«خالد محمد خالد» يفضح أخطار الدولة الدينية علي المجتمع المصري
عيد عبدالحليم
بعد تصاعد التيار الديني المتطرف في الفترة الأخيرة
خاصة بعد حصول جماعة الإخوان المحظورة علي 88 مقعدا من
مقاعد مجلس الشعب في دورته الحالية.. هل أصبح الباب مفتوحا
أمام تحقيق الحلم القديم للمتطرفين ؟
ولأن الأمر بالغ الخطورة فلابد من كشف بعض الحقائق حول هذه
القضية الشائكة، والتي ناقشها كثير من المفكرين المصريين
والعرب منذ بداية القرن العشرين بداية من محمد عبده وفرح
أنطون وعلي عبدالرازق وصولا إلي خالد محمد خالد في منتصف
القرن المنقضي والذي فند من خلال كتابه «التأسيسي» «من هنا
نبدأ» القضية عبر رؤية عقلانية زاوج فيها بين ما يطرحه
الفكر الحديث والنص القرآني الذي دعا إلي التسامح والإخاء
والمساواة، ورفض فكرة «الحاكمية» وذمها في آيات كثيرة
وكذلك الأحاديث والمواقف النبوية، نظرا لما يكتنف القضية
من شبهات وأغراض تلحق الضرر بالمجتمع.
وهنا محاولة لعرض الأفكار الرئيسية للكتاب يتبعها قرار
مصادرته من قبل لجنة الفتوي بالجامع الأزهر، ثم حيثيات
المحكمة المستنيرة برفع هذا القرار مع جواز تناوله وبيعه،
في وثيقة تاريخية، تدل علي أن بعض أفكار الأمس الداعية إلي
الحرية مازالت مثيرة للدهشة والاعجاب.
في ظل حراك اجتماعي خطير وفارق ظهر كتاب «من هنا نبدأ»
لخالد محمد خالد والذي تصدي فيه مؤلفه لقضية شائكة
ومتشابكة في آن وهي قضية الدولة الدينية وخطورتها علي
المجتمع المصري والعربي.
ولبيان أهمية وقت صدور الكتاب والذي صدر في طبعته الأولي
عام 1950 لابد وأن نشير إلي الاتجاهات الفكرية التي كانت
سائدة في تلك الفترة الحاسمة في تاريخ مصر الحديث وأولها
الاتجاه الديني الذي كان يري في المرجعية الدينية سبيلا
وحيدا للإصلاح، وقد انقسم هذا الاتجاه إلي تيارين أحدهما
يقف علي النقيض تماما مما يراه الآخر فالبعض كان يتحدث عن
الدين من ناحية المسئولية الاجتماعية، والبعض الآخر - وكان
أكثر قوة وتأثيرا - كان ينزع إلي فكرة «النظام الأبوي» حيث
كان يعتبر طاعة القيادة ضرورة إسلامية حتي وإن جاء ذلك علي
حساب الديمقراطية، ومن هنا كانت الدعوة - من قبل هذا
الاتجاه - إلي قيام دولة إسلامية تستمد شرعيتها من النصوص
المقدسة في محاولة لإحياء فكرة «الخلافة»، وهي الدعوة التي
لعبت فيها السياسة الملكية «فؤاد وفاروق» دورا كبيرا.
ولذلك كانت هذه الدعوة التي روّج لها رجال الدين القريبون
من البلاط الملكي تستبعد أي رؤية حداثية، أو أي مناقشة
عقلية نقدية تقوم علي مراجعة الموروث.
علي الضفة الأخري كان هناك مجموعة من المثقفين الذين تبنوا
الفكر الليبرالي المضفر ببعد اجتماعي والذين بدأوا يروجون
لفكرة «المجتمع الحداثي» القائم في بنيته علي المراجعة
وتصحيح الأخطاء التي وقع فيها السابقون.
ومن الناحية العملية كان هناك اتجاه ثالث تبني أصحابه
الفكر الماركسي القائم علي مباديء ثورية، من خلال مناقشة
جدلية في الفلسفة وعلم الاجتماع والاقتصاد، ومن ثمّ اتجه
أصحاب هذا الفكر إلي النقابات العمالية، وإن كانوا لم
يقدروا علي التوغل في بقية شرائح الطبقة الوسطي.
