يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1260 (28 ديسمبر 2005 - 4 يناير 2006)
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

التجمع في أعقاب الانتخابات التشريعية

 
 

نقد ذاتي وتطلع إلي المستقبل

 
 

د. إبراهيم العيسوي

 

 
بعد أن وضعت " حرب " الانتخابات التشريعية 2005 أوزارها ، فإن مصر بكل أحزابها وقواها السياسية ، وبكل مؤسساتها الرسمية ومنظمات مجتمعها المدني ، تعيش لحظة فارقة في تاريخها . وتستوجب هذه اللحظة مراجعة المشهد السياسي بوجه عام ، والمشهد الحزبي بوجه خاص . وما يعنيني في هذا الحديث هو مراجعة حالة حزب التجمع الذي أشرف بالانتماء إليه منذ تأسيسه منذ ما يناهز ثلاثين سنة . وسوف يتألف حديثي من قسمين : قسم أول أتناول فيه أسباب الفشل الذي أصاب التجمع في الانتخابات التشريعية ، وقسم ثان أسعي فيه لتحديد عدد من مفاتيح التحرك نحو مستقبل أفضل للتجمع وللتيار التقدمي بوجه عام .
لن أتطرق هنا إلي تفاصيل المشهد الانتخابي الدامي ، وما أتصف به من اختلالات فاضحة وصارخة ، أدت إلي انعدام التكافؤ في الفرص بين الأطراف المتنافسة في العمليات الانتخابية . لقد وضع التجمع في موضع صعب للغاية من جراء لجوء الأطراف المنافسة له إلي أسلحة لا قبل له بامتلاكها ، كسلاح المال وسلاح البلطجة وسلاح الدين وسلاح النفوذ السلطوي ، وذلك فضلاً عن أساليب الترويع والترهيب والتزوير التي مارسها الحكم لصالح حزبه . وزاد من صعوبة وضع التجمع والأحزاب المعارضة الأخري إن ملابسات العملية الانتخابية قد قذفت بالبرامج السياسية للأحزاب إلي خارج المشهد الانتخابي ، مما أدي إلي حرمان التجمع من أحد مصادر قوته ، وهو برنامجه الانتخابي المتميز في خطوطه العامة ، وإن كان بحاجة إلي تحديد وتفصيل أكبر علي مستوي السياسات القطاعية والبرامج الإقليمية .
إذا نحينا تفاصيل المشهد الانتخابي جانباً ، وذلك بحسبان أن النتيجة التي حصل عليها التجمع في هذه الانتخابات ما كانت ستتغير بشكل جوهري في غياب ما شاب هذا المشهد من عوار ، فإنني ألخص أسباب الهزيمة الساحقة للتجمع في العبارة التالية : " هذا ما جناه النظام الحاكم علي التجمع ، وهذا ما جناه التجمع علي نفسه " .

جناية النظام علي التجمع
إن ما جناه النظام علي التجمع خلال ما يقرب من ثلاثين عاماً معروف . وهي جناية لا يختص بها التجمع وحده ، وإنما هي جناية عامة شملت كل الأحزاب المعارضة . ولهذه الجناية شقان . الشق الأول هو تقييد نشاط الأحزاب . وفرض الإقامة الجبرية عليها في مقارها ، وعزلها عن الناس ، ومنعها من الوجود في التجمعات الجماهيرية المختلفة ، وممارسة أساليب شتي للقمع والترويع مما أدي إلي انصراف الجماهير عن العمل السياسي الحزبي وإلي تجفيف المنابع التي يمكن أن يستمد منها التجمع وغيره من أحزاب المعارضة عضوية جديدة .
