لم يكن إلغاء التليفزيون المصري لفوازير رمضان هذا العام
مجرد صدفة أو رغبة منه لتطوير برامجه، بل لأنه كانت هناك
فزورة كبيرة عمت المجتمع، وتميزت بأنها سبقت شهر رمضان
وتواصلت بعده، وتميزت - أكثر - بأن حلها الخاطيء هو الذي
فاز بالجائزة الكبري، بينما الحل الصحيح تمت مواراته
وإخفاؤه.
وصل الإنتاج المحلي من القمح في هذا الموسم - وفقا لسياسة
وزارة الزراعة بتشجيع الفلاحين علي زراعته - إلي 8 ملايين
طن، وفي نفس الوقت زاد استيراده بدرجة كبيرة وصلت إلي 9
ملايين طن (6 ملايين بمعرفة وزارة التموين و3 ملايين
بمعرفة القطاع الخاص) أي بزيادة 3 ملايين عن العام الماضي،
وهو نفس حجم زيادة الناتج المحلي.
الحل الخاطيء الذي فاز بالجائزة الكبري
كان «أشطر» المتقدمين به وزارة التموين «وطبعا السادة»
المستثمرين من مستوردي القمح لمصر، ويتلخص فيما يلي: كان
لابد من الاستيراد حيث لم تستلم هيئة السلع التموينية من
الزراع والتجار سوي 4.2 مليون طن من الإنتاج المحلي.
هامش علي الحل الخاطيء
علقت وزارة التموين تفسيرها للفزورة وعدم استلامها سوي
لهذه الكمية الضئيلة من القمح، علي المبررات التالية:
1- الالتزام بموعد 15 يوليو لإغلاق باب استلام القمح:
وعلي الرغم من سبق تحديد هذا الموعد، إلا أنه - بطبيعة
الحال - ليس موعدا مقدسا، ولا يتعلق بانتهاء ماتش كرة»، بل
كان من الضروري مدّه تجاه هذه القضية الحيوية ولتعلقه بهذا
المحصول الاستراتيجي.
2- قيام بعض الموردين بتسليم قمح تم تخزينه بأسلوب سيئ، أو
تقديمهم قمحا مستورا علي أنه محلي للاستفادة من فروق
الأسعار:
وهي تفسيرات وحجج وصفها الأستاذ أسامة غيث المحرر
الاقتصادي للأهرام في 5/11/2005، بأنها «لا تصلح مادة
للحوار المستقيم في أي مجتمع من المجتمعات وتتنافي مع ألف
باء الشفافية الواجبة من مسئولي الحكومة خاصة كبارهم الذين
يتولون قمة المسئولية كوزراء».
التفسير الصحيح للفزورة
ورد هذا التفسير الصحيح - الذي تمت مواراته - من خلال
ثلاثة عناوين بجريدة الأهرام في شهر نوفمبر من هذا العام.
«سياسة إغراق خارجية هدفها إخراجنا من المنافسة، وإجهاض
خطة الحكومة لتحقيق الاكتفاء الذاتي» - 9/11/2005.
«أمريكا تطلق خطا ائتمانيا ب 200 مليون دولار لتسهيل
استيراد القمح» - 13/11/2005.
«نائب رئيس مؤسسة القمح الأمريكي: مصر تستورد القمح بأفضل
الشروط والأسعار عن أي دولة» - 16/11/2005.
معركة وطنية
عندما أعلن المهندس أحمد الليثي - فور توليه مسئولية وزارة
الزراعة - عن موقفه المحدد والحاسم في اتجاه العمل علي
الارتفاع بمعدلات الإنتاج المحلي من القمح وخفض معدلات
استيراده تجنيبا لمصر من الأعباء الاقتصادية والمخاطر
السياسية، كنا حريصين ليس فقط علي تأكيد ترحيبنا واحتفائنا
بذلك التوجه، ولكن - أيضا - علي تنبيه السيد/ الوزير إلي
أن هناك معوقات كبيرة ستوضع أمام سياسته تلك، سواء من
الجانب الأمريكي الذي سيواجه بشراسة أي محاولة لاستغناء
مصر - ولو جزئيا - عن القمح الأمريكي وأبعاده السياسية، أو
من جانب محتكري استيراد القمح الذين ستضار - وفق هذه
السياسة - تربحاتهم المهولة التي يحصلون عليها كعمولات
لهذه الصفقات الكبري.
ونشرنا تحذيرنا هذا في جريدة «الأهالي» تحت عنوان «الليثي
والقمح.. ومحاور الشر» في 11/8/2004.
وقبل مرور العام، كان قد تحقق - للأسف - ما كنا نخشي منه
من محاولات لإجهاض السياسة القمحية الجديدة، كما سبق إجهاض
سياسات سابقة مماثلة سواء تلك التي كانت بقيادة العالم
الوطني الراحل الدكتور مصطفي الجبلي وزير الزراعة الأسبق،
أو «الحملة القومية للنهوض بإنتاجية القمح» التي قامت عام
1994 بمتابعة د. محمود شريف وبالمسئولية الفنية للدكتور
عبدالسلام جمعة، والتي وصلت المواجهة الأمريكية لها إلي حد
إصدار السفارة الأمريكية بالقاهرة في نوفمبر 1994 بيانا
استفزازيا وغير مسبوق في الأعراف الدبلوماسية يشكك ويتهكم
علي هذه الحملة.
فالسياسة القمحية الخارجية هي إحدي المقومات الرئيسية
لاستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية،
ويؤكد ذلك - بوضوح وصراحة - تقرير المخابرات المركزية
الأمريكية الذي أعد بناء علي تكليف هنري كيسنجر عام 1974
قبيل مؤتمر روما للغذاء العالمي، والذي ينص علي.. «إن نقص
الحبوب في العالم من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة
الأمريكية سلطة لم تكن تملكها من قبل، إنها سلطة تمكنها من
ممارسة سيطرة اقتصادية وسياسية تفوق تلك التي مارستها في
السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية».
وبعيدا عن الفوازير والأرقام المتخبطة والتبريرات
المضحكة.. فإن القمح - بالنسبة لمصر - سلاح رئيسي في
مقاومة التبعية، و«قضية أمن وطني» - كما وصفها بحق د. أحمد
جويلي عام 2000 مؤكدا أنها - بهذه الصفة - «لا يمكن أن
تكون عملية بيع وشراء وتجارة ومجالا للمزايدات أو
المضاربات من قطاع خاص أو استثماري».