في هذه الأجواء المليئة بالتحولات الجذرية ولدت فكرة
الكتاب والذي يقول عنه مؤلفه «إن هذا الكتاب يحاول محاولة
صادقة أن يجيب عن سؤال «ما هو التحول الاجتماعي» فهو يرسم
الخطوط الرئيسية لهذا التحول الوديع الذي يفضي بنا إلي
قومية شاملة لا تنافر فيها.. وإلي اشتراكية عادلة لا
استغلال ولا ظلم فيها.. وإلي وعي ناضج سليم لا سلطان
للرجعية ولا للكهانة عليه».
ولذلك جاء الفصل الأول من الكتاب تحت عنوان «الدين لا
الكهانة» ليناقش - بصراحة شديدة - وبمنطق عقلي يعتمد في
أحد جوانبه المهمة علي ما يطرحه الدين حول فكرة «الدولة
المدنية» و«الدولة الدينية» فالدين ضرورة اجتماعية لا غني
لأحد عنها فهو مصدر للقوة وللإخاء والمساواة والعدل
الاجتماعي، وله من الخصائص الذاتية ما يجعله وسيلة لإسعاد
الناس سعادة واقعية من خلال نصوصه الرائدة في الدعوة إلي
التسامح واحترام الآخر.
ومع ذلك نجد بين الحين والآخر كثيرا من المتشدقين الذين
يربطون بين الدين والسياسة في محاولة لاستمالة أولي الأمر،
وهم فئة لا يخلو منها أي عصر.
ولذلك يفرق خالد محمد خالد بين الكهانة والدين الرشيد علي
حسب تعبيره من خلال سرده لبعض تعاليم الكهانة المتوارثة
منذ آلاف السنين، وكيف أن مروجيها قد اتخذوا من تحريفهم
للنصوص الدينية ستارا لأفكارهم الهدامة.
فهو يورد علي سبيل المثال قول المفكر الإنجليزي «ه. ج.
ولز» من كتابه «معالم تاريخ الإنسانية» والذي يصف فيه ما
فعله الكهنة بالحضارة الغربية «كان الكهنة يلقنون الناس أن
الأرض التي يزرعونها ويدأبون فيها، ليست لهم.. وإنما
للآلهة التي في المعابد.. وقد يهبها الإله «للحكام» ويهبها
«الحكام» لمن يشاءون من خدمهم وموظفيهم».
وهذه الحالة التي يشير إليها «ولز» في كتابه عن المجتمع
الغربي في ظل سيطرة الكنيسة علي الأمور السياسية في أوروبا
ليست بعيدة عما حدث في مصر الفرعونية - مثلا - فقد كان
الكهنة في المعابد يطلقون علي «فرعون» صفة «الرب» ولم
يقتصر الأمر علي ذلك بل أطلقوا هذه الصفة علي كثير من
النبلاء الذين كانوا يتصرفون في مقدرات الشعب مما حول
الحياة الاجتماعية في كثير من العصور إلي حالة من التبعية
والخضوع.
لذلك حرص كثير من الفاتحين في العصور المتأخرة علي اتقاء
جانب هؤلاء «الكهنة» فكانوا «يضعون أيديهم في أيدي كهنة
الشعوب والمدائن التي يبتغون طاعتها.. مظهرين بذلك ثقتهم
بهم وإكبارهم إياهم.. بسبب عظيم نفوذ هؤلاء الكهنة علي
عقول الناس» وعلي مر الأزمنة المتلاحقة وجد المواطن العادي
نفسه مستلبا لا إرادة له، فكل ما يفعله من عمل وجهد في
الحياة وضع في خدمة الآلهة، والتي هي - بطبيعة منطق ذلك
الزمن الغابر - «السلطان وأعوانه».
وللأسف الشديد فإن للكهنة وإن تغير مسماها سلالة تلد
سلالة، وهكذا في دائرة تحاول إحكام قبضتها علي كل مقدرات
الشعب.
براءة خادعة
ويري خالد محمد خالد أن «الكهانة» في كل عصر تمتلك من
المنطق والفلسفة ما يؤيد رأيها - دائما - مرتدية ثوبا
زائفا من البراءة الخادعة، وباستطاعتها أن تحول أي فكر
جديد لصالحها في محاولة لخدمة أغراضها الشخصية.
