يتطلب عجز الطفل الإنساني عند الميلاد ولفترة ليست
بالقصيرة أن تعمل الأسرة علي رعايته وحمايته، كي يستمر في
الحياة، وتنمو قدراته، ويصبح قادرا علي القيام بدوره
كمواطن وعضو في مجتمعه يعمل علي إشباع حاجاته، ويسهم في
إشباع حاجات الآخرين، وقد وجدت الأسرة أنها غير قادرة علي
إشباع بعض حاجاتها بمفردها فعملت علي الانضمام لأسر أخري
كي يتعاونوا جميعاً في إشباع حاجاتهم، وبذلك تكونت
الجماعات، وأصبح لكل جماعة هوية خاصة وأهداف متماثلة، وهذه
هي بداية تكوين الجماعات ونشأة الأوطان.
وتعمل المجتمعات علي وضع القواعد والنظم التي تنظم التعامل
بين أفرادها وجماعاتها، وتبدأ هذه القواعد والنظم في شكل
تقاليد وأعراف يتناقلها أفراد المجتمع من جيل إلي جيل
ويسلكون طبقا لها، وبتقدم الإنسانية تعمل المجتمعات علي
صياغة دساتير وقوانين تحدد العلاقات بين الأفراد والجماعات
والمؤسسات، وتوضح الممارسات السلوكية الواجبة والمشروعة
وغير المشروعة، ومن الجوانب المهمة التي تهتم الدساتير
والقوانين بصياغتها وتفسيرها «المواطنة» وعلاقة المواطن
بالوطن.
ويتوقف نجاح أي مجتمع في تحقيقه لأهدافه علي تصوره
«للمواطنة» وعلي صياغة هذا التصور وترجمته إجرائيا في شكل
برامج سلوكية تتم من خلالها تنمية شخصية المواطن وتدريبه
علي اكتساب المعارف والمهارات السلوكية والمعارف التي
تمكنه من أداء دور المواطن بفاعلية، لكن المواطن لن يستطيع
أداء دوره كمواطن بفاعلية إلا إذا وجدت النظم والإجراءات
التي تعمل علي إشباع حاجاته وتنمية شخصيته بدءا من طفولته
وعبر مراحل حياته بحيث يتحقق من أن الوطن يعطيه حقوقه
كإنسان، ويوفر له كل الفرص التي تعمل علي تنمية شخصيته،
ومن ثم يستطيع أن يقوم بواجباته نحو الوطن.
وللمواطنة أهمية خاصة مع المجتمعات النامية التي عانت من
شراسة الاستعمار الذي استنزف ثرواتها، وغرس فيها من أساليب
الصراع والتناحر بين أفرادها وجماعاتها، بل وعمل علي تدعيم
نظم الحكم التسلطية التي تشل قدرات الإنسان وتسلبه هويته،
وتضع في سبيله العقبات التي تعطل أداءه لدوره كمواطن،
وبذلك تستمر الأوطان في تخلفها.
وفي بلادنا العربية نحتاج إلي تصور واضح للمواطنة، تؤدي
ترجمته الإجرائية إلي تفعيل دور المواطن العربي، بما يكفل
تضامن البلاد العربية وتآزرها للنهوض بالأمة، وهذا يعني
ألا يقتصر تصورنا للمواطنة علي البعد القطري، أي القطر
الذي ينتمي إليه المواطن، ومن ثم يبرز للمواطنة في الوطن
العربي إطاران:
1- الإطار القطري الخاص بالقطر الذي ينتمي إليه الإنسان،
2- الإطار القومي الذي يقوم فيه الإنسان بدوره كمواطن في
الوطن العربي الكبير، ولمثل هذا التصور أهمية خاصة، ذلك أن
ما تعاني منه البلاد العربية من تدهور وعجز أمام قوي
الاستعمار، الذي رغم رحيله، يظل يتدخل في شئونها ويعمل علي
السيطرة عليها ليبقيها في أسر التخلف والتبعية، إنما هو
نتيجة لتفككها وعدم تآزرها، وثمة بعد آخر للمواطنة أوضحته
دراسة «المواطنة ذات الأبعاد المتعددة: السياسية التربوية
للقرن الواحد والعشرين» التي أجريت في تسعة أقطار، وكتب
تقريرها النهائي جون كوجان الأستاذ بجامعة مينيسوتا في
الولايات المتحدة الأمريكية هذا البعد هو: 3- البعد الدولي
العالمي أو العولمي.
