رغم أنها لم تنتشر فى مدننا إلا منذ سنوات قليلة،أضحت
المراكز التجارية المغلقة من أبرز معالم المدن الكبرى ومن
أقوى عوامل الجذب لسكانها من مختلف الطبقات الاجتماعية.
ورغم انتشارها السريع ،فإن الدور الذى تلعبه من خلال إعادة
تشكيل نسيج الحياة فى المدينة لايزال موضع نقد وجدل .
قيم المشاركة
لقد عرفت المدن الكبرى قديما بأسواقها التقليدية،حيث تتجلى
قيم المشاركة( الشراء والبيع والمقايضة) ، وعادات وتقاليد
السكان، وكانت الأسواق العربية – إلى جانب التجارة-
تشتهربأنها ساحات ثقافية يلتقى فيها الشعراء والخطباء
والعلماء..كما عرفت مدينة القاهرة بأسواقها التقليدية مثل
خان الخليلى والموسكى وسوق الليمون وسوق البلح والغورية
والصنادقية والعتب وسوق الورق وغيرها ، وكل منها له طابع
معين ويتعامل فى صنف أو أكثرمن السلع.
أما اليوم فقد تحولت القاهرة إلى سوق كبير ، مما أفقدنا
الإحساس بالاختلاف بين السكن – وما يحمله من قيم ليس أقلها
السكينة- وبين السوق – وما يمثله من قيم وصخب وزحام- ، ولم
يعد للمدينة مركزمحدد بعد أن أصبح لكل حى مركزه التجارى
الخاص ! وعليه فقد آن الآوان لمناقشة الجانب الثقافىلظاهرة
انتشار المراكز التجارية المغلقة التى باتت تهدد مدننا
المعاصرة .. فمن الناحية المعمارية ،كانت المدن العربية
تتشكل بأحيائها وطرقاتها حول نقطة ارتكاز يمثل السوق أحد
عناصرها الأساسية.وكان هذا ما يميز مدينة مثل القاهرة قبل
أن تتحول إلى الحداثة! ويتحول مركزها إلى مجرد سوق للطبقات
التقليدية والشعبية ن بعد أن نشأت على أطرافها وفى ضواحيها
أسواق حديثة مكيفة الهواء تضم بين جنباتها أنشطة متنوعة لا
يجمع بينها سوى الاستهلاك والترفيه.
من يتجول فى شوارع القاهرة – حتى أحياءها الشعبية – سوف
يندهش من تحول عدد كبير من المساكن خاصة الواقعة فى
الأدوار الأرضية إلى محلات وورش ومعارض، ولم تعد هناك (
حرمة ) لمكان السكن بعد أن أصابه سرطان السوق. والأخطر هو
تراجع التراث البصرى المعمارى للمدينةأمام هجمة الأسواق
المغلقة، الأمر الذى يبدو معه وكأن المدينة تعانى أزمة
حياة.. إذ يبدو أننا كمجتمع وأفراد لم تعد المدينة تمثل
لنا الشىء الكثير ،بعد أن أصبحنا نعيش داخل عالمنا الخاص
الذى لا نريد أن نتقاطع فيه مع أحد .
والسؤال الضرورى هنا هو( لماذا تزايدت المراكز التجارية
المغلقة فى مدينة كبرى كالقاهرة؟) ..قد تختار الإجابة
الأسهل التى ترجع الأمر إلى ارتفاع حرارة الجو..وهى إجابة
غير صحيحة إطلاقا ،لأن الطبيعة السلوكية للمجتمع لها دور
كبير فى هذا التوجه إلى الداخل، ويمكننا أن نزعم دون تجن
أن الأسواق المغلقة ( المولز) ما هى سوى حل هبط علينا من
الخارج ، يساهم فى توصيل فكرة التخفى التى بدأت بوادرها
منذ عقدين أو يزيد قليلا ، واتخذت عدة أشكال قد تكون بسيطة
فى حد ذاتها ، لكن فى مجموعها تعطى مؤشرا هاما ومخيفا
،ومنها مثلا الإقبال على استخدام الأكياس البلاستيكية
السوداء لوضع المشتريات رغم ثبوت خطورتها ، حتى لا يعرف
الآخرون محتواها .. كما سادت موضة الاستغناء عن الشرفات
وتحويلها إلى حجرات منفصلة ،أو ضمها للحجرات الموجودة أصلا
، رغم أنه من المعروف عن المصرى حبه لقضاء أمسيات الصيف
بالشرفة مع أسرته. نفس الشء يحدث مع الأثرياء ، الذين
أصبحوا يفضلون السكنى فى مجاورات سكنية مغلقة ومحاطة
بالأسوار العالية يمارسون حياتهم داخلها بعيدا عن الناس !!
