في ذكري رحيله قبل أربعين عاما عقد المجلس الأعلي
للثقافة مؤتمرا حول هذا الرمز المحير من رموز الثقافة
والنهضة في بلادنا.
إنه العقاد الكاتب والناقد والشاعر والأديب الموسوعي،
وكاتب الرواية والسيرة الذاتية والنائب البرلماني العنيد
والمعارض حتي السجن.
تعددت الأوجه وتنوعت الثمرات وازدهرت الحياة الثقافية
والفكرية بمشاغباته ومعارضته.
أسس مدرسة الديوان - فتح جديد في دنيا النقد - وكتب عن سعد
زغلول زعيم الأمة وفارسها العجوز، وترك أحد عشر ديوانا من
الشعر بعد أربعين عاما ماذا تبقي من العقاد؟.كذلك تساءل
الناقد والكاتب د. جابر عصفور في افتتاح المؤتمر الذي
انعقد في المجلس الأعلي للثقافة.
نحن والعقاد قال الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي: إنه ورغم مرور
أربعين عاما علي رحيله، إلا أننا مازلنا نفتقده فنحن في
أشد الحاجة إليه الآن وإلي استنارته وشجاعته فهو أكثر من
كاتب وأكثر من شاعر، إنه صاحب العبقريات والمفكر المتفلسف
والكاتب السياسي، والشاعر المجدد المولع بالفن.
اعترف حجازي بالتواطؤ الذي حدث من جانب الجميع تجاه الجانب
الشعري لدي العقاد، والاهتمام فقط بالعقاد الكاتب مؤكدا،
أن الشعر هو جوهر تراث العقاد رغم النقد الذي تعرض له
شعره، فمعظم شعراء العالم يتعرضون للهجوم والنقد، خاصة أن
النقد يدفعنا لمداومة النظر فيه وشعره يعتبر ديوانا ضخما
متعدد المستويات فيه الروائع المتفردة والصناعة المتقنة
والصناعة الرديئة أيضا.
الهرم الثقافي أكد د. أحمد درويش مقرر لجنة الدراسات الأدبية اللغوية
بالمجلس، أن العقاد جسد مفهوم الهرم الثقافي القائم علي
توازن الأضلاع والشموخ الذي تشكل منهما موسوعية البناء فهو
من القلائل الذين ازدحم العلم والشعر في صدورهم، وإنتاجه
الشعري يضعه مع أبرز شعراء جيله حيث صدر له 11 ديوانا بدأ
مع ديوان «يقظة الصباح» عام 1916 وانتهي بديوانه «ما في
بعد البعد» عام 1967 وقال إن لديه في مجال نقد الشعر
نظريات يشار في بعضها النظريات في مفهوم الشعر ووسائله
ومذاقه الخاص، وأثر ذلك في مسيرة الشعر في القرن العشرين
بل وفتح الباب أمام قراءة التراث.
كما كتب في أهم الجرائد والمجلات الثقافية والأدبية:
المنار - البلاغ - الرشيد - الهلال - كوكب الشرق - الضياء
- مصر الفتاة - الرسالة - المقطم، من خلال ذلك وصل صوت
العقاد الذي يقاوم الاستبداد.
العقل العربي ذهب الناقد د. صلاح فضل إلي أن العقاد كان يؤثر أن
يقدم نفسه بوصفه شاعرا، قبل كل شيء كما طرح في شعره الكثير
من الأسئلة، وقال إنه لا يعتقد أن له مثالا في حياتنا
المعاصر، ولو طفنا في فلك العقاد لنلتقط العناصر والقيم
التي يجسدها في حياتنا سنجد أنه أحد صناع العقل المصري
والعربي، كما أننا لا نستطيع أن نغفل الدور الرائد لرفاقه
الذين أطلقوا الشعلة في الثقافة العربية.
أشار د. فضل إلي الجوهر الفكري والثقافي للعقاد، رغم أنه
لم يعتمد علي مدرسة أو جامعة لكنه بدأ بنفسه وأقام مؤسسته
العقلية والفكرية بجهده الذاتي وصنع نفسه حتي بات أحد صناع
العقل عندما استهواه الأدب والشعر فسلط عليهما عقلا نقديا
فذا في الثورة الثقافية التي أشعلها وهو مازال شاباً في
العشرينيات من عمره.
