لا شك أن الكثيرين من أبناء شعبنا أسفوا علي نتائج
الانتخابات البرلمانية الأخيرة وسقوط غالبية رموز اليسار
المدافعين الحقيقيين عن مصالح الشعب العامل البسيط0
ولاشك أيضا أن المرء يشعر بالدهشة من هذه النتائج لأنها
جاءت في وقت يعاني فيه اقتصادنا القومي، ومنذ منتصف
السبعينيات في القرن الماضي، من أزمات اقتصادية طاحنة
واجتماعية مدمرة، والتي لا سبيل إلي مواجهته الحاسمة إلا
من خلال النهج الاشتراكي، والنضال من أجل تحقيق توجهاته
الاقتصادية والاجتماعية ليرد للإنسان المصري البسيط
اعتباره وكيانه وآدميته0
أيضا يشعر المرء بالدهشة من هذه النتائج المؤسفة في ضوء
الدفاع البطولي لنواب حزب التجمع في مجلس الشعب في الدورة
البرلمانية السابقة، والدورات السابقة عليها، عن مصالح
الشعب الكادح، فما من قضية تهم الجماهير إلا وكان نواب
التجمع في مقدمة أعضاء المجلس يدافعون عن مصالح الشعب
بإصرار واقتدار0 وليس هنا المجال للتذكير بالمواقف الأمينة
والشجاعة لنواب حزب التجمع، فهي واضحة تماما لكل منصف0
كذلك فإن جريدة الأهالي لسان حال حزب التجمع لعبت وتلعب
دورا طليعيا في الدفاع عن مصالح وقضايا الجماهير
الاقتصادية والاجتماعية، والأمر الذي دعا الكثير من الكتاب
والمفكرين الشرفاء غير المنتمين لحزب التجمع إلي الكتابة
في جريدة الأهالي والإسهام بمقالاتهم المتحيزة اجتماعيا
لمصالح الشعب العامل0 أيضا دأبت جريدة الأهالي في مقالاتها
التي تتناول السياسة الخارجية علي كشف التوجهات
الاستعمارية للسياسات الخارجية للدول الغربية الكبري والتي
استعادت شراستها وعدوانيتها تجاه الشعوب الصغيرة وخاصة منذ
سقوط المعسكر الاشتراكي في أواخر ثمانينيات القرن العشرين0
بعض أسباب تعثر اليسار:
هناك بالطبع الكثير من أسباب التعثر ولكن سوف اقتصر علي
تناول بعضها والتي أعتقد بأهميتها0
أولا: هناك رأي يقول إن الحزب الحاكم من خلال محاصرته لقوي
اليسار: بمختلف الوسائل المشروعة وغير المشروعة، حاول
تحجيم وجود هذه القوي بين الجماهير0 هذا الرأي علي صحته
ووجاهته لا يمكن الاعتداد به كأحد الأسباب الرئيسية لتعثر
اليسار في الانتخابات البرلمانية، ذلك لأنه من الطبيعي أن
تتوقع قوي اليسار محاربة النظام الحاكم لها بشتي الوسائل
لأن هذا النظام الحاكم والذي يمثل في الأساس مصالح
الرأسمالية الطفيلية المتعاونة مع الرأسمالية العالمية
والمنظمات الاقتصادية الدولية يعد العدو الأساسي للشعب،
وبالتالي يخشي كل الخشية قوي اليسار القادرة علي كشف
سياساته الرجعية والعدوانية تجاه مصالح الشعب العامل، فكيف
تضع قوي اليسار مخططاتها للتحرك السياسي علي اعتقاد منها
أن الحزب الحاكم سيهادنها ويسمح لها بالتحرك الجماهيري
الواسع، فهو لن يسمح لها إلا بالحركة المحدودة والمحسوبة
في ظل هامش ديمقراطي وهمي وهش0 إن الخطأ هنا هو خطأ
اليسار، حيث إن الذي يحمي قوي اليسار في حركتها ليس السعي
إلي خطب ود قوي اليمين والاطمئنان إلي غياب هذه القوي
الرجعية ، وإنما الذي يحميها ويدفعها إلي التقدم تعميق
الروابط والاتصالات مع القواعد الجماهيرية الواسعة في
النقابات العمالية والمهنية والأحياء الشعبية، من خلال
الوسائل المعروفة والتي من أهمها الحرص علي الارتقاء
بالوعي السياسي للجماهير لتمكينها من التعرف علي أصدقائها
الحقيقيين وكشف أعدائها0