لا يستطيع أي مجتمع أن يتجاهل البعد العالمي، فاكتشافات
العلم وإبداعات التكنولوجيا والفكر التي تولد في مجتمع ما،
تنتقل إلي أي مجتمع آخر ليستفيد منها، ويتخذ منها مؤثرات
تدفع به إلي الأمام في ميدان التطور والفاعلية، ومن ثم نجد
أن الدول والمجتمعات تستفيد من ابتكارات بعضها وإنجازاتها
في مجالات العلم والتكنولوجيا، لكن هذه الاستفادة وهذا
التعاون بين الدول لا يعني أن تعمد بعض الدول القوية إلي
قهر الدول الصغيرة للأخذ بنظام معين أو تبني منظومة خاصة.
ولتفعيل دور المواطن يجب أن نعرف ما هي المواطنة، تعرف
دائرة المعارف الأمريكية المواطنة بأنها «علاقة بين فرد
ودولة تتضمن عضوية الفرد السياسية الكاملة في الدولة
وولاءه الدائم لها» (الطبعة الدولية، ج6، 1983)، وقد قدمت
دراسة «المواطنة ذات الأبعاد المتعددة» المشار إليها،
تعريفات إجرائية للمواطن، تمكن من تحديد خصائص المواطن
وحقوقه وواجباته، فعرفت المواطنة بأنها مجموعة من الخصائص
التي يتصف بها المواطن، وعرفت تعليم المواطنة بأنه: «إسهام
التربية في تنمية خصائص المواطنة» وقد أدت هذه التعريفات
إلي صياغة تعريف عام للمواطنة هو «المواطنة هي مجموعة من
خصائص مواطن القرن الواحد والعشرين التي تقدمها وتوافق
عليها مجموعة من الخبراء، وتشتمل هذه الخصائص علي أبعاد
تربوية واقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية علي المستوي
المحلي والقومي والدولي».
ويحتاج هذا التعريف إلي تحليل وترجمة إجرائية تمكن من
التوصل إلي التعريف الذي يمكن قبوله للمواطن العربي، والذي
يمكن من صياغة البرامج والنظم التي تمكن المواطن العربي من
اكتساب الخصائص التي تمكنه من أن يعيش بفاعلية في القرن
الحادي والعشرين كمواطن مصري أو سوري أو سعودي أو عراقي..
إلخ مواطن أردني عربي، ولإعادة صياغة هذا التعريف بما يتفق
مع توجهاتنا وأهدافنا القومية العربية نلاحظ:
1- أن مواطن القرن الحادي والعشرين هو الذي يكتسب الخصائص
والمعارف والمهارات التي تمكنه من الحياة في هذا القرن،
وتكسبه القدرة علي الاستجابة لتحدياته والإسهام في تحقيق
الأهداف القومية، والعمل باستمرار علي تقدم وطنه وأوطانه
العربية.
2- أن تحدد خصائص ومهارات المواطن، التي يحتاج إليها
للقيام بدور المواطن بشكل فعال، بواسطة مجموعة من الخبراء
الذين يمثلون قطاعات المجتمع المختلفة، وأساس تحديد هذه
الخصائص هو الأهداف القومية والقطرية، والخبراء هنا هم
رجال القانون، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والاقتصاد،
والتاريخ، من الطبيعي ألا يعتمدوا في صياغتهم لهذه الخصائص
والمهارات والأهداف علي تصوراتهم ووجهات نظرهم، بل يجب أن
يقوموا بالبحوث والدراسات التي تأخذ في حسبانها تاريخ
الوطن وواقعه وتطلعاته وإمكاناته، والأساس في صياغة
الأهداف القومية هو أن يعمل تحقيق هذه الأهداف علي تنمية
المواطن والوطن وفاعلية كل منهما.
3- أن خصائص المواطن ذات أبعاد تربوية واجتماعية واقتصادية
وثقافية، وهذا يعني أن يكون لدي المواطن الخصائص التي تسهم
في تقدم مجتمعه تربويا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا
وثقافيا.
لتعريف المواطنة إذا أبعاد ثلاثة هي: 1- الأهداف والتحديات
القومية، 2- الخصائص التي تمكن المواطن من الاستجابة لهذه
التحديات وتعمل علي تحقيق الأهداف القومية، 3- الأبعاد
المختلفة لخصائص المواطنة.
