عندما وقفت حكومة د. أحمد نظيف الجديدة أمام الرئيس مبارك
لتؤدي اليمين الدستورية، أكدت استمرار العمل بالسياسات
القديمة وأكدت التزامها ببرنامج مبارك الانتخابي، وتركز
هذه السياسات علي الاقتصاد الحر، لكن بمفهوم الحكومة
المصرية، فاقتصاد السوق يعني لدي الحكومة تحقيق الكفاءة
الإنتاجية فقط، ويتجاهل العدالة الاجتماعية ودور الدولة في
نظام الاقتصاد الحر.
إذا كان خطاب تكليف الوزارة وبرنامج مبارك الانتخابي قد
أشار في بعض الفقرات والكلمات إلي البعد الاجتماعي، لكن
الواضح أن هذا البعد يعبر عن اهتمامات الحكومة المصرية.
فعلي مدي سنوات من تطبيق قوي السوق، بالمفهوم الحكومي، أدي
التفاعل الحر غير المقيد بين قوي السوق إلي تفاوت كبير في
الثروات والدخول، مما زاد الأغنياء غني، والفقراء فقرا.
ورغم أن الحكومة الجديدة والحكومات السابقة ضمت العديد من
الليبراليين ورجال الأعمال الذين يعرفون النظرية
الليبرالية جيدا، إلا أن الحكومة تعمدت الإشارة إلي غياب
دور الدولة في ظل قوي السوق، ليقتصر عملها فقط علي الأمن
الداخلي والدفاع والقضاء، فغابت الدولة عن النشاط
الاقتصادي والاجتماعي.
دور الدولة
والمعروف أنه في ظل آليات السوق يتعاظم دور الدولة لتلعب
أدوارا جديدة، فالدولة تترك الإنتاج المباشر للسلع
والخدمات للأفراد والمشروعات الخاصة، ولكنها تتدخل في
الحياة الاقتصادية عبر وسائل فعالة تحقق من خلالها ليس
الكفاءة الاقتصادية وحسب بل العدالة الاجتماعية أيضا.
لذا فالدولة في ظل النظام الرأسمالي وآليات السوق تقوم
بعدة وظائف أهمها الوظيفة الماكرواقتصادية، حيث تتدخل
الدولة عن طريق السياسات النقدية والمالية لرفع مستوي
العمالة أو تخفيض البطالة وكبح التضخم وتحقيق التوازن
الخارجي في ميزان المدفوعات والمحافظة علي المستويات
المرتفعة للنمو في الناتج المحلي الإجمالي.
أما الوظيفة الأخري للدولة في ظل الاقتصاد الحر في إزالة
الآثار السلبية لقوي السوق والتي قد تؤدي إلي ظهور
الاحتكارات داخل السوق، فتعمل الدولة علي منع ظهور هذه
الاحتكارات ومراقبة هذه الاحتكارات إن وجدت.
والوظيفة الأخيرة للدولة تتضمن تقديم الخدمات الأساسية في
مجالات التعليم والصحة والقضاء والأمن والدفاع، كذلك
القيام بمشروعات البنية الأساسية والمشروعات الإنتاجية أو
الخدمية التي يعجز القطاع الخاص عن القيام بها.
أين الدولة؟
والملاحظ، عبر سنوات تطبيق الاقتصاد الحر في التجربة
المصرية انسحاب الدولة بشكل تدريجي ليس فقط عن النشاط
الاقتصادي، بل أيضا عن الدور الاجتماعي للدولة.
احتكار
فالتجربة المصرية أدت إلي نتائج خطيرة نتيجة انسحاب
الدولة، فالخصخصة، علي سبيل المثال، ساعدت علي نشوء
الاحتكارات في السوق المصرية، ونكفي أن نشير إلي الأسمنت
والأجهزة الكهربائية والحديد، ورغم أن الحكومة المصرية
تطبق آليات السوق منذ عام 91 إلا أن قانون منع الاحتكار
وحماية المنافسة لم ير النور إلا في العام الماضي، ولم
يبدأ العمل به حتي الآن، والمتوقع أن يبدأ في الشهور
الأولي من العام الحالي، رغم أن القانون بصيغته لا يمنع
الاحتكار، وكذلك فإن قانون حماية المستهلك من المفترض عرضه
علي مجلس الشعب في دورته الحالية!.
