تعيش شوارع القاهرة الكبري مأساة مستمرة منذ عدة
سنوات، وهي تراكم القمامة علي الأرصفة وفي الحارات
والأزقة.. وفي المناطق الفقيرة مثل العشوائيات وفي المناطق
الثرية كالأحياء الراقية علي حد سواء..
وتلقي القاهرة كل يوم بأكثر من 12ألف طن من القمامة، ويدور
الصراع بين عدة جهات حول هذه الحصة اليومية ومن هو المسئول
عن رفعها ونقلها إلي الأماكن المخصصة لتدوير القمامة
وإلقاء المخلفات.. هل هي الشركات الأجنبية أم الزبال
التاريخي المشهور بالقفة القش والعربة الكارو، أم هيئة
تجميل ونظافة القاهرة التي تعاني من نقص في أسطول السيارات
وفي العمالة أيضاً, ومثلها هيئة تجميل ونظافة الجيزة؟
منذ بداية عام 2005 وحتي الآن لم يتم حسم قضية التعامل مع
جبال القمامة المنتشرة في كل مكان، خاصة بعد أن تم فسخ
العقود التي كانت مبرمة مع إحدي الشركات الأجنبية ، ومع
عدد كبير من المتعهدين بجمع القمامة من الوحدات السكنية
الذين كانوا يعملون مع هيئة النظافة والشركة الأجنبية..
وترتب علي إهمال هذه القضية تراكم أكوام القمامة علي نواصي
الشوارع وفي مداخل الحارات خاصة في إمبابة ومنطقة نهاية
فيصل والمرج ومناطق جنوب القاهرة وغيرها.ويلاحظ أن بعض
المناطق التي تعاني من تلال القمامة تقع في محافظة الجيزة
رغم أن المحافظة لم تفسخ العقود مع الشركات الأجنبية التي
تراخت تماماً في عملها لدرجة أنها قامت بسحب صناديق جمع
القمامة من شوارع عديدة خاصةً في عزبة جبريل وتقسيم مدينة
النصر بمنطقة نهاية شارع فيصل, ووجدت هذه الشركات من يدافع
عنها من بين كبار المسئولين بالمحافظة , وعلي الناس أن
تخبط دماغها في أقرب حائط ! .. وأدي ذلك إلي ظهور أكوام من
الزبالة , ومن المشاهد التي أصبحت مألوفة في هذه المنطقة
أن تري مهندسين ومحاسبين وصحفيين وعمالاً منتجين وهم
يحملون أكياس القمامة بحثاً عن مكان لإلقائها, وبينما اهتم
د. فتحي سعد , محافظ الجيزة بتشكيل لجنة برئاسته لوقف
ظاهرة الإعلانات التي تحجب رؤية النيل, لم يخطر بباله
التفكير في البحث عن حل لمأساة الزبالة بكل تداعياتها علي
الأوضاع الصحية والجمالية والإنسانية !
ويتم التعامل مع قضية القمامة من خلال تقسيم جغرافي يحدد
القاهرة الكبري كأربع مناطق جنوبية وشمالية وشرقية
وغربية.. إلا أن المنطقة الشمالية كانت هي الأكثر تلوثاً
بتلال القمامة بسبب فسخ التعاقدات مع جميع المتعهدين بجمع
القمامة من المنازل أوائل هذا العام.
وفي منطقة إمبابة تضطر ربة المنزل سميحة سعيد لإلقاء أكياس
القمامة من الطابق الأعلي بناء علي نصيحة الزبال الذي لا
يمر عليها إلا كل أسبوع مرة أو مرتين، وهو ينصحها بذلك
لأنه لا يستطيع أن يمر علي جميع الشقق في العقار لجمع
القمامة منها..
ويلاحظ أن كل عامل ملزم بجمع قمامة ألف شقة سكنية كل يوم،
ويقول أحد العمال:إن هذا يفوق طاقة البشر.. والذي يعترض
علي ذلك يتعرض للطرد أو الخصم من راتبه.
ويشكو تامر عادل، وهو صاحب سوبر ماركت في منطقة الوراق
بالجيزة من تفاقم مشكلة القمامة، ويقول إن شركات النظافة
تتقاضي رسما مبالغا فيه بحجة جمع الزبالة لكن النتيجة كما
ترون.. الزبالة ملقاة في الشارع ولا نجد من يخلصنا منها..
وكان عمال النظافة التاريخيون.. أي من أصحاب العربات
الكارو والقفة يتقاضون 3 جنيهات في الشهر لجمع القمامة من
أمام محل تامر، لكن هذه النوعية من الزبالين لم تعد موجودة
بعد أن دخلت للسوق شركات النظافة، والتي أصبحت تحسب قيمة
رسم القمامة ب 15 جنيهاً، و.."مع ذلك لا نري المتعهدين
التابعين لتك الشركات إلا نادراً مما أدي لزيادة تركم
القمامة في كل مكان".. كما يقول قناوي سعد، من أهالي منطقة
البصراوي بالجيزة.
وقد يكون المتعهدون مظلومين، لأنهم قالوا في العديد من
الشكاوي التي بعثوا بها للجهات المختلفة إن الشركات
الأجنبية لا تريد تعيين المزيد من المتعهدين لمساعدتهم في
جمع القمامة، وتخفيف العبء عنهم.. وفي تقرير لمركز الأرض
لحقوق الإنسان حول هذه المشكلة قال إن المنطقة الشمالية
التي يدخل في نطاقها سبعة أحياء ملزم بجمع القمامة فيها
عدد قليل جداً من العمال.. وأضافوا أن حي الزيتون علي سبيل
المثال به 140 الف شقة ويعمل علي جمع القمامة منها 6
متعهدين فقط، وشبرا بها 38 ألف شقة ويعمل بها 6 متعهدين
فقط، وحدائق القبة بها 120 ألف شقة، ويعمل بها 14 متعهداً
فقط، وحي الساحل به160 ألف شقة، ويعمل به 18 متعهداً فقط،
والزاوية بها140 ألف شقة يعمل بها 12 متعهداً فقط، وروض
الفرج بها 70 ألف شقة يعمل بها 7 متعهدين فقط والشرابية
بها80 ألف شقة يعمل بها 6 متعهدين فقط.
