عبر الهاتف كان يغالب حزنا طاغيا يخنق صوته، وبكلمات قليلة
بدا وكأن لسانه لا يطاوعه علي نطقها قال «البقية في
حياتك00 تركتنا سميرة»00 كانت الجملة صاعقة زلزلت كياني
كله00 لم أكن بحاجة إلي أن أسأله سميرة من؟! فلا يزلزل
نفوسنا إلا فراق سميرة واحدة هي «سميرة الكيلاني» الأخت
والصديقة والمعلمة00 وبعد هذه الكلمات ساد الصمت00 فلم يكن
أحد منا يستطيع أن يخرج من دوامة حزن عميق يلجم
الألسنة00كان الصديق بهاء طاهر هو محدثي0
بعد ساعات حاولت أن أتماسك لأكتب بضعة سطور أودع بها
«سميرة» فعاندني القلم00 كنت أخط أول جملة علي هذا النحو
«كانت الراحلة الكريمة سميرة الكيلاني»00 ولا أكاد أكمل
الجملة حتي يتوقف القلم00وأكرر المحاولة ويتكرر الفشل000
وتركت القلم والورق وجلست شاردا فإذا بشريط الذكريات يتحرك
من الذاكرة أري «سميرة» بكل الحيوية التي تتدفق
منها00وتتالت مشاهد شتي لأول لقاء وأنا أخطو أولي خطواتي
داخل مبني «الشريفين» لألتحق بالعمل بالإذاعة، وهي النجمة
المتألقة التي تبعث في نفوس المستمعين مشاعر الاحترام
والثقة بصوتها وأسلوبها الذي يعرف طريقه إلي العقول
والقلوب معا، فالمستمع يستشعر - بفطرته السليمة- ثقافة
وصدق المذيع فيمنحه الثقة بغير حدود0
استرجعت اللقاء الأول إلي هذا العالم السحري الجديد، وقد
شعرت بالرهبة عندما ذهبت للقاء الأستاذة سميرة الكيلاني
التي ستتولي تدريبي0
ذهبت للقاء وصورة النجمة المتألقة تجعلني أتهيب لحظة
اللقاء الأولي00 لم أكمل التعريف بنفسي حتي قامت الأستاذة
سميرة مرحبة ، ابتسامتها الصافية تسبق كلماتها الودودة
المشجعة00 وزالت الرهبة وجلست أستمع إلي أستاذتي00 ولم
ينته اللقاء الأول حتي شعرت وكأنني أعرف الأستاذة سميرة من
زمن بعيد00 وتحددت مواعيد اللقاء للتدريب العملي
بالاستديوهات، وازالت الأستاذة بالود الصافي بقايا شعوري
بالرهبة00وتعلمت منها الكثير دون أن تشعرني بأنها تقصد أن
تلقنني معارف حول العمل الإذاعي00 قدمت لجيلي كله النموذج
الرائع في أداء العمل بكل الجدية والتفاني 00وهي علي صعيد
العلاقات الشخصية نموذج فريد لا يتكرر كثيرا00
هذه هي سميرة الكيلاني شامخة بثقة في النفس، وثقافة واسعة،
وفكر مستنير، وهي مع هذا الشموخ والاعتزاز بالنفس، تتواضع
إلي أبعد حد، وهي المبتسمة دائما التي تلقاك بالترحيب
الحار، ورغم ذلك تجد نفسك وأنت شديد القرب منها محاذرا أن
تتجاوز خط الاحترام بمشاعر المودة والاقتراب00 متسامحة إلي
ابعد حدود التسامح فلا تحمل حنقا ولا تعرف كراهية00 تعلمنا
منها كل ما يرتقي بالمهنة التي أحبتها واحببناها، وتعلمنا
كيف نحترم المختلفين معنا في الرأي، وتعلمنا منها
«مسئولية» الكلمة التي تنطلق عبر الأثير فتتلقفها الجماهير
وتتأثر بها0
وظلت المشاهد تتدفق من الذاكرة، وفي كل مشهد طوال سنوات
عدة تتأكد كل هذه المعاني وأكثر0
وعدت لأمسك بالقلم واكتب هذه المشاهد فطاوعني القلم، ولو
استسلمت لإغرائه لملأت صفحات وصفحات تضيق عن ذكر مآثر
الأستاذة والمعلمة والصديقة سميرة الكيلاني0
وأدركت أن القلم أبي أن يكتب «كانت» سميرة، لأنه يتحرك
بإرادة داخلية عندي تأبي أن تصدق أن سميرة كانت فأنا أشعر
بصدق أنها معي الآن وغدا وإلي أن ألقي الله00 معي بكل ما
تعلمته منها وهو كثير، معي بكل الود السخي الذي نهلته
منها00معي ومع كل زملائي الذين كان لهم حظ التعامل معها00
معي ومع كل مستمعي الإذاعة المصرية، سواء البرنامج العام
أو البرنامج الثاني (الثقافي) الذي ساهمت في إنشائه والذين
أثرت برامجها معارفهم وأنارت لهم طريقا إلي الثقافة
المحترمة00
نعم أستاذتي ومعلمتي وصديقتي سميرة الكيلاني غادرت دنيانا
بجسدها، لكنها باقية بكل ما أعطت وهو عطاء سخي لا ينال منه
الزمن0