ثانيا : هناك رأي آخر يقول إن استهداف التيار الديني
الممثل في جماعة الإخوان اسقاط اليسار أحد أسباب النتائج
المؤسفة للانتخابات البرلمانية الأخيرة0 هذا أيضا ليس
صحيحا لأنه إذا كان شعبنا متدينا بطبيعته فذلك لا يعني أن
جماهير الشعب العامل المتدين لا تسعي للنضال من أجل لقمة
العيش، وعلي اليسار أن يثبت لهذه الجماهير أنه المناضل
الحقيقي للدفاع عن مصالحها وحقها في حياة كريمة آمنة0 وهذه
ليست مهمة صعبة علي اليسار لأن جماعة الإخوان هي إحدي
فصائل الرأسمالية الكبيرة والتي تتفق في توجهاتها
الاقتصادية مع توجهات قوي اليمين وتوجهات الحزب الوطني
الحاكم0 وهذا ما سوف تظهره وتؤكده المناقشات في مجلس الشعب
في الدورة البرلمانية الجديدة0
ثالثا: إن من أهم أسباب تعثر اليسار حالة الضياع الفكري
الذي يسود فصائل اليسار المختلفة في العالم وخاصة منذ سقوط
المنظومة الاشتراكية الأوربية في أواخر ثمانينيات القرن
العشرين، ويتمثل هذا الضياع الفكري في التخلي عن الكثير من
كلاسيكيات الفكر الاشتراكي وخاصة فيما يتعلق بمسألة الصراع
باعتباره المحرك الأساسي للتطورات المجتمعية في ظل التطور
المستمر لقوي الإنتاج0 هذا الصراع الذي لا سبيل لإنكاره أو
تجاهله لأنه نتاج تصادم المصالح الاقتصادية المتعارضة
لمختلف الطبقات ، ذلك التصادم الذي يتولد عنه الآثار
الديناميكية للتحركات الاجتماعية والسياسية0 وأود أن أضيف
في هذا الصدد أن مفهوم الصراع الطبقي ليس مفهوما ماركسيا
في الأصل، فالذي صاغه صياغته الأولي «دافيد ريكاردوه» أحد
علماء الاقتصاد البريطانيين (في أوائل القرن التاسع عشر
علي ما أعتقد) عندما تناول مسألة الصراع الاجتماعي بين
طبقة الاقطاع والطبقة الرأسمالية الصاعدة في بريطانيا في
ذلك الوقت0
أن التخلي عن كلاسيكيات الفكر الاشتراكي أدي إلي حالة
الضياع الفكري الذي ساد فصائل اليسار المختلفة، مما ترتب
عليه ظهور تيارات يسارية انتهازية مستظلة بمظلة
«الاشتراكية الديمقراطية الأوربية» ونشوء ما عرف باسم
«الطريق الثالث»، والأمر الذي أدي في النهاية إلي فقدان
أحزاب اليسار توجهاتها الراديكالية، وبالتالي فقدان الأساس
لتحالف قوي اليسار ممثلا في تحالف العمال والفلاحين وأبناء
الطبقة الوسطي الشرفاء0
ما العمل:
إزاء هذه الخلفية يثور السؤال التاريخي «ما العمل» إن أولي
واجبات اليسار المصري تتمثل في تنقية فكره السياسي من
الشوائب التي علقت به وطمست معالم طريق النضال لتحقيق
المجتمع الاشتراكي0
ويجب ألا نخشي في هذا الصدد الاستناد إلي مفهوم الصراع
الطبقي للوقوف علي حقيقة تضارب المصالح الاقتصادية للفئات
الاجتماعية المختلفة، ومن ثم بلورة الاتجاهات السياسية
المختلفة وتوضيح السبل لتوحيد قوي اليسار0 وأنه بقدر ما
ننجح في الارتقاء بوعينا السياسي بقدر ما ننجح في فهم
تسلسل مراحل التطور السياسي المختلفة، وبما يساعد علي
تخفيف الآثار الاجتماعية التصادمية للصراع الطبقي، وصولا
في أمد ليس ببعيد إلي قيام مجتمع اشتراكي يتسع لكل فئات
المجتمع العاملة0
وأخيرا فإن من الضروري علي قوي اليسار أن تسعي لقيام جبهة
وطنية واسعة تضم ليس فقط مختلف فصائل اليسار، ولكن أيضا كل
الفئات الليبرالية الشريفة التي ترفض مختلف أشكال
الاستغلال التي تطحن الشعب العامل البسيط، ولكن الشرط
الأساسي لقيام هذه الجبهة الوطنية الواسعة توحيد قوي
اليسار أولا0