والشق الثاني هو دعم النظام وتشجيعه للتيار الإسلامي واستخدامه كسلاح من أسلحة مواجهة النظام للقوي والأحزاب اليسارية في بداية الأمر ، ثم سكوته لسنوات طويلة علي النشاط الدعوي والخيري لهذا التيار ، وبخاصة نشاط الإخوان المسلمين ، في الأوساط الجماهيرية ، وذلك بالرغم من اعتبارهم يشكلون جماعة محظورة . بل إنه يمكن القول إن النظام قد ساعد علي تهيئة تربة صالحة لنمو النشاط الإخواني . وقد جري هذا من خلال محاولة النظام إبعاد الناس عن الجماعات الإسلامية المتطرفة ، وذلك بتقديم ما يعتقد أنه الإسلام المعتدل علي صفحات الصحف القومية وعلي شاشات التليفزيون ومن خلال الإذاعة . وقد أدي إسراف النظام في هذا الشأن إلي نتائج معاكسة لما كان يرتجيه . كما تم ذلك أيضاً من خلال ما أسفرت عنه السياسات الحكومية من فقر وتهميش ، ومن خلال القصور الحكومي في تزويد المناطق الفقيرة والعشوائيات بالخدمات الضرورية .
ولم يكن غريباً في هذه الظروف أن يسارع الإخوان المسلمون إلي ملء الفراغ السياسي والخدمي الناشئ عن السياسات الحكومية بعامة ، وعن موقف النظام من المعارضة اليسارية وغير اليسارية بخاصة . ولكن يقتضي الإنصاف أن نعترف بأنه ما كان لحركة الإخوان أن تنجح إلا بفضل ما اتصفت به هذه الحركة من حسن التخطيط والتنظيم ، وبفضل قوة الإرادة والتصميم والاستعداد للتضحية وتحمل المشاق من جانب قياداتها وكوادرها . وهذا لا يمنعنا من التساؤل عن مصادر تمويلهم السخي للانتخابات ، فضلاً عن تمويل المشروعات الخيرية ، ولا عن توجيه اللوم إلي الحكومة علي تجاهل البحث في هذا الأمر والمساءلة بشأنه .

جناية التجمع علي نفسه
ثمة خمسة عوامل أدت إلي ما لحق بالتجمع من خسارة في الانتخابات ، وذلك بما انطوت عليه من أخطاء جسيمة ارتكبها التجمع في حق نفسه وفي حق الجماهير التي كانت تتطلع إلي من ينقذها من سياسات النظام الحاكم وحزبه . ويشكل الاعتراف بهذه العوامل نقطة البدء الصحيحة في التقدم نحو تصحيح مسيرة الحزب في المستقبل . وفيما يلي بيان هذه العوامل التي تتداخل مع بعضها تداخلاً شديداً بحيث يصعب الفصل بينها تماماً .
العامل الأول يتمثل في استسلام التجمع للحصار المضروب عليه من جانب النظام ، وتقاعسه عن استغلال الهامش الديمقراطي المحدود المتاح في توعية الجماهير واجتذاب قطاعات منها لصفوفه . لقد بدا التجمع لفترة طويلة من عمره وكأنه كان ينتظر من النظام الاستبدادي أن يفتح أبواب الحرية طواعية . ومن المفارقات أن يحدث هذا الاستسلام من جانب التجمع ، في ذات الوقت الذي كان يري فيه التيار الإخواني يعمل وينشط بين الجماهير ويكسب المواقع في الجامعات والنقابات المهنية ، غير مبال بأنه جماعة محظورة من جانب السلطة الحاكمة .
وحتي عندما نشط التجمع في 2004 و2005 ، وقام بعدد من الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات ، فقد جاءت حركته متأخرة . كما كانت هذه الحركة تتسم بالضعف والجفاف الجماهيري بالنظر لاشك إلي غياب التجمع عن الشارع فترة طويلة . كما حَدَّ من بروز حركة التجمع في الشارع وتميزها ظهور منافسين جدد في الساحة السياسية ، اكتسبوا بجسارتهم في كسر القيود الأمنية وتحدي السلطة ورفع سقف النقد للنظام مصداقية أكبر من كل الأحزاب القائمة ، وخصوصاً حركة «" كفاية» ، وذلك بالرغم من أنها هي الأخري ظلت محصورة بحكم حداثتها في الإطار النخبوي .
