيس بنك القاهرة؟
* كما قلنا مع وزارة نظيف الأولي فإن أحدا من الوزراء
الجدد لن يقول بناء علي تعليمات الرئيس وهذا شيء يستحق
التقدير لكن الملاحظ أن كل الوزراء الآن يشيرون إلي برنامج
الرئيس وأن كل ما سيفعلونه هو الالتزام به فهل ليس لدي أي
أحد منهم نقد لهذا البرنامج أو ألم يسمعوا ما وجه إليه من
نقد وهل هذا البرنامج في نظر الحكومة كاف للنهوض بمصر
وتحقيق العدالة بين المواطنين وإطلاق الحريات؟ وماذا عن
الوزراء الجدد .. الذين لم يعايشوا وضع برنامج الرئيس أيام
الانتخابات الرئاسية؟ هل اقتنعوا به هكذا سريعا؟!
يبقي أخيرا الحديث عن الجمهور الذي سيشجع ويشارك لقد قال
أحد الخبراء الماليين المرموقين «وهو عضو لجنة السياسات»
إن الفريق الحكومي الجديد هو«فريق الأحلام» فهل يطمع
ويدلنا علي ألف مواطن فقط، في كل دائرة انتخابية من الناس
العاديين يكون رأيهم مثل رأيه، إن الذين صوتوا احتجاجيا لم
يصوتوا ضد وزراء العقم والجمود والفساد القدامي فحسب ولكن
ضد سياسات شارك الفكر الجديد بقوة في الدفع بها إلي كل ا
لساحات فهل يدرك أعضاء الحكومة ورؤساء روابط مشجعيها ذلك،
وإذا كانت سنة ونصف قد قادت إلي كل هذا التصويت الاحتجاجي،
فما الذي يمكن أن تحدثه حكومة كلها «فكر جديد» وتنوي أن
تطول معنا، بأشخاصها أو بسياساتها؟! الله أعلم.