يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1260 (28 ديسمبر 2005 - 4 يناير 2006)
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

قانون التأمين الصحى الجديد

 
 

بقلم د. محمد حسن خليل

 

  طوال الصيف الفائت و حتى الآن يكثر الحديث عن قانون التأمين الصحى الجديد الذى تعتزم الحكومة تقديمه لمجلس الشعب الجديد فى يناير المقبل و سرعة إقراره، و فى نفس الوقت لا يوجد نص القانون بين أيدى الملايين ممن سوف يطبق عليهم هذا القانون. كما كانت هناك بروفة سابقة فى صيف عام 2000 لما يحدث الآن حين أعلن الأهرام فى العنوان الرئيسى أن مجلس الوزراء سوف يناقش مشروع قانون التأمين الصحى الجديد تمهيدا لإحالته إلى مجلس الشعب (يوم الخميس القادم) لإقراره، ثم أغلق الموضوع طوال تلك السنوات أيضا دون نشر مشروع القانون.
و هذا التعتيم و السرية لا يشمل فقط نص القانون، و لكنه يمتد ليشمل تفاصيل ميزانية التأمين الصحى التى لا يعلم المواطنون منها إلا أقل القليل مما يصرح به وزير الصحة أو رئيس هيئة التأمين الصحى فى الأحاديث الصحفية حيث تستخدم الأرقام فقط فى البرهنة على الاتجاه الذى تنوى الحكومة السير فيه فى تعديل القانون، أما كتاب الإحصاء السنوى الذى تصدره الهيئة العامة للتأمين الصحى و غيره من البيانات و الإحصاءات الخاصة بوزارة الصحة فتعامل كالأسرار الحربية و لا يستطيع حتى الصحفيون و الباحثون المتخصصون الحصول على النذر اليسير منها إلا بشق الأنفس.
و نحن نعتمد هنا أساسا على نص مشروع القانون الذى وزع على أعضاء مجلس الشعب فى عام 2000 ثم أعيد توزيعه أيضا منذ بضعة شهور بنفس النص كما نعتمد على الأرقام الواردة فى دراسة لرئيس هيئة التأمين الصحى السابق قدمت للمجالس القومية المتخصصة حول تكاليف و اشتراكات المجموعات المختلفة من المؤمن عليهم، و على من أنكر إبراز الوثائق الصحيحة!!
و خلاصة ما تدعو إليه الدعاية الحكومية أن التأمين الصحى يواجه عجزا مزمنا فى ميزانيته كما يواجه تدهورا متزايدا فى مستوى الخدمة، و القانون الجديد سوف يحل المشاكل كلها، و هو يدور فى إطار الخصخصة و إخضاع التأمين الصحى للمبدأ التجارى (مع الحفاظ على صحة المواطنين كما يقولون).
و لكن الدراسة التفصيلية تسمح لنا بأن نكتشف حقيقة ما يقال عن خسارة التأمين الصحى:
• التامين الصحى على طلية المدارس و الممول من المصاريف المدرسية و التمويل الحكومى البسيط و ضرائب غير مباشرة على السجائر و غيرها يغطى تكلفته و يوجد به فائض.
• التأمين الصحى على العاملين بالقطاعين العام و الخاص حيث يدفع المؤمن عليه 1% من مرتبه و يدفع رب العمل 3% يغطى تكلفته أيضا حيث يبلغ متوسط ما يدفع سنويا 180 جنيها و هو أيضا متوسط الإنفاق.
• التأمين الصحى على العاملين بالحكومة لا يغطى سوى حوالى ثلث إنفاقه (مدفوعات حوالى 43 جنيها مقابل حوالى 150 جنيها مصروفات) و لكن علينا أن نتذكر أن الحكومة هى التى خفضت الاشتراكات للنصف (0.5% من المرتب و 1.5% يدفعها صاحب العمل أى الحكومة بدلا من 1% و 3% على التوالى، و هذا اعتبارا من عام 1975، و يسهل التصحيح بالعودة للنسب القديمة).
• و يحقق التأمين الصحى الخاص بالمعاشات و معاشات الأرامل خسارة حيث لا يوجد مساهمة لرب العمل.
وعلى هذا فإذا نفذت الحكومة ما تقوله عن توحيد القوانين الخاصة بالتأمين الصحى و زيادة الاشتراكات بالخصم على أعلى شريحة (1.5% من مرتب العامل و 4% على صاحب العمل- مادة 4، ثانيا) فإن هذا كفيل بحل المشكلة المالية، و هذا لا يمانع فيه المؤمن عليهم نظرا لتواضع الزيادة (على الأقل كما بدا من موافقة اتحاد العمال على ذلك).
