الانتصار المدوي لليسار في بوليفيا.. يسجل أهم حدث في عام 2005
بقلم: نبيل زكي
الآن يستطيع الزعيم الثوري «ارنستو تشي جيفارا» أن يرقد
مستريحا في قبره00 فقد تحققت أحلامه وتولي اليسار الحكم في
البلد الذي قتله جلادوها من عملاء المخابرات الأمريكية
(بوليفيا)، كما تولي اليسار الحكم في مسقط رأسه
(الأرجنتين) وسط سلسلة من الانتصارات التي أحرزها اليسار
في أمريكا اللاتينية0 وكان البعض قد توهم أن اليسار قد خرج
نهائيا من الساحة ولم يعد له وجود0 ولكن ها هي أمريكا
اللاتينية تتجه نحو اليسار ولم تعد «الفناء الخلفي»
للولايات المتحدة، وتلك - في تقدير كاتب هذه السطور - من
أهم أحداث عام 02005
بعد سنوات طويلة من المعاناة في ظل أنظمة حكم ديكتاتورية
تساندها وتدعمها الولايات المتحدة في أمريكا الوسطي
والجنوبية، أعلنت غالبية شعوب القارة اللاتينية رفضها
لسياسات «الليبرالية الجديدة» واتجهت نحو اليسار0
وتحكم القوي اليسارية الآن أهم دول أمريكا اللاتينية :
البرازيل وفنزويلا والأرجنتين وتشيلي وأورجواي وبوليفيا0
وثمة اجماع بين خبراء شئون القارة أن عمدة نيو مكسيكو
اليساري «اندريس مانويل لوبيز» سيفوز في انتخابات الرئاسة
في المكسيك في العام القادم، كما يتوقع الكثيرون عودة
دانيل أورتيجا زعيم الجبهة الساندينية اليسارية إلي السلطة
في انتخابات العام المقبل أيضا0
يقول الكاتب السياسي والمحلل الأمريكي توم انجيلهارت إن
ثلثي أمريكا اللاتينية تعتبر الآن في اتجاه اليسار، مع
ملاحظة أن الولايات المتحدة تعتمد علي 15 في المائة من
وارداتها البترولية من دولة يسارية مثل فنزويلا0
خوف من المتاعب ويقول المعلق الأمريكي الشهير «جيم لوب» إن البنتاجون
يشعر بانزعاج من «مثيري المتاعب» في أمريكا اللاتينية، كما
أن إدارة الرئيس الأمريكي بوش تشعر بالخطر إزاء التحولات
السياسية نحو اليسار في أمريكا اللاتينية0
ويتحدث «أوتو رايخ»، كبير مساعدي بوش لشئون أمريكا
اللاتينية خلال فترة الرئاسة الأولي للرئيس الأمريكي
الحالي، عن «محور الشر في نصف الكرة الغربي»، والذي يتكون
من الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز والرئيس الكوبي فيدل
كاسترو!
ورغم إن «أوتو رايخ» يحاول التفرقة بين «يساريين
ديمقراطيين»، مثل الرئيس البرازيلي «لويز ايجانسيو لولا دا
سيلفا»، والرئيس التشيلي «ريكاردو لاجوس»، وبين «يساريين
متطرفين»، من أمثال شافيز وكاسترو، إلا إنه لا يوجد من
ينكر أن الجميع يعارضون السياسة التي تمارسها الولايات
المتحدة سواء تجاه أمريكا اللاتينية أو العالم، ويرفضون
«الروشتة» الاقتصادية التي تقدمها للدول النامية0
قارة جديدة وجاءت انتصارات اليسار ثمرة لانتفاضات شعبية قامت بها
جماهير ضاقت ذرعا بالعولمة لحساب الشركات الأجنبية
الاحتكارية وبعمليات السلب والنهب لثرواتها وفقا لسياسات
وضعها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي0
وقد أدي انتصار الطبيب الاشتراكي «تاباري فاسكيز» في
انتخابات فبراير الماضي في أوروجواي إلي تشجيع المحللين
علي الحديث عن «أمريكا جنوبية جديدة»0
ويمكن القول إن كل هذه الانتصارات تعني أن القادة
اليساريين يديرون أكبر أربع كتل اقتصادية في القارة برمتها
: البرازيل - الأرجنتين - فنزويلا - بوليفيا0