تدهور
كما شهدت السنوات الماضية تزايد الاتجاه نحو خصخصة التعليم
والصحة والخدمات بدعوي تحقيق الكفاءة وانسحاب الدولة
التدريجي من هذه الأنشطة، فارتفعت مصروفات التعليم
والأدوية والخدمات العلاجية والمواصلات وكذلك المواد
الغذائية.
كما زادت معدلات البطالة والتضخم وانخفضت الأجور الحقيقية
للعاملين سواء في القطاع العام أو الخاص وتدهورت قيمة
العملة المحلية.
لا تعرف الحكومة عن الخصخصة سوي البيع فقط، وتوسعت في
عمليات الخصخصة خلال وزارة نظيف الأولي، بواسطة وزير
الاستثمار محمود محيي الدين، الذي أعلن أن جميع الشركات
معروضة للبيع، وهو ما يعكس مفهوم سياسة الخصخصة لدي
الحكومات المتعاقبة.
أخطاء الخصخصة
المعروف أن الحكومات المتعاقبة وقعت في أخطاء جسيمة في
بدايات برنامج الخصخصة بتجميع الشركات تحت مظلة الشركات
القابضة وإعطاء الضوء لها بالعمل بأسلوب تجاري بحت، وأوقفت
الدولة ضخ استثمارات جديدة للقطاع العام مما زاد من مشاكل
الشركات، واعتبر الاقتصاديون هذا الإجراء - الشركات
القابضة - بمثابة تغيير في الشكل فقط، وكان الهدف هو البيع
فقط.
البيع هو الهدف
والخصخصة في المفهوم الليبرالي لا تعني البيع فقط، كما
تفهمه الحكومة المصرية، وإنما توجد عدة أشكال للخصخصة منها
خصخصة الإدارة مع بقاء ملكية الدولة لزيادة الكفاءة
الاقتصادية، أو تحويل شركات القطاع العام إلي شركات مساهمة
عن طريق بيع بعض أسهم هذا الشركات عبر سوق الأوراق المالية
إلي الجمهور.
لكن الحكومة المصرية عندما تبيع جزءا من أسهم بعض الشركات
لا يكون الهدف التحول إلي شركات مساهمة بل استكشاف السوق
لبيع باقي أسهم الشركة للتخلص من القطاع العام.
الأهم من ذلك - كما يقول الاقتصاديون - أن عبء الخصخصة لا
يجب أن يقع علي عاتق العاملين بشركات قطاع الأعمال التي
تتم خصخصتها، فلابد من إعادة تأهيل العمالة التي يتم
الاستغناء عنها عبر الخصخصة للاستفادة من هذه العمالة، أو
مساعدة هذه العمالة علي إقامة مشروعات صغيرة عن طريق
تعويضها ماليا ومساعدتهم فنيا لإقامة هذه المشروعات
للاستمرار في سوق العمل.
ضمان اجتماعي
وتواصل حكومة نظيف برنامجها للتوسع في خصخصة الخدمات
كالتعليم والصحة والنقل والاتصالات بعد خصخصة قطاع
المشروعات، كل هذا الاتجاه نحو آليات السوق دون وجود شبكة
ضمان اجتماعي تضمن توزيع عادل للثروة والدخل بين
المواطنين، وتكفل حياة كريمة للمواطن، توفر له الوظيفة
وتضمن له مخاطر الشيخوخة والبطالة وغيرها من الأمراض
الاجتماعية.