و لكن القانون الجديد لا يقتصر على زيادة نسبة الاشتراكات بل يتعدى ذلك إلى مساهمة المنتفع بثلث ثمن الدواء خارج المستشفى ما عدا الأمراض المزمنة و كذلك مساهمته فى تكاليف الخدمة بما لا يتجاوز ثلث السعر أو التكلفة، أى تكلفة الفحوص و العمليات و الإقامة و التأهيل و خلافه حيث إن هذا التعميم يفتح الباب واسعا و لا يحد منه النص على أن الوزير بيده قرار تحديد النسبة أو الإعفاء منها (مادة 4، ثالثا).
إننا هنا نواجه خللا بالغ الخطورة فيه مساس بمبدأ التأمين نفسه حيث جوهر التأمين هو دفع متوسطات فقط بالإضافة إلى رسوم رمزية بدلا من الاضطرار إلى تحمل مبالغ ضخمة فجأة فى حالة المرض، أما دفع نسبة بدون حد أقصى فتعرض المؤمن عليه لدفع مبالغ غير محدودة قد تصل إلى آلاف الجنيهات و هى ثلث تكلفة قسطرة القلب العلاجية أو جراحات المخ أو علاج الأورام مثلا، و لن يفيد الادعاء بأن الوزير سيراعى الحالات الخاصة إذ إن الأصل أن يضمن القانون الحق و لا يترك فى يد قرار إدارى.
بل إن القانون يفتح الباب أمام زيادة تلك النسبة من المرتب التى يتم خصمها (5.5% فى القانون الجديد) بقرار إدارى و ليس بتعديل قانونى حيث تتيح المادة الثامنة من القانون أنه يجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض وزير الصحة تعديل قيمة الاشتراكات بناء على فحص المركز المالى للتأمين الصحى الذى تحول إلى صندوق كل خمس سنوات! إن هذا البند يسلب القانون مغزاه كعلاقة تعاقدية بين طرفين على أسس محددة و يعطيها للسلطة الإدارية تصنع بها ما تشاء فلا يوجد فى القانون- إذا تم إقراره بهذه الصياغة- ما يمنع من أن يستيقظ المؤمن عليهم ليجدوا أن اشتراك التأمين قد زاد من 5.5% إلى 7% مثلا دون الرجوع إليهم!
و لعل من أكثر البنود خطورة فى مشروع القانون الجديد ما ورد فى المادة الثانية منه بشأن تحديد الخدمات التى يقدمها القانون للمواطنين، و التى تترك للائحة التنفيذية بل و ينص على مبدأ جواز إصدار قرار بالخدمات التى تؤدى وفق اشتراك خاص. لابد من الوقوف هنا أمام مشكلة خطيرة: إن تحديد الخدمات التشخيصية و العلاجية و التأمينية، و هو ما يسمى بحزمة الخدمات التأمينية هو من أخطر بنود التعاقد بين طرفى العقد (وهو هنا بين المؤمن عليه و الهيئة التأمينية) أى إن المبدأ هو دفع اشتراك معين مقابل خدمات طبية معينة. و القانون السارى حاليا ينص بوضوح على اشتمال الخدمات على كل الخدمات التشخيصية و العلاجية و التأهيلية دون استثناء. أما القانون الجديد فينتقص منها مقدارا غير محدد يترك تقديره لقرار إدارى لكى يخلق فئتين من المؤمن عليهم، فئة ممتازة باشتراك خاص و فئة غير مميزة ينتقص منها آية خدمات (قسطرة القلب مثلا) فى آية لحظة بقرار إدارى!!
و تتعاون البنية القانونية مع مشروع إصلاح القطاع الصحى فى إحداث تغير خطير على القانون السابق الذى نص على أن التأمين الصحى يقوم على ذراعين: تقديم الخدمة بنفسه، و التعاقد مع جهات أخرى لتقديم الخدمة (الجامعات، هيئات حكومية مثل المؤسسة العلاجية و الجيش و مستشفيات وزارة الصحة، القطاع الخاص) أما القانون الجديد فيستبعد بالتحديد مبدأ أن تقوم هيئة التأمين الصحى بتقديم الخدمة بنفسها. إن التفريط فى هيكل مستشفيات و عيادات التأمين الصحى كاتجاه يرتبط هنا بسياسة الإصلاح الصحى لوزارة الصحة المتفق عليها مع البنك الدولى و جهات غربية مانحة و التى تنص على إلغاء تقديم الخدمات العلاجية من قبل وزارة الصحة سيرا فى اتجاه خصخصة المرافق حيث يقدم القطاع الخاص باعتباره مدفوعا يحافز الربح و التنافس لخدمة المستهلك مما يحل مشاكل سوء الخدمة الذى يعانى منه المواطنون.