فعلي سبيل المثال لو قال الناس نريد تطبيق مبدأ
الاشتراكية، سيقول الكهنة - علي حد تعبير المؤلف - «هناك
اشتراكية الصدقات»، «فالصدقة في نظر الكهانة نظام اقتصادي
واف ووسيلة ناجحة لمحاربة الفقر وإسعاد الشعب ومطاردة
متاعبه وشقائه» ويؤكد المؤلف أن هذه الدعوة ليست من
الإسلام السمح في شيء، «فالإسلام حين دعا إلي العدل
والتكافل الاجتماعي، لم تكن الصدقة في حسابه قط كوسيلة
تنهض بها حياة الشعوب.. بل هي شيء يشبه «أكل الميتة» فتباح
لبعض الأفراد الذين لا يجدون ما يقيم الأود ويمسك الرمق..
ولكنها لا تعالج هبوط المستوي المعيشي للأمم والجماعات».
وقد يعترض البعض بأن الصدقة المقصودة في قوله - تعالي -
«خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها» بمعني الزكاة وهي
أحد أركان الإسلام الخمسة، فإن هذا بالتأكيد ما قصدته
الآية ودعت إليه.
لكن المؤلف يأخذ علي هؤلاء دعوتهم إلي أن تكون «الصدقة»
مصدرا مشروعا من مصادر العيش والارتزاق، مما يبيح للبعض
عملية التسول والسؤال وهو ما ذمه الرسول محمد - صلي الله
عليه وسلم - في أحاديث كثيرة منها «المسألة كلوح في وجه
صاحبها يوم القيامة، إياك والمسألة.. فإنما هي رضف من
النار ملتهبة».
وكذلك أمره للرجل الأنصاري الذي جاء يسأله فقال له: ماذا
تملك فقال «حلس نلبس بعضه.. ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه
الماء» فأمره - صلي الله عليه وسلم - بأن يأتي بهما، ووقف
الرسول يبيعهما بالمزاد فينادي: من يشتري؟ فيقول رجل:
بدرهم ويقول رجل بدرهمين فيبيعهما له، ويأمر الرسول - صلي
الله عليه وسلم - الرجل أن يشتري بأحدهما طعاما وبالآخر
«معولا» يعمل به في جمع الحطاب، وبالفعل ينجح الرجل في
عمله ويأكل من كسب يده، ويؤكد هذا أيضا الحديث الوارد في
صحيحي مسلم والبخاري «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب خير له
من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه».
والعجيب في زماننا هذا انتشار ظاهرة التسول - بشكل مزر -
والتي يتفنن أصحابها في تنوع طرق الاستجداء، لدرجة أن
بعضهم يمسك ميكروفونا ويطلب من خلاله التبرع لبناء مسجد
والعجيب أنني شاهدت رجلا في أحد الميادين الكبري يفعل ذلك
يوميا لأكثر من عشر سنوات بحجة بناء مسجد فهل لم يتم بناء
المسجد خلال تلك السنوات؟، وهناك من يوزع أوراقا في
المترو.
وبالمصادفة وأنا أحضر إحدي صلوات الجمعة وبعد أن انتهي
الخطيب من الخطبة، طالب الحاضرين بالتبرع لبناء مسجد في
المنطقة، لأن هناك كنيسة مبنية في هذا المكان، وقال بالحرف
الواحد «إن تكلفة الأرض التي سيبني عليها المسجد تتعدي
النصف مليون جنيه» ولابد للمصلين أن يتبرعوا لشرائها،
وبالتالي سيكون هناك تبرع آخر مطلوب منهم لخطة بنائه.
وبالتأكيد فإن بناء مسجد أمر جليل وجميل لإقامة الشعائر
الدينية، لكن أن تكون إقامته لأن هناك كنيسة فهذه دعوة
فيها من الطائفية الكثير، ومنافية لجماليات الدعوة
الإسلامية التي يقول عنها المولي - سبحانه وتعالي - في نص
قرآني بالغ السماحة والرقي «لكم دينكم ولي دين».