العامل الثاني هو قصور الحركة العملية للتجمع عن الاستجابة لما طالبت به مؤتمراته العامة منذ زمن طويل من أمور ضرورية لبعث الحيوية والنشاط فيه . ومن أبرز هذه المطالب " مضاعفة العضوية وانتشار الحزب في كل أنحاء الوطن وفي النقابات والمنظمات الجماهيرية والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني " ، وضرورة " تدريب وتنمية القيادات الشابة والجديدة " و " العناية بالتدريب والتثقيف الحزبي " ، " وإعادة طرح الفكر الاشتراكي بين الجماهير " ، والسعي لبناء " التحالف اليساري الديمقراطي " كنواة صلبة لبناء القطب الثالث في الحركة السياسية الضروري وجوده لفك الاستقطاب القائم بين الحكم وحزبه من جهة ، وقوي الاسلام السياسي من جهة أخري .
وفي غياب الاستجابة لهذه المطالب ، أصبحت الشيخوخة من العلامات المميزة لقيادات وكوادر الحزب ، وأصيبت كيانات كثيرة داخله بنزيف في قواها الفاعلة مما شل قدرتها علي الحركة .
وتقلصت عضوية الحزب . ونزح منه الكثيرون إما لعدم رضاهم عن سياساته أو تصرفاته العملية ، وإما إيثاراً للسلامة والبعد عن المتاعب ، وإما بالتحول إلي حزب أو أحزاب أخري ، وإما بالتقاعد وهجر العمل السياسي ، وإما بالانتقال إلي الدار الآخرة . كما تآكلت القدرات الثقافية والفكرية داخل التجمع مع التراجع الكبير في نشاط التدريب والتثقيف . وازدادت الانقسامات داخل حركة اليسار بمعناه الواسع ، خاصة مع ضعف حركة التجمع نحو تكوين " التحالف اليساري الديمقراطي " ، ومع غياب الحماس الكافي من جانب قيادته في هذا الشأن ومع انشغالها الكبير بالحوار مع الحزب الوطني . وفي هذه الظروف لم يكن غريباً أن يتعذر علي التجمع أداء الكثير من المهام التي حددها لنفسه بما في ذلك تحويل البرنامج العام إلي برامج قطاعية مفصلة . كما تعذر عليه العثور علي عدد معتبر من المرشحين ذوي الفرص الكبيرة في الفوز في الانتخابات .
العامل الثالث هو ما أصاب صحافة الحزب وإصداراته الثقافية ومطبوعاته السياسية من هزال شديد . لقد فقدت صحيفة الحزب " الأهالي " ما كانت تتمتع به في السبعينيات والثمانينيات من مزايا تنافسية . فقد تآكلت هذه المزايا التنافسية مع تراجع مكانة التجمع في الساحة السياسية وبين الجماهير ، ومع تكاثر الصحف الحزبية والصحف الخاصة ، ومع نجاح عدد من هذه الصحف في رفع سقف النقد للنظام وشخوصه رفعاً ملحوظاً جذب إليها أعداداً كبيرة من القراء ، وصرفهم عن " الأهالي ".
وقل مثل ذلك عن " كتاب الأهالي " الذي دبت فيه عناصر الضعف والوهن حتي اختفي من الساحة تماماً . كما صار من المتعذر في السنوات العشر الأخيرة علي أي عضو في الحزب ، أو علي من تراوده فكرة الانضمام للتجمع ، أو حتي مجرد التعرف علي أفكاره ، الحصول علي مطبوعات حزبية تعينه علي تبين سياسات الحزب ومواقفه من القضايا المختلفة. وكان من النتائج الخطيرة لهذا الوضع أن الحزب فقد ليس فقط الوجود الجماهيري ، بل وفقد ما كان دائما ميزة نسبية لليسار المصري ، وهو قوة التأثير الفكري والثقافي في المجتمع .