بوتقة الفلسفة أكد فضل أن العقاد نجح بعبقريته في نقل فكرة العقل
الطاغي من مجال الشعر والأدب لينصهر ويبرز إنتاجه في بوتقة
الفلسفة والعلم والتاريخ والثقافة، وخرج من إطار الأدب
ليعانق جوانب المعرفة المختلفة، حتي بات يمثل المرجعية في
المعرفة، لجميع أبناء جيله، وأصبح يمثل أيضا صوت عصر
بأكمله ورمزا له، وعلي المستوي السياسي كان بجانب سعد
زغلول زعيم الأمة وكان العقاد كاتب الأمة الجبار، كما
اعتبر العقاد الكتابة هي رأسماله في الحياة العامة ليتمكن
من قيادة الرأي العام لذا كان له باع طويل في الصحافة.
سقف الحرية تحدث د. فضل حول البعد الديني في حياته مؤكدا أن
العقاد علماني في كل كتاباته وأعاد اكتشاف منظومة القيم
الدينية، كما ارتفع العقاد بسقف الحرية إلي أفق بعيدة، ولم
يقتصر علي الحريات باعتبارها قيمة سياسية بل جعلها قيمة
جمالية، حيث رفض كل أشكال العبودية، كما خاض معارك ضارية
ضد كل السلطات.
في نهاية كلمته أكد فضل أن العقاد لم يخلف مدرسة رغم ذلك
ما تبقي منه أكثر وأعمق من أي مدارس فبحوثه وترجماته
ومؤلفاته هي التراث الذي نتكئ عليه، وتأصيله للفلسفة
والمعرفة والثقافة يقدم لنا نموذجا فريدا في العلم والحرية
والاعتزاز بالذات.
الشاعر المفكر بدأ الناقد والكاتب د. جابر عصفور حديثه متسائلا: ماذا
بقي من العقاد اليوم؟ وأجاب أن ما تبقي من العقاد هو الذي
يجعله حيا، لقد اتسم بالموسوعية ولايزال حيا يؤثر فينا،
بما تنطوي عليه كتاباته المتنوعة، مثلما أشار العلم الحديث
بما يسمي ب «تضافر الاختصاصات» أو الدراسات البيئية التي
بدأ بها العقاد، مما يؤكد أن الدارس الذي يسكن نفسه في
إطار ضيق يجب أن يفتح الأفق المختلفة ويدخل في علاقة فاعلة
مع مختلف التخصصات.
يواصل عصفور: اتسم العقاد أيضا بصفة الناقد الذي لديه
قدرات فذة علي محاربة المؤسسات الراسخة حيث كانت كتاباته
بمثابة تحطيم متعمد لمدرسة الأوثان في الشعر، كما ساهم في
إلقاء الضوء علي الشعراء الكبار والنظر إليهم مثلما فعل
بالمتنبي وأبونواس وابن الرومي عندما أعاد اكتشافهم وجعلهم
معاصرين لزمنهم.
كما نجح العقاد في المزج بين الشعر والفكر لذا أطلق عليه
«الشاعر المفكر»، كما التفت إلي ضرورة أن يكون للشعر علاقة
وثيقة بالحياة ومفرداتها اليومية لذا جاء ديوانه «عابر
سبيل» يضم مجموعة من القصائد غير الشعرية في رأي البعض
لكنه أراد أن ينزل بالشعر من عليائه ليلتقط التفاصيل
الصغيرة.
الجمال والحرية يقول د. عصفور: إن العقاد نموذج للمفكر الحر
والبرلماني الجريء الذي لم يعد له مثيل الآن، فمن يستطيع
اليوم أن يقول إن البرلمان مستعد لأن يسحق من يخالف
الدستور - يواصل ضاحكا - لكنه دخل السجن حينذاك وألف كتابا
عن أدب السجون.
كما أننا لا ننسي أن العقاد هو أحد مؤسسي علم الجمال
والوعي الجمالي في فكرنا المعاصر، وامتلك قدرة عالية علي
الوصل بين الجمال والحرية، خاصة أنه لا سبيل لإدراك حقيقة
الجمال إلا إذا كان بداخلنا قيمة الحرية، لأن الجمال ما هو
إلا فعل من أفعال الحرية.
كما كتب العقاد عن الفنون التشكيلية وقال: «إن الأمة التي
تعرف معني الوردة واللوحة هي الأمة المتقدمة، ولا يستطيع
التخلف أن ينال منها».
وعلي مدي ثلاثة أيام ناقش المؤتمر العديد من الأبحاث التي
تناولت حياة العقاد وأفكاره ومواقفه منهم: د. سيد عشماوي
في بحثه «العقاد والعيب في الذات الملكية»، د. ماهر شفيق
فريد «عباس محمود العقاد الشاعر: إعادة تقييم»، الكاتب
الصحفي حلمي النمنم حول «المرأة في فكر العقاد وحياته»،
وأنور مغيث حول «العقاد والشيوعية» وغيرها من الأبحاث
الجادة.