لكن هيهات لهؤلاء الذين ينفون الآخر بضرب الحصار علي عقول
الناس بدعوي الحفاظ علي الدين، مع أن دعوتهم منافية لما
جاء في صحيحه، ومنافية لأفعال وأقوال الرسول - صلي الله
عليه وسلم - الذي خاطبه - سبحانه - قائلا: «وجادلهم بالتي
هي أحسن»، ويقول عن نفسه «إنما أنا رحمة مهداة» ولذلك يقول
خالد محمد خالد «إن الكهانة تتوسل بالمسجد والمنبر لتقويض
المجتمع» مستغلة في ذلك «انصراف رجال الدين عن واجبهم في
نشر الحقائق الدينية الباعثة، فتذهب هي تبشر بأفكارها
المدبرة عاملة علي تعويق النهضة في المجتمع» ص70.
ضرورة المراجعة
وللأسف الشديد سكوت المستنيرين من علماء الدين عن أداء
دورهم أدي إلي ظهور فئة من خطباء المنابر الذين لا يعرفون
عن صحيح الدين شيئا، مما جعلهم يقومون بدور سلبي هدّام
فكأنهم علي حد تعبير المؤلف «يعالجون الفقر بالفقر ويمحون
الخبيث بالخبيث ويدعون الناس إلي التشاؤم من المجتمع،
ويحرضونهم عليه لأنه في نظرهم مجتمع مارق فاجر لا يستحق
التوقير والاحترام».
وهذه الفئة تعتمد علي ثقافة مغلوطة استقت أفكارها الرئيسية
من كتب الرصيف، وشرائط الكاسيت، وهذه كلها لا تكوّن داعية
إسلاميا، لأن مثل هذه الكتب تقوم علي أحاديث مصنوعة
وإسرائيليات، وبعيدة عن التناول الصحيح للدين.
وقد ذم عبدالله بن عباس مثل هؤلاء الكهنة قائلا عنهم «كلما
لعق أحدهم من الإسلام لعقة، ذهب يقول: حدثني رسول الله..
ووالله ما حدثه رسول الله بشيء، ولا هو ممن يفقهون
حديثا..!».
فروق جوهرية
ويقدم خالد محمد خالد بعض الفروق بين الدين والكهانة مؤكدا
أن الدين إنساني بطبعه وشرعته أما الكهانة فأنانية
بغريزتها، ويظهر جليا هذا الطابع الإنساني للدين من تكريم
بني آدم في البر والبحر علي حسب تعبير النص القرآني «ولقد
كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر».
أما الكهانة فتعتمد فلسفتها علي منطق نفعي مفاده أن الأرض
ملك للآلهة الذين يرقدون في الهيكل، وأن الآلهة قد منحوها
طبقة من الناس يستغلونها لأنفسهم كما يشاءون، ولعل هذه
الفلسفة هي ما أوجدت فكرة الإقطاع.
والفرق الثاني: أن الدين «ديمقراطي» النزعة في أحد تجلياته
السمحة، لا يعترف بالفوارق المفتعلة بين أبناء الإنسانية
أما الكهانة والتي تدعو إلي «خلافة دينية وحكومة دينية»
فلا تؤمن بالديمقراطية.
فإذاً النص القرآن حين يبلغ أمرا إلهيا إلي العباد يجيء في
صيغة «يا أيها الناس» أو «يا عبادي»، أما الكهانة فقد ورد
من خطاباتها «بلغوا عبيد بابنا العالي» علي لسان أحد
السلاطين الذي كانت تخدمه الكهانة.
الفارق الثالث: يتجلي في الإيمان الشديد للدين بالعملية
العقلية وتكريمه للعقل الإنساني، ولذلك رأينا بعض أقطاب
الفقه الإسلامي يشار إلي مدارسهم الفقهية إشارات عقلية
دالة كما حدث مع أبي حنيفة النعمان - رضي الله عنه - حيث
أطلق علي مدرسته «أهل الرأي» حتي الشافعي تحوّل مذهبه حين
جاء إلي القاهرة، حتي أنه إذا سئل كان يرد قائلا «إنه رأي
شيئا لم يكن يراه وسمع قولا لم يكن يسمعه»، وهكذا كانت
طريقة التعامل مع العقل والتي استمدت منهجها من قول الرسول
- صلي الله عليه وسلم - «تفكر ساعة خير من عبادة سنة».