العامل الرابع يتمثل في اهتزاز وتشوه الصورة الذهنية للتجمع لدي قطاع واسع من النخبة والجماهير علي نحو كاد يحولها إلي صورة سلبية . فقد حامت شبهات متعددة حول التجمع مؤداها ممالأة التجمع للحكم والسعي للتقرب منه وتفادي الاصطدام به . ولم يشفع في تبديد هذه الشبهات الرفض المستمر من جانب نواب التجمع لبيانات الحكومة وخططها وموازناتها . كما لم تشفع في ذلك المقالات التي نشرتها الأهالي والناقدة بشدة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومة ، ولا الأسئلة والاستجوابات النارية والمداخلات القوية لنواب التجمع في البرلمان ، ولا البيانات والوقفات الاحتجاجية والتظاهرات التي قام بها التجمع مؤخراً . ومن أبرز سلوكيات التجمع التي ساعدت علي تشويه صورته لدي الرأي العام ما يلي :
أ- تذبذب موقف التجمع من مبارك . وذلك بالتحول في الاستفتاءات من " لا " لمبارك ، إلي الامتناع عن التصويت . ثم قبول الترشيح للرئاسة من جانب التجمع ، وسحب الترشيح بعد ذلك وتقرير مقاطعة الانتخابات الرئاسية ذاتها ، وذلك بالرغم من إعلان التجمع من البداية رفضه لدور " الكومبارس" ، وبالرغم من احتجاجه علي المادة (76) بصياغتها الجديدة . أضف إلي ذلك الإصرار علي إبعاد " مبارك " عن دائرة النقد التجمعي ، وتسليط هذا النقد علي الحكومة وأعضائها لسنوات طويلة ، ثم رفع سقف النقد ليطول مبارك وإن بحساب دقيق ، وذلك بعد ما سبق التجمع إلي ذلك آخرون .
ب- قبول التجمع الدخول في حوار مع الحزب الوطني جنبا إلي جنب مع أحزاب
التوافق وذلك بالرغم من إدراكه لفشل تجارب الحوار مع الوطني في السابق ، وبالرغم من عدم توافر ما طلبه التجمع تحقيقه من شروط حتي يتمخض اللقاء مع الوطني عن حوار حقيقي يكون الجمهور أحد أطرافه ومتابعيه بلا وصاية من الوطني . وقد صبر التجمع علي هذا الحوار طويلاً بالرغم من تكاثر المؤشرات التي كانت تبشر بفشله ، وذلك قبل أن يقرر الانسحاب منه .
ج- قبول الاشتراك في الانتخابات التشريعية ، وذلك بالرغم من إجرائها في إطار نظام الانتخاب الفردي المعروفة عيوبه ، وبالرغم من استمرار قانون الطوارئ ، وبالرغم من تحفظات أخري كثيرة للتجمع علي المناخ القانوني والسياسي والعملي الذي ستجري الانتخابات فيه ، وبالرغم أيضاً من قصر المدة المتاحة للدعاية الانتخابية . وبالطبع لم يكن التجمع وحده هو الذي استسلم لهذه الأوضاع ؛ فقد اشتركت كل أحزاب المعارضة في هذا ، فضلاً عن المستقلين والإخوان . لكن هذا لا يرفع المسئولية عن التجمع .
د- تحول حملة التجمع ضد الإرهاب إلي حملة ضد الإخوان . لقد أدت الحملة المستمرة من جانب التجمع ، ممثلاً في رئيسه وصحيفته بوجه خاص ، ضد التيار الإسلامي عموماً والإخوان المسلمين خصوصاً إلي إظهار التجمع بمظهر المعاون الأساسي للحكومة في هذا الشأن . وبدا أن الحكم يستقوي بالتجمع في هذه المسألة ، مما أثار الشكوك والأقاويل حول وجود صفقة بين التجمع والحكم . ولكن موقف التجمع من الإخوان يحتاج إلي وقفة خاصة ؛ وهذا ما سنفعله في الفقرة التالية .
العامل الخامس من عوامل إضعاف موقف التجمع وهزيمته في الانتخابات التشريعية يتمثل في الحملة المستمرة من جانب الأمين العام السابق للحزب ورئيسه الحالي وعدد من قياداته وجريدة " الأهالي " ضد التيار الإسلامي بوجه عام ، وضد الإخوان المسلمين بوجه خاص . لقد جعلت هذه الحملة من الإخوان الخصم الرئيسي للتجمع ، بينما المفترض طبقاً لقرارات المؤتمر العام الخامس أن الحكم وحزبه هما الخصم الرئيسي للتجمع ، وهما هدف التغيير الذي يدعو إليه الحزب . ولا يخلو موقف التجمع من الإخوان وحقهم في إقامة حزب سياسي من إلتباس ، يعكس ضمن ما يعكس اختلاف الآراء داخل التجمع في هذا الشأن .