هذا تماما ما تفعله المراكز التجارية الحديثة ، فهى تمنحك
شعورا بالخصوصية والتحرر، ففى تلك الأماكن من الممكن أن
يلتقى الشباب والفتيات بعيدا عن الشارع بكل ما يحمله من
مخاطر ، كما أنه يقدم نموذجا غربيا للتسوق ، يحمل جاذبية
كبرى بالنسبة للشعوب التى عانت طويلا من الاستعمار الأجنبى
، وبات كل ما يفعله المستعمر هو الأفضل والأصح والأجمل ..
وكل أفعال التفضيل المعروفة .
لكن الملاحظ أنه لا يوجد دافع معين يشجع المرء على زيارة
مركز تجارى دون الآخر سوى قربه أو بعده عن محل السكن، وقد
تلعب مساحة السوق دورا فى عنصر الأقبال الجماهيرى إذ كلما
زادت المساحة زاد عدد الرواد ، فالأسواق تتشابه من حيث
الرواد والمعروضات والديكورات ونمط المحلات والسمت العام.
ورغم الظروف الاقتصادية المتردية- أو لعل هذه الظروف نفسها
هى السبب – فإن القاهرة تتحول بسرعة إلى سوق مغلق ضخم ،
فتدفع سكانها إلى الداخل أكثر فأكثر، بدلا من أن تدفعهم
إلى بعث الحياة فى الشوارع أو على شاطىء النيل ، كل ذلك
بدون تخطيط أو دراسة مسبقة تساعد على فهم تأثير الأسواق
المقفلة على المدينة والحياة فيها .
ثقافة الاستهلاك
قد تكون ظاهرة تحول المدينة إلى سوق كبير دون أى مبرر
إقتصادى ، ظاهرة هامة تؤكد التحول نحو الاستهلاك ، وهو
هوية جديدة تقوم عليها المدينة المعاصرة، وهذه الظاهرة
لايمكن مواجهتها بعد أن استفحلت ، فالمستثمر – أى كان – لن
يقبل أن يعبث أحدهم بأكل عيشه ، ولو سألنا أنفسنا كبف
تحولت القاهرة إلى ما أصبحت عليه ، لوجدنا أن مفهوم السوق
المغلق بشكلع الحالى كان معروفا ربما منذ النصف الثانى من
القرن ال19 ، وكان يتخذ شكل مخازن تجارية كبرى نعرفها
جميعا مثل صيدناوى وجاتينيو وشيكوريل وأوروزدى باك ، وهى
محلات كبرى أقامها التجار اليهود والأجانب فى مصر ، لكنها
فى الواقع كانت اكثر انسانية وأكثر التصاقا بالهوية ، إذ
كانت تتعامل فى بضائع محددة ، ولا تضم أنشطة ترفيهية تجبر
الزائر على قضاء النهار كله داخلها . فمن الملاحظ أن
المجمعات التجارية الحديثة تقوم على فكرة استبقاء الزائر
أطول فترة ممكنة، وجذبه بواسطة أنشطة استهلاكية المطاعم
السريعة ومحلات المثلجات والأطعمة الخفيفة ودور العرض ،
وربما يعود هذا فى جزء كبير منه إلى أن المدن الكبيرة بصفة
عامة ، لم تعد توفر لسكانها فرصة كبيرة للاستمتاع بالحركة،
فكل ما فيها يدعو إلى الكسل والبحث عن سبل أسهل
للحياة،ووجود مساحات تجارية مغطاة تجمع تحت سقف واحد كل ما
يحتاجه المرء يمثل حلا اجتماعيا / رأسماليا مقبولا ، ولعل
ذلك يوضح لماذا انتشرت المراكز التجارية خلال العقدين
الأخيرين بالذات، حيث أصبحت تلك المراكز جزء من الظاهرة
العالمية التى دفعت بثقافة الاستهلاك إلى حدودها القصوى ،
لدرجة أنه لم يعد هناك خصوصية للسوق نفسه ، فكل المعروضات
متشابهة والرواد شبه دائمين ولا يتغيرون ، والبناء
المعمارى واحد فى معظم الأسواق ، حيث مساحة من الفراغ يحيط
بها الممرات التى تضم المحلات، وكلها تطل على الطابق
الأرضى أو التحت الأرضى من السوق، حيث أماكن الجلوس
والمطاعم والكافيتريات.