وربما لهذا السبب أخذت شركات النظافة في الفترة الأخيرة
تهتم فقط بالشوارع الرئيسية وتترك الشوارع الداخلية في
الأحياء والحواري والأزقة.. كما يلاحظ صاحب محل الملابس
بمنطقة العزبة في الجيزة، محمد محمد مرسي، أو كما قال:
نضطر لحمل القمامة معنا والذهاب بها للصندوق الكبير(يقصد
الحاوية الرئيسية لتجميع القمامة).. الشركات لم تعد تأتي
لأخذ الزبالة كما كان يحدث في الماضي..
ومن الذين كانوا يقومون بأعمال النظافة في الماضي، عم سعيد
عباس، في منطقة إمبابة بالجيزة، حيث أصبح محروماً من العمل
في جمع القمامة بعد دخول الشركات الأجنبية لأداء هذه
المهمة في الفترة الأخيرة، وهو يصف عمل تلك الشركات
بالفشل، لأنها لا تستهدف تنظيف الشوارع وإنما جمع الأرباح،
وهو ما أكد عليه أيضاً صاحب محل الملابس بمنطقة ناهيا سعيد
طلعت، وكذلك محمد إبراهيم، من أبناء بولاق الدكرور..
القمامة أصبحت في كل مكان.. تستطيع أن تري أكوام الزبالة
في شارع نصار المتفرع من شارع العروبة، وفي شارع المسبك
المتفرع من شارع عزبة المفتي، وفي مداخل ومخارج أحياء دار
السلام والمطبعة وحدائق المعادي وحلوان وروض الفرج
والزاوية الحمراء والمقطم، وشبرا الخيمة وعزبة النخل، وهذه
الأخيرة أصبحت تمثل نموذجاً ظاهراً لانتشار القمامة من
جانب و"طناش" المسئولين للتدخل لحل المشكلة من الجانب
الآخر. ولهذا يشير صبحي أبو موسي، عضو المجلس المحلي
الشعبي بالقاهرة، إلي أنه علي الرغم مما قامت به شركات
النظافة من جهد ملحوظ عند بداية عملها في جمع القمامة، فإن
العكس هو ما يحدث الآن حيث تدهور حال النظافة في معظم
المناطق الشعبية، خاصة في الشوارع الجانبية، لدرجة أنه
أصبح من الصعب التخلص من كل هذه الكمية من القمامة دفعة
واحدة.. والمشكلة أنه لا توجد صناديق قمامة أصلاً في
المرج، مثل الغالبية العظمي من أحياء القاهرة الكبري، كما
يقول عربي محمد عثمان، أحد المهتمين بقضية القمامة في
منطقة المرج..
ولا يمثل وجود جبال القمامة مشكلة بصرية وجمالية فقط، ولكن
القضية تتعدي ذلك إلي الجوانب الصحية، خاصة وأن حوالي 46%
من أكوام القمامة عبارة عن مواد عضوية من بقايا الطعام
والخضراوات،والتي يمكن أن تؤدي إلي انتشار الروائح الكريهة
والأمراض وحتي الأوبئة..
وتقول دراسة علمية صدرت مؤخرًا عن معهد بحوث الأراضي
والمياه والبيئة التابع لوزارة الزراعة، إن قمامة القاهرة
تُعدّ أغني أنواع القمامة علي مستوي العالم، إذ يمكن أن
يرتفع ثمنها لتبلغ 6 آلاف جنيه للطن الواحد، وذلك بسبب
احتوائها علي مكونات يمكن أن تقوم عليها صناعات تحويلية
كثيرة.
وتضيف الدراسة التي أعدها في وقت سابق الدكتور محمود حلمي،
أن القاهرة تنتج يومياً 15 ألف طن قمامة، وأن الطن الواحد
يمكن أن يوفر فرص عمل لثمانية أفراد في عمليات الجمع
والفرز والتصنيع. وهو يقول في الدراسة إن هناك دولاً صغيرة
المساحة ومتقدمة حضاريا مثل الفاتيكان ولوكسمبورج تطلق علي
قمامتها تعبير "المناجم الحضرية"، لما تحتويه من ثروات
تتمثل في الصناعات التحويلية القائمة عليها.
ومن المواد الأخري المكونة لزبالة القاهرة هناك الورق الذي
تصل نسبته إلي15%، والزجاج 3% ونفس النسبة للبلاستيك..
وغيرها.
ويبلغ سعر طن المعادن المستخرجة من القمامة ما بين30 جنيها
و6 آلاف جنيه، أرخصها الصفيح، وأغلاها النحاس والألمونيوم،
ويبلغ سعر طن الزجاج من50 إلي 80 جنيهاً، ويعتبر الزجاج
العسلي هو الأرخص والزجاج الشفاف هو الأغلي.. ويصل سعر طن
الورق إلي30 جنيهًا وسعر طن الكرتون إلي70 جنيهًا. بينما
يباع سعر الطن من البلاستيك ب800 جنيه.
عندما جاء د. عبد العظيم وزير محافظاً للقاهرة , كان أول
تصريح صحفي له قوله : " أحلم بقاهرة نظيفة خالية من
القمامة " متي يتحقق هذا الحلم ؟
أما محافظة الجيزة , فمتي تضع هذه القضية علي رأس
اهتماماتها؟