المهم في الأمر هنا أن استمرار حملة التجمع علي الإخوان المسلمين في ظروف انتشار التدين انتشاراً واسعاً في المجتمع المصري لأسباب لا مجال للخوض فيها الآن ، وفي ظروف اكتساب الإخوان لتعاطف جماهيري متزايد ، إن لم يكن لموقفهم الديني ، فللأعمال الخيرية التي يقومون بها في خدمة الفقراء والمهمشين ، وفي الوقت الذي سكت فيه صوت تيار الإسلام المستنير في التجمع بعد رحيل كبار المتحدثين باسمه وعلي رأسهم الشيخ مصطفي عاصي والشيخ خليل عبد الكريم ... كل ذلك أدي عملياً ليس فقط إلي تأجيج نار العداء مع الإخوان ، بل إلي استعداء التجمع لقطاعات واسعة من المصريين المتدينين في معظمهم ، وذلك بدلاً من كسب ودهم ورضاهم . وأتصور أنه كان لهذه التصرفات مردود سلبي كبير ، زاد موقف التجمع ضعفاً علي ضعف في الانتخابات .
في ضوء هذه الظروف التي تآزرت العوامل الخمسة التي ذكرتها علي تشكيلها ، لم يكن غريباً أن يخسر التجمع في الانتخابات ، وأن تخسر الأحزاب المعارضة الأخري . ولم تكن المفاجأة الحقيقية في خسارة التجمع وفوز الإخوان ، بل كانت في حجم الخسارة وفي حجم الفوز . كما كانت المفاجأة الحقيقية في امتداد خسارة التجمع إلي رموزه الرئيسية التي هي رموز كبري للوطن كله أيضاً . فهذا أمر يخرج عن نطاق الحسابات السياسية المنطقية ومقتضيات السلوك الانتخابي السليم . ولكن ما من جدوي للبكاء علي اللبن المسكوب .

مفاتيح المستقبل
إن آفاق المستقبل مفتوحة أمام التجمع وغيره من الأحزاب والقوي التقدمية . والرصيد الجماهيري الذي يمكنهم السحب منه كبير جداً . فهو يتمثل ليس فقط في نسبة ال 75% أو ربما 85% من الناخبين المسجلين في الجداول الانتخابية والذين لم يشتركوا في الانتخابات الأخيرة ( 24 مليون مواطن ) . بل إنه يتمثل أيضاً في 13 مليون مواطن غيرهم لم يتوافر لديهم الحافز الكافي لتسجيل أنفسهم في الجداول الانتخابية أصلاً .
وثمة حاجة موضوعية للوجود الفعال للتجمع وللقوة التقدمية الأخري في الساحة السياسية . فمن غيرهم يمكن أن يدافع عن مصالح الطبقات الشعبية وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطي ؟ ومن غيرهم يمكنه التحدث باسم الفقراء والمهمشين وسائر المتضررين من السياسات الانفتاحية وطغيان قوي السوق وسيطرة رأس المال علي الحكم وانتشار الفساد والتبعية المتزايدة لقوي الرأسمالية العالمية عموماً وللإمبريالية الأمريكية خصوصاً ؟ .
إذا كانت آفاق المستقبل مفتوحة أمام التجمع وسائر قوي التقدم ، وإذا كان ثمة رصيد جماهيري في انتظار أن يتقدم اليسار بمعناه الواسع لاستثماره ، وإذا كانت الظروف الموضوعية تستدعي الحضور النشط للقوي اليسارية التقدمية ، فما هي المداخل أو المفاتيح الرئيسية نحو المستقبل الواعد لهذه القوي ، وما هي طبيعة المهام الملقاة علي التجمع في هذا الشأن ؟ ثمة أربعة مفاتيح رئيسية هي :
المفتاح الأول : استنهاض القوي التقدمية جميعاً ، أي صحوة قوي اليسار بأوسع معانيه ، وتآزر هذه القوي جميعاً ، وعملها المشترك ، وذلك إن لم يكن في الإمكان وهذا هو الطريق الأفضل تكتلها جميعاً في حزب التجمع أو في حزب تقدمي جديد . فهذا أمر ضروري لكسر الاستقطاب الحالي في الساحة السياسية بين الحزب الوطني والإخوان المسلمين.
