أصدر المجلس الأعلي للثورة الثقافية في إيران توجيها
لوسائل الإعلام الخاضعة للدولة بعدم إذاعة الموسيقي
الغربية والهابطة فيما يتعين عليها تأكيد الموسيقي
الإيرانية الشرعية وهو مصطلح لم أجد شرحا وافيا له في أي
مكان اللهم إلا إذا كان المقصود به هو الإنشاد الديني.
وقبل أسابيع قالت المحامية الإيرانية شيرين عبادي التي
حصلت في العام الماضي علي جائزة نوبل لحقوق الإنسان إنها
تتلقي بين الحين والآخر تهديدات بالقتل، وأنه منذ انتخاب
الرئيس «محمود أحمدي نجاد» في يونيه الماضي أصبح الوضع في
إيران أكثر صرامة، لكن وفقا للدستور لا يمتلك الرئيس سلطات
كبيرة، وأضافت أن السلطات الإيرانية بدأت في الفترة
الأخيرة في تنقيح كل صفحات الإنترنت التي تحتوي علي أسئلة
النساء، مضيفة أن حكومة نجاد حظرت كثيرا من الأعمال الفنية
والأدبية، وأصبح الأدباء أكثر حذرا من ذي قبل.
وأذكر أنني في زيارة لإيران قبل ثلاث سنوات حاولت الحصول
علي اسطوانات أو شرائط كاسيت لأغنيات واحدة من أشهر فنانات
إيران تدعي «جوجش»، وهي ذات صوت ساحر عميق بالغ القدرة علي
النفاذ إلي القلب دون أن تعرف معني ما تقوله الأغنية، ولم
أجد أغنيات «جوجش» في الأسواق لأن حكومة الثورة كانت قد
منعتها.
وصحبتني مرافقتي إلي مكتبة للموسيقي بعيدة عن العيون كانت
هي تتعامل معها لتحصل علي الشرائط والاسطوانات الممنوعة،
واتخذ صاحب المكتبة احتياطاته وذهب إلي مكان آخر وعاد لنا
بأغنية «جوجش» ملفوفة في كيس به فاكهة ثم سلمها لنا بعد أن
تأكد أنه ليس مراقبا وإلا جري إغلاق مكتبته لو انكشف.
كذلك كان من أبرز سمات المعارضة الإيرانية في الخارج بعد
اندلاع الثورة الإسلامية ومازال وجود مئات من كبار
الفنانين الموسيقيين والمغنين والعلماء والكتاب بينهم
مغنية كانت أكثر شهرة من «جوجش» تدعي «فرضية» التي وصفوها
بأنها «أم كلثوم» إيران، ومعها فريق أوركسترا كامل من كبار
الموسيقيين هاجروا جميعا من البلاد بعد أن حاصرتهم أشكال
المنع والمصادرة والملاحقة في الأرزاق بل والمحاكمات
والسجون، وصولا إلي إصدار أحكام بالإعدام علي مفكرين
وكتاب.
ويسلك أنصار الثورة الإيرانية والمتحمسون لموقفها المناوئ
للإمبريالية الأمريكية وتحديها لإدارة بوش وحتي للاتحاد
الأوروبي فيما يخص ملفها النووي يسلكون إزاء قمع الحريات
في إيران وهو القمع الذي يتزايد يوما بعد يوم وكأن ما يحدث
هو شيء ثانوي وعابر في مسيرة ثورية إيجابية من كل جوانبها
الأخري ويكررون ما كان قد حدث في وقائع تاريخية سابقة بل
وتجارب لاتزال قائمة حيث جرت مقايضة بين الحريات العامة
وعلي رأسها حرية الفكر والتعبير وبين الموقف الوطني، وجري
التغاضي في التجربة الناصرية علي سبيل المثال عن القمع
المنظم للحريات العامة وصولا إلي الاعتقالات الواسعة
وإصدار القوانين المقيدة للحريات وتحويل تعذيب المعارضين
في السجون حتي الموت إلي مؤسسة، ويدعون البعض الآن وبقوة
إلي مناصرة سوريا دون انتقادها بسبب قمع الحريات العامة،
لأنها - أي سوريا - تواجه عدوا شرسا يتربص بها ويسعي لخلق
فرصة مواتية لشن حرب عليها.
لا تضع هذه الطريقة في التفكير خبرة التاريخ أمامها، وكأن
ما حدث بالفعل لم يحدث، ولم يعلمنا جميعا دروسا مريرة،
وكأن قمع الحريات العامة لم يكن سببا رئيسيا من أسباب
انتشار الفساد في نظم الحكم التي مارست هذا القمع علي نطاق
واسع، بل وفي سقوط هذه النظم نفسها وتعرضها لهزائم قاسية،
لأن قمع الحريات كان يعني دائما إهدار طاقات الشعوب ودفعها
دفعا إلي اليأس واللامبالاة.
وغني عن البيان أن الشعوب التي تتعرض لصور القمع المنظم
لحرياتها تظل تبتكر أشكالا للتحايل علي هذا القمع ومنازلته
بأسلحة قد لا تخطر علي بال أحد دفاعا عن الحقوق والحريات
وسعيا لانتزاعها من قبضة الاستبداد، ولكن هذا كله لا ينفي
مسئولية المثقفين الذين لايزالون يزينون صور المقايضة
للحكام بدعوي محاربة الإمبريالية تارة، وبدعوي إقامة العدل
الاجتماعي تارة أخري، وذلك أن ما نتعلمه من كل ما جري هو
أن شعبا حرا قادرا علي التعبير عن نفسه وتنظيم نفسه حتي لو
كان هذا التنظيم يتضمن دفاعا عن نظام الحكم، مثل هذا الشعب
هو وحده القادر علي حماية المكتسبات الوطنية والاجتماعية
وتطويرها لأنها ستكون جزءا من نسيج حياته ومن اختياراته،
وستكون مصارعته لأعدائه بدورها اختيارا لا جبرا لأن أحدا
لم يكسر إرادته أو يمرغ أنفه في التراب كما يحدث في ظل نظم
الاستبداد.
وأخيرا ليس من قبيل المصادفة أن يوصف عصرنا بأنه عصر حقوق
الإنسان والديمقراطية ويخطئ من يظن أن الذي منح للعصر هذه
الصفة هم الإمبرياليون أو إدارة بوش ولكنه نضال الشعوب
والتضحيات الهائلة التي قدمها المكافحون من أجل الحرية في
كل مكان، ومنها شعوبنا التي دفعت ولاتزال ثمنا باهظا.