والاستثناء الوحيد في القارة (الذي يسير في خط معاكس
لليسار) هو رئيس كولومبيا «الفارو أوريب»، الذي لايزال
مواليا لواشنطن، بإصرار ، ولسياسات السوق الحرة، ولكن
الرجل في مهب الريح بسبب حرب عصابات يقودها يساريون لإسقاط
نظام حكمه0
تدعيم المكاسب ومع مرور الوقت يعزز اليسار مكاسبه0
فقد حقق كل من الرئيس الفنزويلي «شافيز» والرئيس البرازيلي
«لولا» نتائج طيبة للغاية في الانتخابات المحلية في ربيع
هذا العام الذي يطوي صفحاته0 وحصل مرشحو حزب العمال
البرازيلي (حزب لولا) علي أعلي عدد من الأصوات علي نطاق
البلاد، ونجح في مضاعفة عدد المجالس المحلية التي فاز بها
في انتخابات عام 02000كذلك فاز مرشحو شافيز في عشرين من
ولايات فنزويلا (وعددها 22)0
وفي نيكاراجوا تسيطر الجبهة الساندينية اليسارية علي 42%
من أصوات البرلمان وتسيطر علي العديد من الحكومات المحلية،
ولولا التدخل العسكري الأمريكي في نيكاراجوا (حرب
الكونترا) لبقي أورتيجا اليساري في السلطة0
وفي السلفادور، زاد عدد مقاعد الجبهة اليسارية في البرلمان
وفي مراكز الحكم المحلي في آخر انتخابات، رغم أن الجناح
اليميني مازال يسيطر علي الرئاسة0
وسوف تشهد أمريكا الوسطي والجنوبية في عام 2006 أكثر من
عشر معارك انتخابية00 يتوقع الكثيرون أن تكون نتائج معظمها
لصالح اليسار0
وهذا ما يعترف به حتي «بورتر جوس»، مدير وكالة المخابرات
المركزية الأمريكية أمام لجنة الخدمات العسكرية بمجلس
النواب الأمريكي في شهر يونيو الماضي، عندما حذر من أن
التحول نحو اليسار في أمريكا اللاتينية سيكون أكثر وضوحا
عقب ثمانية انتخابات رئاسية من المقرر اجراؤها في العام
القادم (2006)، وخاصة في دول يوجد بها مرشحون يساريون
أقوياء، مثل المكسيك0
الصدام مع السادة يقول الأب «روي بورجواز، مؤسس جماعة مراقبة مدرسة
الأمريكتين» أن الانتصارات الشعبية في البرازيل والأرجنتين
وفنزويلا واورجواي تستهدف كلها وضع الفقراء من الناس في
دائرة الضوء ومعالجة قضايا الفقر والرعاية الصحية0 وسيؤدي
ذلك إلي نزاع مع السادة في واشنطن0 غير أن هذه البلدان
تملك الحق في تقرير مصيرها0 وكانت الولايات المتحدة،
دائما، في الجانب الخطأ ومنحازة إلي نخبة محدودة ومجموعة
من الشركات الاحتكارية، وليست في جانب سكان البلاد.
ومن هنا يناضل الأب بورجواز من أجل إغلاق «مدرسة
الأمريكتين»، التي تغير اسمها إلي «معهد التعاون الأمني في
نصف الكرة الغربي» وقد تولت هذه المدرسة تدريب غالبية
الطغاة والقادة العسكريين المسئولين عن القتل وعن المجازر
وعن تعذيب مئات الآلاف من الناس في أمريكا اللاتينية،
وتخرجت في تلك «المدرسة» العناصر المسئولة عن عمليات
الإبادة الجماعية لمواطنين في جواتيمالا في الثمانينيات،
حيث قتل أكثر من 200 ألف شخص وتم محو 637 قرية تنتمي إلي
قبائل «المايا» من علي وجه الخريطة.
ويوجد مقر هذه المدرسة في «فورت بيننج» بالولايات المتحدة،
ويطلق عليها اسم «مدرسة القتلة».
نهاية الانتظار بعد سنوات من تطبيق سياسات «التكيف الهيكلي»، تحقق لدي
شعوب أمريكا اللاتينية أن تلك السياسات لا تتمشي مع
مصالحها، وظلت هذه الشعوب فقيرة، وتعاني في سبيل البقاء
علي قيد الحياة مع استمرار زيادة الفوارق الاجتماعية في
دول تعاني أصلا من اتساع هذه الفوارق.