ووفقا للاقتصاديين فإن آليات السوق لا تعني الانسياب
التلقائي لثمرات تحرير الاقتصاد، فالأموال لا تتدفق من
الأغنياء إلي الفقراء، بل قد يكون النمو الاقتصادي في كثير
من الأحيان لصالح الأغنياء وعلي حساب الفقراء، وهنا يأتي
دور الدولة للتدخل لضمان توزيع عادل للدخول والثروة، وهو
ما يضمن استمرار النظام في حد ذاته، لكن ما يحدث الآن من
انهيار مخطط ومستمر للطبقة الوسطي يؤدي إلي تآكل القوي
الشرائية للطبقة الوسطي وهو ما يعني ركود الاقتصاد، ويؤدي
في نفس الوقت إلي خسائر أصحاب المشروعات.
ومن هنا فإن النظام الرأسمالي يسعي بجدية إلي الفقراء
والطبقات المحرومة يوفر لها فرصة العمل والخدمات الصحية
والتعليمية حتي يضمن استمرار النظام ذاته، فلا عدالة
اجتماعية في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقراء في
المجتمع.
مساواة شكلية
ويؤكد الاقتصاديون أن تكافؤ الفرص لا يكون بالمساواة
الشكلية أمام القانون، فالليبرالية تقوم علي تكافؤ الفرص
الحقيقي واختلاف الدخول لاختلاف القدرات والكفاءات والعمل،
وإنما ما يحدث من محسوبية ورشوة في اختيار أو تعيين بعض
الموظفين في أماكن مميزة ليس لكفاءتهم المهنية، بل
للمحسوبية والواسطة إنما يقضي علي الليبرالية وتكافؤ
الفرص.
وفي الأنظمة الليبرالية فإن التعليم حق وهو مجاني وتسعي
الدول الغربية إلي توفيره لجميع المواطنين بغض النظر عن
دخولهم وتضمن لهم حياة كريمة أثناء الدراسة، كما تقدم منحا
لاستكمال التعليم الجامعي في كثير من الأحيان للطلاب
الفقراء، مما يجعل التعليم أداة للرقي الاجتماعي.
كذلك الحال بالنسبة للصحة، فالدول تحرص علي توفير الرعاية
الصحية للمواطنين عن طريق التأمين الصحي الحقيقي وهو
مسئولية الدولة في هذه المجتمعات.
وإذا كانت هذه الليبرالية كما يفهمها الاقتصاديون.. فماذا
تقدم السياسات الحكومية؟، إنها تحرر الاقتصاد وتسارع في
الخصخصة دون النظر للأوضاع الاجتماعية والعدالة
الاجتماعية، إنها تحرر من جانب واحد فقط.
تحرير سياسي
أما إذا انتقلنا إلي الجزء الآخر وهو الليبرالية السياسية
التي تكمل الليبرالية الاقتصادية، ولا يتصور أن يوجد تحرر
اقتصادي دون التحرر السياسي، فنجد أن الحكومة مازال أمامها
العديد من الأمور السياسية التي لا تريد الدولة العمل علي
تحريرها، كما حررت الاقتصاد، فالتعددية السياسية المصرية
أصبحت تعددية ورقية بفعل الحكومة، والتعديلات الدستورية
تتم عن طريق رئيس الجمهورية وليس من البرلمان الممثل
الحقيقي للشعب، وتحول النظام السياسي إلي نظام حزبي واحد
يسيطر علي الحياة السياسية نتيجة تداخل الدولة في الحزب
الحاكم، وأصبحت أمانة السياسات هي المسيطر الحقيقي علي
أمور الدولة.
وفي ظل الدستور الحالي فإن رئيس الدولة، وفقا لاختصاصاته
العديدة، هو المسيطر علي رئاسة الوزراء، وأصبح الوزراء
مجرد سكرتارية لتنفيذ التعليمات فقط.
وعلي الحكومة أن تعمل علي تحرير السياسة كما عملت علي
تحرير الاقتصاد، فلابد من تعديل بعض بنود الدستور وقانون
الأحزاب السياسية بما يحقق التعددية الحزبية الحقيقية
وتقليص سلطات رئيس الجمهورية وتفعيل دور البرلمان في
مراقبة أعمال الحكومة، ومنح صلاحيات حقيقية لرئيس الوزراء
والوزراء.