ما هي أهدافنا القومية؟ هل الوحدة والتكامل العربي هدف
قومي؟ هل نعي أن دساتير البلاد العربية تؤكد أن القطر هو
جزء من الأمة العربية؟ فماذا فعلت البلاد العربية لتحقيق
هذا الهدف؟ أم هو مجرد عبارة رومانسية تؤدي قراءتها إلي
شيء من الراحة وتصور الإنسان بأنه عربي! هل ترجمنا هذا
الهدف إلي معارف وأساليب تربوية تنمي في الإنسان منذ صغره
أنه ليس إنسانا مصريا أو يمنيا أو مغربيا فحسب، بل هو أيضا
إنسان عربي، يؤمن بعروبته ويري أنها تعمل علي تنميته.
ما هي تحدياتنا؟ هل تعرف أن التحدي الأكبر هو «مكانة الأمة
العربية» ومن ثم مكانة كل قطر فيها؟ هل نحن واعون بذلك،
ونعمل علي أن يكون تدعيم الأمة العربية مكونا أساسيا في
مفهوم المواطنة؟ هل نعمل علي أن يكون المواطن العربي واعيا
بأمجاد أمته والعوامل التي أدت إليها، ثم بالعوامل التي
عملت علي تقهقرها؟ هل نقدم للمواطن العربي الاستراتيجيات
التي تمكنه من العمل علي استعادة مجد أمته والقضاء علي
المحاولات المستميتة لتقزيم هذه الأمة؟.
ما هي خصائص المواطن التي تمكنه من المشاركة في مواجهة
التحديات وتحقيق الأهداف؟ في مقال سابق (الأهالي 1 يونيو
2005) تحدثت عن نماذج للسلوك الفعال الذي يصلح لعلاقة
الفرد بالمجتمع، ولتعريف دور المواطن، ويتضمن أحد هذه
النماذج خصائص التحكم في الذات، والمسئولية الشخصية،
والمسئولية الاجتماعية، والاهتمام الاجتماعي الديمقراطي
والعمل في إطار مباديء ومثل وقيم تعمل علي تحقيق أهداف
الأمة، بالنظر إلي واقع الأمة العربية والإنسان العربي
يبرز سؤال مهم: هل المواطن الفعال هو الإنسان المساير الذي
يخضع لإرهاب السلطة لتحقيق أهدافها كما تريد له السياسة
العربية؟ أم هو الإنسان المبتكر الذي يشعر بالاستقلال
والمسئولية نحو وطنه، ومن ثم يحارب الفساد والوصولية
واستغلال السلطة والتسيب، ويضرب المثل في السلوك الأخلاقي
المنتج الفعال؟.
تعرف الأمم التي تريد أن تنمو وتزدهر أن للتقدم شروطا
ثقافية وسياسية واقتصادية وتربوية وعسكرية، ولا سبيل
لتحقيق التقدم إلا إذا أخذنا بهذه الشروط وعملنا علي سيادة
الإطار القومي علي الأهداف الفردية والاستراتيجيات
المحلية.
ولتطوير خطط فعالة لتحقيق النمو والتقدم، نحتاج إلي العلوم
الاجتماعية والعلوم النفسية بوجه خاص لترجمة أهداف الأمة
إلي أساليب سلوكية، وتحديد أساليب اكتسابها وطرق عملها،
وفي صياغتنا لأهداف الأمة يجب أن ننظر إليها نظرة تكاملية
لا تقتصر علي جانب أو عدة جوانب لموضوع الهدف لنأخذ مثالا
زيادة الناتج القومي أو رأسمال الأمة، فالناتج القومي لا
يقتصر علي إنتاج السلع التي تباع أو تصدر، وإنما يجب أن
يشتمل علي الفن والعلم والتكنولوجيا وتنمية التفكير،
وابتكار النظم التي تزيد من فاعلية المجتمع، بما في ذلك
نظم التعليم، ويبقي السؤال المهم: ما هي الأساليب
والاستراتيجيات التي تحقق هذه الأهداف، وما هو نوع المواطن
الذي يستطيع أن يحيلها إلي حقائق.
من الذي يعمل علي تحقيق سلوك المواطنة؟ هل هو مسئولية
الحكومة والقطاع العام؟ وما هو دور المجتمع المدني؟ بل ما
هو دور أخطر التنظيمات وأجلها شأنا: نظام التعليم؟ هل
سيكون تعليم المواطنة موضوع مقررات دراسية؟ أم يجب أن يكون
المحور الذي يبني عليه نظام التعليم؟ كيف تعلم التربية
والمجتمع علي إكساب المواطن المهارات التي تمكنه من القيام
بدور المواطن بشكل فعال؟ إن سلوك المواطنة قضية خطيرة،
لأنه يجري في جسم الأمة مثلما ينساب الماء والغذاء في
شرايين الجسم الإنساني ليمنح الإنسان والمجتمع الصحة
والقوة والنماء.