وتضم حركات اليسار في أمريكا اللاتينية نقابات عمالية
وفلاحية وفئات مستنيرة من الطبقة الوسطي ومثقفين، وثمة
تركيز واضح علي التعددية والثقافات المحلية واعتبار
الاشتراكية هي الترجمة للعزة الوطنية في مواجهة تحالف
الديكتاتورية والأقلية الفاسدة مع الشركات العابرة للقارات
ودعاة التفرقة العرقية والتدخل الأجنبي.
لم تعد أمريكا اللاتينية هي «الفناء الخلفي» للولايات
المتحدة وكذلك لم تعد شعوب تلك القارة تخاف من «الجار
الشمالي»، ولم يعد في وسع مواطني دول أمريكا الجنوبية
الانتظار بعد الآن.
فمن بين 550 مليونا «عدد سكان القارة» مازال 220 مليونا من
الفقراء، بينهم مائة مليون فقراء جدا ومعدمين ويعيشون علي
أقل من دولار واحد يوميا.
ويقول جيمس بينتر محلل شئون أمريكا اللاتينية في شبكة «بي.
بي. سي» الإخبارية إنه يبدو أن الأحزاب والحكومات اليسارية
أقوي في أمريكا اللاتينية.. منها في أي مكان آخر في
العالم، فهي تطرح شيئا مختلفا عن سياسات السوق الحرة
السائدة.
قنبلة بوليفيا لكل هذه الأسباب جاء فوز «ايفو موراليس» برئاسة
بوليفيا ليكون له وقع الصاعقة في واشنطن رغم أن هذا الفوز
كان متوقعا من جانب الأمريكيين أنفسهم منذ بعض الوقت، ولكن
فوز يساري من طراز موراليس - وفي دولة مثل بوليفيا - أكثر
مما تتحمله واشنطن، وخاصة في هذا التوقيت.
إنه أول هندي «ينتمي إلي قبيلة ايمرا الهندية» يقود
بوليفيا منذ تأسيسها قبل 180 سنة.
نشأ في كوخ من طوب اللبن مسقوف بأعواد من القش، ولم يستطع
أربعة من أشقائه السبعة مقاومة الظروف الصعبة.. فماتوا وهم
لايزالون أطفالا، واستطاع - هو - أن يبقي علي قيد الحياة
بصعوبة بعد أن عالجه رجل غير متخصص يتطوع لمعالجة الفقراء
بالطرق التقليدية.
اشتغل في سنوات الصبا في رعي قطعان اللامة «حيوان أمريكي
جنوبي يشبه الجمل، ولكنه أصغر حجما وليس له حدبة»، ويحتال
علي الجوع بالبحث عن قشور البرتقال التي يلقي بها
المسافرون من نوافذ الأوتوبيسات العابرة.
يقول موراليس: «كنت أحلم بأن أسافر في أحد هذه
الأوتوبيسات».
وعمل موراليس مزارعا في حقول الكولا بعد أن اضطر إلي ترك
دراسته الثانوية كما اشتغل عامل بناء وخبازا ثم في قطع
أعواد قصب السكر ثم عازفا علي البوق.
وفي عام 1983، أصبح مسئولا في نقابة مزارعي الكولا.
وفي منتصف التسعينيات تزعم موراليس حزب «الحركة نحو
الاشتراكية»، وأصبح عضوا في البرلمان عام 1997.. وبسبب
نشاطه السياسي أسقطوا عنه العضوية.
وفي عام 2002، جاء ترتيبه الثاني في الانتخابات الرئاسية،
وبعدها أصبحت «الحركة نحو الاشتراكية» أكبر قوة سياسية في
بوليفيا.
الحلم الأول منذ عودة الديمقراطية إلي بوليفيا، بعد سلسلة من
الحكومات العسكرية.. لم يحصل أي رئيس علي هذ العدد من
الأصوات الذي حصل عليه موراليس وبفارق كبير عن منافسه.
كانت البلاد قد شهدت عشرات الانقلابات العسكرية وسط
اضطرابات كبري، وظل رؤساء الجمهورية يأتون ويذهبون بسرعة
في بوليفيا حيث تطاردهم اللعنات وحركات الاحتجاج الشعبية
التي أطاحت برئيسين منذ عام 2003 آخرهما «جونسالو دي
لوسادا» هرب إلي الولايات المتحدة بعد أن عجز عن قمع
الثورة.