وهذه الفكرة ليست جديدة في شيء. فهي ذات الفكرة التي قام التجمع في سنة 1976 علي أساسها ، أي تجمع قوي وتيارات تقدمية متعددة في كيان سياسي واحد . وهي ذات الفكرة التي طالما تكررت في قرارات المؤتمرات العامة للتجمع : بناء التحالف اليساري الديمقراطي كنواة صلبة لبناء القطب الثالث في الساحة السياسية المصرية . وفي اعتقادي أن المبادرة في هذا الشأن يجب أن تأتي بالدرجة الأولي من حزب التجمع والحزب الناصري . وقد تكون الخطوة الأولي في هذا السبيل هي اندماج هذين الحزبين ، تمهيداً لانضمام باقي الأحزاب والقوي التقدمية في كيان جامع وشامل .
المفتاح الثاني : الإعلان الفوري من جانب التجمع بأنه لا استسلام بعد اليوم للقيود المفروضة علي حركة الأحزاب المعارضة ، ولا انتظار لتغيير القوانين والإجراءات والممارسات التقييدية والقمعية . وعلي التجمع أن يستأنف السير في الطريق الذي كان قد بدأ في شقة بمحاولات محدودة في العامين الأخيرين لعقد المؤتمرات والتظاهرات بالإخطار ، دونما انتظار للرخصة من الجهات الأمنية .
وعلي التجمع أن يتفاهم ويتحالف مع كل الأحزاب والقوي والتيارات السياسية الراغبة في تحويل حركة المطالبة بالإصلاح السياسي والديمقراطي من حركة نخبوية إلي حركة جماهيرية في الشارع المصري . ومن جهة أخري ، فإن الخطاب موجه بنفس الدرجة من الإلحاح إلي هذه الأحزاب والقوي والتيارات . كما أن الخطاب موجه بشكل خاص إلي القوي التقدمية خارج التجمع لتجاوز خلافاتها مع التجمع ولتجاوز الخلافات الداخلية بين فصائلها المختلفة ، وللتحلي بفضيلة التواضع مع الرفاق ، وذلك كله حتي تحتشد الجهود بكثافة من أجل مطالب محددة للتغيير ، وليس لمجرد رفض ما هو قائم والاحتجاج عليه . وهذا يتطلب بذل جهود مشتركة كبيرة لبلورة التغييرات المطلوبة في الدستور وفي التشريعات القائمة ، وتوعية الجماهير بمعناها ومغزاها .
المفتاح الثالث : وإلي أن يتم بناء التحالف اليساري الديمقراطي أو الحزب التقدمي الجامع لقوي اليسار بمعناه الواسع وهي مهمة سوف تستغرق وقتاً غير قصير وجهداً غير قليل فإن علي التجمع أن يسارع بتدعيم بنيانه بالكثير من أعمال الترميم والصيانة والتجديد . فثمة حاجة إلي مراجعة الكيان التجمعي للقضاء علي الترهل التنظيمي ولملء الكيانات الداخلية الفارغة وغير النشطة فيه أو دمجها في غيرها . وثمة حاجة إلي وقف التشتت في الجهود ، وإلي الاقتصاد في استعمال الموارد النادرة والسعي لتحقيق أعلي مستوي للكفاءة في أداء المهام المختلفة . ومن الأمثلة علي ذلك أن صحيفة واحدة قوية للتجمع أفضل من صحيفتين ضعيفتين ، وأن عدداً أقل من اجتماعات الغرف المغلقة أفضل من عدد كبير من هذه الاجتماعات التي تستهلك من طاقة القيادات والأعضاء الشئ الكثير ولا تبقي لهم إلا القليل من الوقت والجهد للتحرك العملي وسط الناس . وليكن منطلقنا في ضخ الحيوية والنشاط في الكيان التجمعي هو تفعيل قرارات المؤتمرات العامة للتجمع التي دعت إلي مضاعفة العضوية والوجود الجماهيري والعناية بالتدريب والتثقيف الحزبي والنهوض بصحافة الحزب وتحويل البرنامج العام إلي برامج نوعية مفصلة ومحددة . وفضلاً عن ذلك ، فإن علي التجمع أن يقلع عن الممارسات التي أدت إلي تشويه صورته لدي الرأي العام ، خاصة ممارساته ومواقفه من أهل الحكم . كما أن علي صوت الإسلام المستنير أن يعلو مجدداً وبقوة أكبر من داخل التجمع .