وفي هذا الإطار يدعو المؤلف إلي تصحيح المفاهيم لدي الجيل
الجديد من الوعاظ وأئمة المساجد من خلال إقامة دورات
تدريبية وتعليمية لهم تعتمد علي عرض صحيح الدين، مع ضرورة
وجود لجنة علمية من الثقات لتنقية الكتب غير الصحيحة
المقررة علي طلاب المدارس والجامعات، كما يدعو إلي «حصر
صلاة الجمعة في المساجد الكبري في كل حي علي أن يعهد
بمنابرها إلي وعاظ مجددين يتم اختيارهم جيدا».
وبالنسبة لمساجد القري التي يرتقي منابرها كثير من الدعاة
غير المؤهلين دينيا وثقافيا، فالحل كما يراه المؤلف يكمن
في «تأليف لجنة ذات ثقافة دينية نظيفة تضع لهم الخطب أولا
بأول وتمدهم كل شهر بمنهج جديد».
وهكذا يتلمس «خالد محمد خالد» الجرح الغائر الذي آلم جسد
الأمة - كثيرا - ولذلك نراه كما شخص أسباب العلة يضع بعض
أساليب العلاج من وجهة نظره في الفصل المعنون ب «قومية
الحكم» والذي يواجه فيه - بجرأة - الداعين إلي إقامة حكومة
دينية بمناقشة عقلية جادة دون تسفيه أو تقليل من رأي أحد
فيقول في أول سطر من هذه الفصل: «في المجتمع اليوم رأي
ذائع، يطالب ذووه بحكومة دينية، تحكم بما أنزل الله وتقيم
الحدود في الأرض، لأن إقامة حد واحد خير للناس من أن
يمطروا أربعين يوما ومن العبث تجاهل هذا الرأي أو التقليل
من شأنه».
لكنه يعود فيرد عليهم مبينا خطورة ما ذهبوا إليه قائلا
«وإذا كنا نري في الحكومات الدينية تجربة فاشلة.. ونري في
العمل علي عودتها انتكاسا إلي الأوتوقراطية المرهقة التي
تخلصت منها الإنسانية بمشقة وكبد ومجازفة بالدين ذاته
مجازفة تعرض نقاوته للكدر، وسلامته للخطر» وعبر لغة
تساؤلية يعاود المؤلف التأكيد علي خصائص الدين والذي من
أولي طبائعه «تحرير البشر من الاستغلال والتسلط، فهل تلك
من طبائع الحكومة الدينية؟! كما أن من طبيعته العدل في
الحكم والإحسان في العمل، فهل تلك من طبائع الحكومة
الدينية».
ويستدل الكاتب بمجموعة من المواقف الرائدة للرسول - صلي
الله عليه وسلم - ومنها موقفه من بعض الصحابة الذين أرادوا
أن يعاملوه مثل الملوك والأباطرة فقال لهم «لست كأحدهم،
إنما أنا رحمة مهداة».
وقوله لسيدنا عمر بن الخطاب الذي دخل عليه ذات يوم فرآه
مضطجعا علي حصير قد أثر في جنبه فقال له:
- أفلا تتخذ لك فراشا وطيئا لينا يا رسول الله؟ فأجابه
الرسول: مهلا يا عمر! أتظنها كسروية؟ إنها نبوة لا ملك!.
ويعلق الكاتب علي هاتين الواقعتين قائلا «وهنا نبصر تحديدا
صريحا لوظيفة الرسول، ومهمة الدين: النبوة لا الملك..
والهداية لا الحكم».
وقد يقول قائل: ولكن الرسول مارس بعض وظائف الحاكم ومنها
قيادة الجيش وعقد المعاهدات، ومن بعده جاء الخلفاء الذين
قاموا ببعض هذه الأدوار، فكيف يتم التوفيق بين هذا وما
يطرحه الكتاب وللإجابة يقول خالد محمد خالد: «إن الرسول لم
يكن حريصا علي أن يمثل شخصية الحاكم، لأن مقام الرسول أرفع
مقام، لولا الضرورات الاجتماعية التي ألجأته إلي ذلك ليحقق
المنفعة والسعادة لمجتمعه الجديد، من أجل هذا رأيناه ينفض
يده من أكثر شئون الدنيا التي يستطيع الناس أن يلتمسوا
لأنفسهم فيها مخرجا ويقول لهم: أنتم أعلم بشئون دنياكم..».
ولذلك صدقت نبوءة الرسول - صلي الله عليه وسلم - والتي قال
عنها «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا عضوضا» ففي
عهد أبي بكر وعمر وجد نوع من نزاهة الحكم قائم علي الكفاية
الشخصية والكمال الذاتي، ورغم أن عثمان بن عفان - رضي الله
عنه - كان من أكثر الصحابة إيمانا وأشدهم حبا للدين، إلا
أنه كان طيبا ووديعا، لدرجة جعلت البعض ممن وثق فيهم
يستغلون طيبته ومعاملته الطيبة لأغراضهم الشخصية مما أودي
بحياته في النهاية، وبالتالي فتحت علي المسلمين «أبواب
فتنة عاصفة هوجاء» مما أدي إلي تنافس دموي علي الحكم.
غرائز الحكومة الدينية
وتحت عنوان «غرائز الحكومة الدينية» يورد المؤلف مجموعة من
الصفات التي تتصف بها الحكومة الدينية ومنها: قيامها علي
سلطة غامضة، وصلة الناس بها يجب أن تقوم علي أساس من
الطاعة العمياء والتسليم الكلي والتفويض المطلق، فهي لا
تفسر وجودها بأكثر من «أنها ظل الله في الأرض»، ولا تدع
لأحد فرصة لمناقشتها.
كذلك اعتمادها علي آلية التقليد والتبعية، بالإضافة إلي
استغلالها لمناطق الضعف الإنساني فيخاطبون الناس بخطاب
معسول يكرههم في دعاة الحرية والإصلاح بحجة أنهم «يحاولون
نفي الدين عن المجتمع، بهدم السلطة التي تمثله وتصونه».
وأخطر هذه الصفات هي الغرور المقدس للحكومة الدينية فهي لا
تقبل النصيحة ولا التوجيه، ولذلك تجيء فكرة «المعارضة»
عندها موصوفة بأنها «تفريق بين الأمة وتمزيق لوحدة
الجماعة».
إضافة إلي ذلك هناك صفة الجمود فهي تسير عكس متطلبات
الحياة، ويرتبط بذلك - أيضا - كنتيجة منطقية لهذه الصفات
جميعها صفة أكثر شراسة وهي «القسوة المتوحشة» بدعوتها إلي
قتل وإهراق دم المخالفين لها، وتغري أتباعها بأن في قتل
هؤلاء سبيلا إلي الجنة وبدمهم يفتح باب الفردوس..!!.
ثم يعود المؤلف في نهاية هذا الفصل ليؤكد «أن الحكومة
الدينية التي ينتقدها هي التي تعتمد علي سلطة مبهمة غامضة
ولا تقوم علي أسس دستورية واضحة تحدد تبعاتها والتزاماتها
حيال الشعب كما هو شأن الحكومات القومية، والتي تمنح نفسها
قداسة زائفة وعصمة مدعاة».
الكتاب أمام القضاء
ونظرا لأن ما جاء في هذا الكتاب من أفكار حرك المياه
الراكدة في المجتمع المصري والعربي بما طرحه من رؤي
تنويرية وما خاض فيه من مناطق مسكوت عنها، فإن ما فيه لم
يعجب لجنة الفتوي بالجامع والتي أصدر رئيسها في أول مايو
عام 1950 قرارا يطالب فيه بمصادرة الكتاب، وبعده بأيام
قليلة أصدرت النيابة العامة أمرا بضبط الكتاب، وجاء في
عريضة الدعوي أن «الكتاب به كثير من الأفكار الخارجة علي
الدين وترويج الشيوعية وتحريض الفقراء علي الأغنياء وهو ما
يمثل مخالفة لقوانين العقوبات أرقام 161، 171، 174، 176،
198.
حيثيات الحكم
وقد تحددت القضية للحكم في 7 من مايو 1950، وبالفعل صدر
حكم محكمة القاهرة الابتدائية برئاسة حافظ سابق بقرار
إلغاء الأمر الصادر بضبط كتاب «من هنا نبدأ» لخالد محمد
خالد والإفراج عنه في يوم السبت الموافق 27 مايو سنة 1950.