وعليه لم تعد الخرائط الذهنية التى تشكلت فى عقولنا عن
مدينة مثل القاهرة مثلا، بسيطة كما كانت فى عقول الأباء
والأجداد ..ولابد لهذا التغيير الذهنى من تأثير فى أسلوب
حياتنا، فما الذى غيرته فينا المراكز التجارية؟ وكيف أصبحت
علاقتنا بالمدينة؟
لقد أجمع عدد غير قليل من مصممى الأسواق المغلقة ( المولز
) فى مصر على أن احترام ثقافة الأسرة المصرية التقليدية ،
مع الآخذ فى الاعتبار ما يفضله الشباب من صغار السن هما
الخطوة الأهم لضمان نجاح أى مركز تجارى. فقد لوحظ أن الأسر
تفضل المساحات الواضحة ، حيث لا ممرات مخفية بعيدا عن
الأعين ، حتى تطمئن النساء المتسوقات لو كن بمفردهن،
ويطمئن الأهل على أولادهم وبناتهم.كما لوحظ أن الأسر
والشباب على السواء يقبلون على المطاعم ذات المساحات
المفتوحة الموجودة فى تلك المراكز، حيث المكان مفتوح ويمكن
لكل الرواد رؤيته ، لكنه فى نفس الوقت محمى من الشارع
ويستمد خصوصيته من وجوده داخل مساحة كبيرة مغلقة! كما تفضل
النساء المراكز التجارية ذات التصميم المعمارى البسيط ،
بحيث يرى الزائر فى رحلة الدخول محلات تختلف عن تلك التى
يشاهدها أثناء الخروج .
عنصر آخر لاحظه المصممونفى مصر ، هو واجهات المحلات التى
يفترض أن يختلط فيها الفن البصرى التشكيلى مع المنفعة
التسويقية .. وفى مركز تجارى فاخر بالجيزة – وفرعه الجديد
بكورنيش جاردن سيتى- قام المصمم وهوشركة عالمية
كبرى،باستخدام الفناء الأوسط للمكان كمسرح كبير لتقديم
العروض الغنائية والدعائية لجذب الزوار من طبقات معينة،
وهذا نوع آخر من الترفيه يختلف تماما عن قاعات العرض
السينمائى والملاهى التى تزخر بها معظم المراكز التجارية
الأخرى.
لقد أوجدت تلك المجمعات التجارية ثقافة جديدة فى المدينة
هى ثقافة الترفيه الداخلى ، بحيث أصبح كل مركز عالم مغلق
على رواده ، ولم يعد على ساكن المدينة أن يتعرف على كل
أجزائها ، فيكفيه المركز التجارى القريب من محل سكنه أو
عمله.وإذا تأملنا الأمر ، لوجدنا أن المراكز التجارية
أصبحت واقعا وجزءً منمن القاهرة العصريةبحيث لا يمكننا
حيالها شىء، لكن كان من المستحب التفكير فى تصميم تلك
الأسواق ضمن التفكير فى تخطيط المدينة ككل ، خاصة مع بروز
قضية متعلقة بالمراكز التجارية الحديثة ، هى ظهور مراكز
ذات واجهة واحدة..فأغلب المراكز التجارية فى الأونة
الأخيرةتبنى كى تكون ذات واجهة تطل على الشارع الرئيسى ،
أما الواجهات الأخرى فلا تلقى الاهتمام الكافى، وهذا
التوجه يساهم فى تشويه وجه المدينة المشوه أصلا ، والخوف
كل الخوف أن نستيقظ يوما لنجد أننا نحيا داخل علب تجارية
مغلقة ، بعد أن تختفى المدن بصورتها التى نعرفها ، وهذا
ليس محض خيال .. فنظرة على المدن الخليجية مثلا ، التى
تخطو بخطوات متسارعة نحو تلك الظاهرة الرأسمالية العنيفة ،
يؤكد أن تلك المدن ستصبح أسواقا بالكامل، يبحث سكانها عن
مدن صغيرة بعيدة يعيشون فيها فلا يجدون !!