المفتاح الرابع : تصحيح موقف التجمع من الإخوان المسلمين . إنها استراتيجية خاطئة بلا شك أن يجعل التجمع من الإخوان خصمه الرئيسي ، وأن يستهلك الكثير من طاقته في التقليب في صفحات التاريخ الإخواني وفي الكشف عما قد يكون وراء المواقف المعلنة حديثاً للإخوان من نوايا سيئة يضمرونها . ولست أقدم جديداً حين أذكر أن الخصم الرئيسي للتجمع هو الحكم وحزبه . فقرارات مؤتمراتنا العامة واضحة وصريحة في تقرير ذلك . ولذلك لا ينبغي التعامل مع الإخوان وكتلتهم البرلمانية التي أتت بها الانتخابات علي أنهم أعداء للتجمع . بل يجب أن يتعامل التجمع معهم كمنافسين له في الساحة السياسية ، شأنهم في ذلك شأن غيرهم من القوي اليمينية . ينقد توجهاتهم وسياساتهم من جهة ، ويتفاهم ويتحالف معهم في القضايا موضع الاتفاق خاصة قضايا الإصلاح الدستوري والسياسي من جهة أخري .
وفي اعتقادي أنه من مصلحتنا كتجمعيين ويساريين ، ومن مصلحة الوطن أن يعمل الإخوان في العلن ، وأن يعترف بحقهم في تكوين حزب سياسي خاصة بعد ما أصبح لهم برنامج انتخابي معلن ، وأن يخضع حزبهم لكل ما تخضع له الأحزاب الأخري من قواعد يمليها العقل والمنطق والفكر السياسي الناضج في العالم ، لا أن يخضع للقواعد المتضمنة في قانون الأحزاب الفاسد والذي يتعين إلغاؤه . إن الحملة المتواصلة للتجمع ضد الإخوان قد خسرته الكثير ، وسوف تخسره أكثر إذا ما استمرت في المرحلة القادمة ، بعد أن أصبح لهم وجود مكثف في مجلس الشعب ، وبعد أن اشتركوا مع التجمع وغيره من الأحزاب والقوي المعارضة في الجبهة الوطنية من أجل التغيير ، وبعد أن أكدوا المرة تلو المرة أنهم متضامنون معها في مطالب الإصلاح الدستوري والسياسي .
وبدلاً من تكذيب الإخوان أو تخوينهم ، يحسن بالتجمع أن ينتظر قليلاً حتي يري ممارساتهم العملية في البرلمان وتصرفاتهم تجاه القوي المعارضة الأخري . باختصار علي التجمع أن يتعامل مع الإخوان علي قاعدة " الشك يفسر لمصلحة المتهم " ، و " أن المتهم بريء حتي تثبت إدانته " من واقع سلوكه العملي . ومن جهة أخري ، علي الإخوان أن يجتهدوا في فتح صفحة جديدة مع التجمع بخاصة ومع اليسار بعامة ، وأن يظهروا من التواضع وحسن النوايا أكثر مما أظهروه عندما اكتفوا بالتوقيع علي مطالب الجبهة الوطنية للتغيير ، وعزفوا عن التنسيق في الانتخابات مع باقي أعضاء الجبهة .
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة