يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى

   
العدد 1260 (28 ديسمبر 2005 - 4 يناير 2006)
الرئيسية <<
الأولى <<
تحقيقات <<
أخبار وتقارير <<
الحياة السياسية <<
عربى ودولى <<
الرأى <<
رياضة <<
ثقافة وفنون <<
منوعات <<
بريد الأهالى <<
أعمدة <<
كاريكاتير <<
اتصل بنا <<
الأرشيف <<
 

 

 
 

ليس مهماً.. جواز السفر

 
 

شريف حتاتة

 

 
أثناء شتاء سنة 2003 كنت أقوم بالتدريس في كلية الآداب «بجامعة برشلونة المستقلة» وهي جامعة «كاتالانية» مهمة تمتد منشآتها، ومبانيها والخضرة والأشجار فيها علي مساحة تزيد علي خمسمائة فدان في مقاطعة «بيللاتيرا» أي الأرض الجميلة وتبعد عن «برشلونة» بثمانية وعشرين كيلو مترا تقريبا.
كنا نسكن «نوال السعداوي» وأنا في بيت صغير من دورين به عدد من حجرات النوم، وصالة للطعام مفروشة بأثاث بسيط، بابه الخلفي ينفتح علي حديقة نمت فيها زهور صفراء ذات رائحة ذكية تطلقها في بداية الصباح وبعد غروب الشمس في المساء.
وفي يوم من أيام شهر فبراير جاءنا زائران، أحدهما رجل طويل القامة، عريض الجسم، أبيض البشرة تدل نظرات عينيه السوداوين، وتقاطيع وجهه علي الطيبة، وامرأة شابة صغيرة الحجم، نحيلة الجسم، لها أنف بارز أحسست بأنها هي التي تسوس الأمور. جلسانا في الحديقة الصغيرة لنستمتع بشمس الشتاء تسري إلينا بالدفء، ونحن نتبادل الحديث في الموضوع الذي طرحاه علينا.
المنتدي الاجتماعي للبحر الأبيض المتوسط
يومها أوضحت لنا المرأة الشابة أنهما يعملان مع عدد من الناشطين في الحركة المناهضة للعولمة الرأسمالية علي تكوين «منتدي اجتماعي للبحر الأبيض المتوسط» يشمل البلاد الممتدة علي شاطئيه الشمالي، والجنوبي، وأنه في أواخر الشهر سيعقد الاجتماع التحضيري الثالث لهذا المنتدي في مدينة «برشلونة». ثم أضافت أنهما جاءا لدعوتنا إلي حضوره وللمساهمة في خطوات بناء المنتدي. وحيث إننا كنا مهتمين بهذه الحركة منذ زمن، وشاركنا في جانب من أنشطة المنتدي الاجتماعي العالمي الذي عقد في «بورتو اليجري» و«ممباي»، كما أنني ساهمت بجهود لإقامة «منتدي اجتماعي مصري» باءت حتي الآن بالفشل، وافقنا علي المشاركة في الاجتماع.
حضرت الاجتماع التحضيري في «برشلونة» يومي 28، 29 فبراير سبقه اجتماعان في «الرباط» بمراكش وفي «نابولي» بإيطاليا لم أكن حاضرا فيهما. وبعد «برشلونة» عقد اجتماع تحضيري رابع في «لارنكا» بقبرص تم أثناءه اختياري عضوا في «لجنة التنسيق الدولية» التي تكونت للإشراف علي الإجراءات الخاصة ب «المنتدي الاجتماعي للبحر الأبيض المتوسط» والذي تحدد عقده في «برشلونة» من 13 - 16 يونيو 2005.
هكذا وجدت نفسي مساهما في سلسلة من الاجتماعات التحضيرية، وفي اجتماعات لجنة التنسيق الدولية التي تم انعقادها في «مالاجا» بأسبانيا، و«مارسيليا» في فرنسا، و«اسطنبول» في تركيا ثم «برشلونة» مرة أخري في أسبانيا.
طوال هذه الفترة كنت أنشط أيضا في حركة محلية صغيرة اسمها «المجموعة المصرية لمناهضة العولمة». وأثناء هذا النشاط طرحت علي المساهمين فيه، وهم مجموعة من الشباب والشابات من مختلف مجالات الحياة أن تشارك المجموعة في هذا المنتدي، وأن ترسل مندوبين عنها إلي الاجتماعات القادمة حيث إن مشاركتي فيها حتي الآن مازالت بصفتي الشخصية. لكن رغم الحجج التي سقتها لإقناعهم بفوائد هذه المشاركة رفضوا اقتراحي. كانت حجتهم في ذلك أن المجموعة مازالت في بداية نشاطها ويجب ألا تتوزع جهودها بدلا من التركيز علي تدعيم ما تقوم به محليا. أما السبب الثاني فهو مساهمة بعض التنظيمات والأفراد «اليهود» في النشاط الخاص بإقامة «المنتدي الاجتماعي للبحر الأبيض المتوسط» قد يكونون من ذوي الميول الصهيونية.
مفهوم التطبيع
أثناء العقود الماضية راجت في الأوساط السياسية والثقافية مسألة سميت «رفض التطبيع». وكنت ملتزما بهذا الموقف بسبب اقتناعي بضرورة مقاطعة الاتجاهات الصهيونية كوسيلة للتضامن مع عرب فلسطين، لكني لم أكن مقتنعا بالمفهوم الذي ارتبط بكلمة التطبيع وأثر علي طريقة تطبيقه. كنت أستقبل في منزلي فلسطينيين يأتون من الأراضي المحتلة خلال السبعينيات بينما كان «المثقفون» التقدميون يرفضون استقبالهم وذلك لاقتناعي بأن دورنا هو مؤزارتهم في معاركهم، والاطلاع علي أحوالهم، وبحث سبل التعاون معهم. لكني رفضت تلبية الدعوات التي جاءتني للذهاب إليهم. لم أقتنع أيضا بمقاطعة عرب 48 أي الفلسطينيين الذي بقوا في إسرائيل بعد قرار التقسيم، أو اليهود الذين يناضلون مع الفلسطينيين ضد الاحتلال الإسرائيلي ودفاعا عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم علي أراضيهم، وضرورة عودة اللاجئين الذين يقررون العودة إلي بلادهم، فهؤلاء اليهود يخوضون معركة صعبة خصوصا بعد أن نجح «شارون» في استقطاب الأغلبية الساحقة في إسرائيل إلي جانب سياساته العدوانية بحجة مقاومة «الإرهاب»وضمان الأمن لسكان إسرائيل.
التقيت بعدد قليل من هؤلاء في الاجتماعات التحضيرية التي أوضحوا فيها موقفهم المؤيد لحقوق الشعب الفلسطيني والمعارك التي يخوضونها ضد إقامة «الجدار الفاصل» أو لمساندة الجنود الذين يرفضون المشاركة في العدوان المسلح علي الرجال والنساء والأطفال العزل في فلسطين، وقدرت مدي صعوبة الموقف الذي يتخذونه في مواجهة العداء المستحكم للعرب والعنصرية التي تسود في إسرائيل. تأكد يقيني بأن المهم ليس جواز السفر الذي يحمله الإنسان وإنما موقفه من قضايا الشعوب ووقوفه في صف الحرية والعدالة ضد الغاصبين.
إسرائيل والعسكرة
في الفترة من 13 إلي 16 يونيو الماضي حضرت «المنتدي الاجتماعي للبحر الأبيض المتوسط» ألقيت كلمة عن أهمية نضال الشعوب ضد الحرب والاحتلال وعن عدوان مسلح تعد له إدارة «بوش» ضد إيران، وشاركت في رئاسة «التجمع ضد الحرب» الذي حضره مندوبون عن الحركات المناهضة للحرب في بلدان البحر الأبيض المتوسط، لكن أهم ما لفت نظري هو الكلمة التي ألقاها الإسرائيلي «جيف هالبر»، رجل جاوز سن الستين، قصير القامة، شعر رأسه ولحيته أبيض كثيف وعيناه اللامعتان المشاكستان تطلان من خلف العوينات. إنه باحث ومثقف تقدمي معروف يعمل في مؤسسة للدراسات المستقبلية بعد أن ترك التدريس في الجامعة. تعرض في هذه الكلمة إلي معلومات موثقة عن عسكرة الدولة والمجتمع الإسرائيلي. أوضح فيها أن إسرائيل أصبحت تحتل المرتبة الثالثة في العالم في إنتاج السلاح، إن ترتيبها يأتي الثالث بعد الولايات المتحدة، وروسيا، وأنها تنتج من السلاح ما يزيد علي إنتاج الصين. إن إنتاجها يشكل 12% من إنتاج السلاح العالمي تعتمد فيه علي التكنولوجية المتطورة، وعلي عقول الخبراء المدربين تدريبا عاليا للغاية. لذلك أصبحت البلدان الأوروبية تعتمد عليها اعتمادا كبيرا في استنباط أنواع السلاح التي تحتاج إليها، فهي لا تستطيع أن تنتج الأسلحة الكبيرة الحجم كتلك التي تصنعها الولايات المتحدة بكميات كبيرة، وإنما تعتمد علي أسلحة أصغر عالية الفعالية.
لدي إسرائيل ما يتراوح بين 300 و 500 قنبلة ذرية حرارية وستة أقمار صناعية للتجسس و500 قنبلة ضخمة تستطيع أن تخترق الاستحكامات المدفونة عميقا تحت سطح الأرض. وهي تقوم بدور الذراع العسكرية للولايات المتحدة التي يمتد نشاطها إلي كل مكان. فأسلحتها تحمي حقول البترول في «أنجولا» الإفريقية، ومناجم الماس، والنحاس، والتيتانيوم، والمواد المستخدمة في إنتاج القنابل الذرية وهي معادن موجودة في عدد من بلاد إفريقيا. أسلحتها تحملها أيدي رجال الجيوش المرتزقة التي تستأجرها الشركات المتعددة الجنسية في مختلف البلاد، وتنتشر في بلاد الجنوب ما بين «كولومبيا» و«جمهورية الكونغو الديمقراطية» «زائير سابقا» و«بورما». استخدمت أسلحتها في المذابح التي جرت في «رواندا» وأدت إلي قتل ما يزيد علي مليون ونصف المليون من سكانها. إنها متخصصة في إنتاج الأسلحة الصغيرة تطورها وفقا للاحتياجات المحلية. لذلك تغلغلت إلي مختلف مناطق العالم. استخدمتها الجيوش الأمريكية في العراق، واستخدمت معها التكتيكات الإسرائيلية في قتال المقاومين في المدن.
تنظر إسرائيل إلي «الشرق الأوسط» كميدان للحرب يصلح لاختبار أسلحتها فيه. وتصف العرب بأنهم «إرهابيون» حتي تبرر سياستها العدوانية. إسرائيل يحكمها القادة العسكريون. اللغة فيها أصبحت عسكرية. الشعب فيها مسلح لابد من أن تكشف هذه الحقائق علي نطاق واسع وأن يكون نزع سلاحها النووي ركنا أساسيا في الحملة الشعبية العالمية ضد الحرب حتي ننزع جزءا من مخالبها ويتم كشفها أمام الرأي العام العالمي بأسلوب مقنع. يجب ألا تذهب السنوات الثماني عشرة التي قضاها «موردخاي فنانو» في السجن لأنه كشف تصنيع وامتلاك إسرائيل للقنابل الذرية هباء.
«جيف هالبر» نموذج لليهود الإسرائيليين الذي يقفون ضد سياسات إسرائيل العدوانية ويكشفونها من الداخل. وحيث إن إسرائيل موجودة في قلب منطقتنا العربية ألم يصبح من الضروري أن نعيد النظر لمعني رفض التطبيع؟ ففي هذه المرحلة المفعمة بالمخاطر نحن أحوج ما نكون إلي توسيع نطاق التضامن مع تلك القلة التي تعيش في بؤرة حساسة ومؤثرة للغاية، والاستفادة من معلوماتها وجهودها داخل جسم الكيان الصهيوني.
 
     
  العودة للصفحة السابقة  


الرئيسية | الأولى | تحقيقات | أخبار وتقارير | الحياة السياسية | عربى ودولى | الرأى | منوعات | بريد الأهالى | أعمدة
رياضة | ثقافة وفنون | الأرشيف | أخبار حية | اتصل بنا

الأهالى تصدر صباح الأربعاء - يصدرها حزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى
جميع الحقوق محفوظة الأهالى © 2005-2006 - يحظرنشر أو اقتباس أى مادة بدون إذن كتابى مسبق من الجريدة