هذا الرجل الذي كان يحلم بأن يركب الأوتوبيس.. يقطع اليوم
بوليفيا كلها طولا وعرضا في طائرة خاصة، ويواجه مهمة صعبة
هي تحقيق الأماني التي جعل جماهير بلاده تتشبث بها، وهو
يري أن التغيير لا يمكن أن يتحقق خلال شهور.. ذلك أن
الاستغلال الأجنبي لموارد بوليفيا وشعبها يرجع إلي بداية
الغزو الأسباني، فالإنسان لا يستطيع تسديد ديون عمرها 500
سنة في بضع شهور.
الحلم الثاني ولم يتأخر موراليس في إبلاغ مواطنيه بأنه «حان وقت
الخلاص».. ليس في بوليفيا فحسب بل في أمريكا اللاتينية
برمتها.
ولا يخفي موراليس إعجابه بكل من فيدل كاسترو وهوجو شافيز،
وفي مقابلة مع التليفزيون الكوبي، قال «كنت أحلم هذه السنة
بدعم نضال فيدل والشعب الكوبي ضد الإمبريالية، والآن أتيحت
لي الفرصة للانضمام إليه في هذا النضال سعيا إلي السلام
والعدالة الاجتماعية».
وقد زادت شعبية موراليس عندما حذر السفير الأمريكي في
العاصمة البوليفية لاباز «مانويل روشا» من أن انتخاب
موراليس سيؤدي إلي إنهاء المعونة الأمريكية لبوليفيا،
واعتبر موراليس أن السفير جعل من نفسه - بهذا التصريح -
مديرا لحملته الانتخابية!.
كابوس ل واشنطن وفي محاولة للتعبير عن حجم انتصار اليسار والتلاحم بين
الزعماء اليساريين في أمريكا اللاتينية، قالت جريدة
أرجنتينية محافظة «لاناسيون» في لهجة التساؤل: «هل فاز
موراليس في بوليفيا، أم أن هوجو شافيز فتح أول منفذ في
منطقة الانديز»؟.
ومن الطبيعي أن تشعر الولايات المتحدة بالصدمة، فقد وعد
موراليس بأن يكون هو وحزب «الحركة نحو الاشتراكية» بمثابة
«الكابوس لواشنطن».
فهذا الفلاح النقابي الهندي صعد بسرعة واستطاع أن يفاجيء
الجميع، ويطرح القضية المحورية في برنامجه: تأميم موارد
الغاز.
وهذا الرئيس الجديد الذي يصف نفسه بأنه «هندي قبيح يشبه
فمه منقار الببغاء» يقول إن الإرهابي الوحيد الذي يعرفه في
العالم هو الرئيس الأمريكي بوش، ويصف حربه ضد العراق بأنها
«إرهاب دولة»، ويرفض الرجل الخلط بين المقاومة الوطنية
والإرهاب، فيقول: «هناك فرق بين المواطنين الذين يحاربون
من أجل قضية، وما يقوم به الإرهابيون، اليوم في بوليفيا
وأمريكا اللاتينية نشهد الإمبريالية وهي ترفع سلاحها ضد
المواطنين من خلال التدخل العسكري والقواعد العسكرية».
طراز جديد ويري موراليس أن المعركة ضد تجارة المخدرات مبرر كاذب
تسوقه الولايات المتحدة لإقامة قواعد عسكرية.
وهو يقف مع المزارعين في بوليفيا، الذين يصرون علي زراعة
الكولا من أجل الاستخدامات التقليدية، مثل الأعشاب
العلاجية وبعض الطقوس.
صحيح أن الكولا تستخدم في إنتاج الكوكايين، ولكن الكوكايين
أو الاتجار في المخدرات لا يمثل جزءا من ثقافة بوليفيا،
علي حد تعبير موراليس الذي يؤيد خوض معركة فعالة ضد
المخدرات.
لقد شعر البوليفيون بالملل من سيطرة نخبة بيضاء أو «مخلطة»
تنفذ أوامر واشنطن والشركات متعددة الجنسية، ولذلك فإن
القضية الكبري التي يتمسك بها موراليس هي «الدفاع عن
الكرامة والسيادة» وحماية ثروات البلاد من نهب الشركات
الدولية، ومن شرور «الجار الشمالي».
ويعبر مواطن بوليفي عادي في لاباز عن الشعور العام السائد
الآن في بلاده، فيقول:
«ايفو موراليس» شيء جديد، ليس من طراز الزعماء الفاسدين
الذين باعوا وطننا، أعتقد أنه قادر علي الوفاء بوعوده..
علي خلاف الآخرين».