وقد جاء هذا الحكم ليدحض دعوي لجنة الفتوي حيث تضمنت
حيثياته «أن المؤلف فيما قاله لم ينكر ركنا من أركان الدين
ولم ينتقص من قدر رسول الله - صلي الله عليه وسلم - فقد
كان يحس إحساسا واضحا بمهمته ويعرفها حق المعرفة وهي أنه
هاد وبشير وليس رئيس حكومة ولا جبارا في الأرض.
وقد أيد ذلك بأحاديث نبوية صحيحة، وهو مؤيد كذلك بقوله -
سبحانه - «إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلي
الله بإذنه وسراجا منيرا» و«إن عليك إلا البلاغ» وقوله -
تعالي - «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» وقوله
- تعالي - «وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف
وعيد».
وحيث إن لجنة الفتوي أسندت إلي مؤلف الكتاب أنه عرض بركن
من أركان الدين وهو الزكاة وخلع عليه ثوبا يقزز منه النفوس
ويجعله مظهرا من مظاهر المذلة والهوان وحيث إنه لا شك أن
الزكاة ركن من أركان الدين الخمسة لقوله - تعالي -
«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين» وفي
هذا ما يدل علي أن الزكاة عبادة وفرض واجب.
وحيث إن المؤلف لم يجحد الزكاة ولم ينف أنها ركن من أركان
الدين، وهو لم يحقر الصدقة ذاتها بل حقر المسألة فقد قال
إن الصدقة في عصر الرسول وفي لغة القرآن تعني ضريبة مفروضة
هي ضريبة الزكاة وأنها مباحة للأفراد الذين لا يجدون ما
يقيم أودهم ويسد رمقهم.
وحيث إن ما ورد بالكتاب عن ذم المسألة والتعفف عنها صحيح
فقد جاء بالجزء الثالث من كتاب فتح الباري ومتن الجامع
الصحيح للإمام البخاري أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم
- قال «ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله وما
أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر».
ويؤخذ مما روي عن النبي من الأحاديث المتقدم ذكرها وغيرها
أنه كان يحض الغني علي الصدقة، كما كان يحض الفقير علي
التعفف عن المسألة والتنزه عنها.
وحيث إن لجنة الفتوي نسبت إلي المؤلف أنه قال إن الدين لا
يصح أن يعتمد - فيما يعتمد عليه في إصلاح المجتمع - علي
العقوبة وقد تبين من مطالعة الكتاب أن المؤلف كان يرد علي
القائلين بوجوب قيام حكومة دينية تتولي القضاء علي
الرذائل.
وحيث إن المؤلف لم ينكر ما أمر الله به من حدود، وإنما قال
لا ضرورة لقيام حكومة دينية من أجل إقامة هذه الحدود خاصة،
لا سيما أن هذه الحدود نادرة التطبيق عمليا.
وحيث إنه تبين مما تقدم أن المؤلف لم يطعن في الدين ذاته
ولم يجحد كتاب الله وسنة رسوله، بل مجد الله وكرم الرسول
في أكثر من موضع في كتابه.
وهو لم يخرج فيما كتب عن حد البحث العلمي والفلسفي، وإذا
صح أنه أخطأ في شيء مما كتب فإن الخطأ المصحوب باعتقاد
الصواب شيء، وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر.
ويشترط للعقاب بمقتضي المادة 161 عقوبات أن يكون الجاني قد
تعدي علي الدين أي أهانه وامتهنه أو ارتكب ما من شأنه
المساس بكرامته أو انتهاك حرمته والحط من قدره والازدراء
به.
وحيث إنه فيما يتعلق بالجريمتين الأخريين اللتين أسندتهما
النيابة العامة للمؤلف من استعراضه للحالة الاجتماعية في
مصر وسطوة الأغنياء وضياع حقوق الفقراء فنقد الرجعية
الاقتصادية والرأسمالية، وأفصح عما تعانيه غالبية الشعب من
فقر وحرمان، هذا إلي أن ما ذكره المؤلف عن الفقر وهبوط
مستوي المعيشة وما إلي ذلك ليتردد علي لسان كل من يسعي إلي
الإصلاح ويبتغيه.
لذلك أصدر رئيس المحكمة قراره السابق بالإفراج عن الكتاب
ومؤلفه.