و نحن هنا إزاء مشاكل متعددة: فالقضية هنا ليست فى إعطاء دور للقطاع الخاص بل هى بالتحديد استبعاد القطاع العام. و عواقب هذا الاستبعاد ما يلى:
أولا: تحميل المؤمن عليه عبء تكلفة الخدمة بالإضافة إلى هامش الربح و بالتالى زيادة التكلفة عليه.
ثانيا: يتمكن التأمين الصحى عبر تقديم الخدمة بنفسه جزئيا من معرفة التكلفة الحقيقية للخدمة، و بالتالى التعاقد مع القطاعات الأخرى على بينة.
ثالثا: إن كسر احتكار القطاع الخاص لتقديم الخدمة يفيد أيضا فى شروط التفاوض للتعاقد معه.
رابعا: إلى أين يذهب الهيكل العلاجى المكون حاليا من 40 مستشفى و 140 عيادة شاملة و الذى بنى من أموال المؤمن عليهم و هم المالكون الشرعيون له ولا تملك الدولة دستوريا التصرف فيه؟ هل يباع لكى نجد مثالا آخر على مشاكل الخصخصة فى ظل الفساد ببيعه بالبخس؟
إن جوهر ما سبق هو خصخصة التأمين الصحى و تحويل صحة البشر إلى سلعة يحتكرها القطاع الخاص و التنازل عن مفهوم الصحة كمحدد للتنمية و كنتيجة لها لصالح التعامل معها بمنطق المكسب و الخسارة وتقسيم المواطنين مستويات فى الخدمة و تبديد تراكم هائل لهيكل خدمات صحية يمتلكه المؤمن عليهم دون ما ضرورة من مشاكل مالية يستحيل التغلب عليها و لصالح توصيات مؤسسات دولية تقدس حافز الربح و القطاع الخاص حتى على حساب ازدراء حاجات المواطنين الصحية.
إننا فى جمعية التنمية الصحية و البيئية ندعو جميع الأطباء و جميع المثقفين الذين يهمهم صحة المواطنين و جميع العاملين بالعمل العام فى مصر و جميع المؤمن عليهم إلى الحوار حول المطالب التالية و الالتفاف حولها فى حالة الاقتناع بها من أجل تعديل مشروع القانون الجديد:
1- نشر مشروع القانون فى الصحف و فتح أوسع حوار حوله فى كافة وسائل الإعلام و إتاحة الفرصة لكل الآراء قبل إقراره، و إتاحة الوقت الكافى للحوار.
2- نشر الميزانيات الخاصة بالتأمين الصحى و كتاب الإحصاء السنوى و إتاحته للباحثين، فأساس الديمقراطية هو حرية المعلومات و حق المعرفة فتكون المناقشة الديمقراطية مبنية على البيانات الصحيحة.
3- تقليص السلطات الإدارية الواسعة الممنوحة للوزير و التحديد القاطع فى القانون لأسس التعاقد و عدم تعديلها أو المساس بها إلا بواسطة قانون جديد تحيط بإصداره الضمانات الديمقراطية
4- مساواة جميع المؤمن عليهم فى حزمة الخدمات الطبية ألتأمينية و أن يكون الاشتراك الذى يتم الاتفاق عليه متضمنا تلك الحزمة بنص القانون مثل القانون الحالى و عدم التفرقة بين المواطنين باستحداث مبدأ خدمات طبية تقدم باشتراك خاص.
5- رفض دفع نسبة من ثمن الخدمة حيث يمكن أن تعجز تلك النسبة مواطنين محتاجين فى بلد يقبع أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، و الاكتفاء بما فى القانون الحالى من دفع اشتراك يمثل نسبة معروفة من المرتب مع الموافقة على زيادتها كما فى مشروع القانون الجديد مثلا بالإضافة إلى رسوم رمزية يحدد مسبقا حدها الأقصى.
إن كفالة حق المواطن فى الصحة ليس مجرد إقرار لحق أساسى من حقوق الإنسان و لكنه ضمانة للتنمية و ضمانة للانتماء للوطن، و إن تحويل الصحة إلى سلعة متاجرة غير جائز و له عواقب وخيمة. فلنتضامن جميعا من أجل قانون ديمقراطى للتأمين الصحى يحقق طموح كل المصريين فى تغطية تأمينية صحية حقيقية.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة